فتحت دول حلف شمال الأطلسي فصلا جديدا في عملياتها الفضائية المشتركة، عبر إطلاق مبادرات متعددة الجنسيات تهدف إلى ربط القدرات الوطنية في شبكة أكثر تكاملا ومرونة، وتعزيز قدرة الحلف على الاتصالات العسكرية والاستطلاع والإنذار المبكر وتتبع الصواريخ. وفي صدارة هذه التحركات جاءت مبادرة "هالو" التي أطلقتها ثماني دول خلال منتدى الصناعات الدفاعية المصاحب لقمة الناتو في أنقرة، بهدف دمج الأقمار العسكرية المملوكة للدول الأعضاء في كوكبة شبكية ضخمة، بما يحد من قيود التكلفة والتغطية وبطء تطوير الأساطيل الفضائية المنفردة.
تزامن إطلاق المبادرة مع توسيع برامج أخرى تشمل الإطلاق السريع للأقمار الصناعية والمراقبة المستمرة من الفضاء، إلى جانب إعلان كندا وإسبانيا وتركيا مساهمات جديدة في البنية الفضائية للحلف، في خطوة تعكس انتقال الفضاء من مجال داعم للعمليات العسكرية إلى ساحة مركزية في التخطيط الدفاعي للناتو.
وأطلقت المبادرة كل من كندا والدانمارك وفنلندا وألمانيا وهولندا والنروج والسويد وتركيا، في السابع من يوليو/تموز 2026 لربط أقمارها الصناعية العسكرية في شبكة فضائية موحدة، مع احتفاظ كل دولة بملكية أقمارها والسيطرة عليها، لدعم شبكة الاتصالات العسكرية السريعة وجمع المعلومات وتتبع الصواريخ وتخفيف تكلفة بناء أسطول فضائي متكامل بصورة منفردة.
وتتجاوز أهمية "هالو" قدراتها العسكرية المباشرة، إذ تعكس تحولا أوسع في مفهوم القوة الفضائية. فلم يعد التفوق يقاس بعدد الأقمار التي تمتلكها الدولة فقط، بل بقدرتها على ربطها بأقمار الحلفاء وتشغيلها ضمن شبكة مرنة تتبادل البيانات وتواصل العمل حتى عند تعرض بعض عناصرها للتشويش أو الهجوم.
لا يقتصر هذا الاتجاه على الناتو، إذ تعمل تحالفات دولية أخرى على تنسيق قدراتها الفضائية وتبادل المعلومات. هكذا تنتقل المنافسة تدريجيا من سباق بين برامج وطنية منفردة إلى سباق بين شبكات وتحالفات فضائية، قد تكون الغلبة فيه للأقدر على الربط والإدارة واستثمار البيانات، لا للأكثر امتلاكا للأقمار وحده.
تعزيز الاتصال والتكامل
لا يملك حلف شمال الأطلسي حاليا كوكبة أقمار صناعية تابعة له، فقد أطلق ثمانية أقمار مخصصة للاتصالات بين عامي 1970 و1993. ومنذ عام 2005 بدأ الحلف انتقالا تدريجيا من تشغيل أقمار يمتلكها إلى الاعتماد على خدمات تقدمها الأقمار العسكرية الوطنية للدول الأعضاء. ويعمل الناتو اليوم عبر برنامج خدمات الاتصالات الفضائية من الجيل السادس، الذي بدأ تقديم خدماته في يناير/كانون الثاني 2020 ويستمر حتى نهاية عام 2034، بميزانية تبلغ مليار يورو. ويتيح البرنامج للحلف الوصول إلى أربعة أنظمة عسكرية وطنية، هي "سيراكيوز" الفرنسية، "سيكرال" الإيطالية، "سكاي نت" البريطانية، و"دبليو جي إس" الأميركية.
ويقدم النظام ثلاثة مستويات من الاتصالات، يستخدم المستوى الأول لنقل كميات كبيرة من البيانات إلى القواعد والوحدات العسكرية المنتشرة، بينما يخصص المستوى الثاني للاتصالات التكتيكية بين القوات العاملة في الميدان. أما المستوى الثالث فيوفر اتصالات أكثر أمنا وقدرة على الاستمرار خلال التشويش أو داخل البيئات العسكرية الشديدة الخطورة.


