برز شرق البحر المتوسط خلال السنوات الأخيرة كإحدى أكثر الساحات الجيوسياسية تنافسا في العالم، حيث تتداخل موارد الطاقة، والحدود البحرية، وممرات الربط الاستراتيجي، في إعادة رسم موازين القوة الإقليمية. في صدارة هذا المشهد المتغير تبرز تركيا وإسرائيل، وهما دولتان كانتا تتمتعان بعلاقات استراتيجية وثيقة، قبل أن تشهد هذه العلاقات تحولا عميقا بفعل حرب غزة، وتبدل التحالفات في الشرق الأوسط، والتحولات السياسية في سوريا. اليوم، تسعى كل من الدولتين إلى ترسيخ رؤية مختلفة لدورها الإقليمي، عبر بناء شبكات للطاقة والبنية التحتية والتجارة، تجعل منهما محورين رئيسين يربطان أوروبا بالشرق الأوسط وآسيا.
تسعى تركيا إلى تكريس موقعها باعتبارها الجسر البري الرئيس الذي يربط أوروبا بالقوقاز وآسيا الوسطى والخليج. وتجمع استراتيجيتها بين عقيدة "الوطن الأزرق" التي تعكس طموحاتها البحرية في شرق المتوسط، وبين الاستثمار في مشاريع الربط العابرة للأقاليم. وتشكل ممرات الغاز الجنوبية، وخط أنابيب باكو–تبليسي–جيهان، وخط أنابيب الغاز العابر للأناضول (TANAP)، والممر الأوسط الممتد من الصين عبر آسيا الوسطى والقوقاز إلى أوروبا، وخط أنابيب العراق–تركيا، إضافة إلى المقترحات المتعلقة بخط الغاز قطر–تركيا ومشاريع النقل الإقليمية مثل سكة حديد الحجاز الحديثة، ركائز أساسية في طموح أنقرة للتحول إلى مركز لا غنى عنه للطاقة والتجارة بين الشرق والغرب.
وترى تركيا أن هذه المشاريع لا تعزز فقط مكانتها كممر للطاقة، بل تدعم أيضا دورها الاستراتيجي داخل حلف شمال الأطلسي وأمن الطاقة الأوروبي. وعكست المناقشات الأخيرة في شأن احتمال إعادة النظر في مشاركة أنقرة في برنامج مقاتلات "إف-35"، على الرغم مما أُفيد عن اعتراضات إسرائيلية، تنامي أهمية تركيا في منظومة الأمن الإقليمي المتغيرة، ودورها المتزايد في الحسابات الاستراتيجية الغربية.
في المقابل، تحولت إسرائيل إلى لاعب بارز في سوق الطاقة الإقليمية بعد تطوير حقول الغاز البحرية، "تمار" و"ليفياثان" و"كاريش"، التي تتجاوز احتياطياتها المؤكدة مجتمعة 900 مليار متر مكعب، وساهمت في رفع الإنتاج السنوي إلى أكثر من 25 مليار متر مكعب. وترتكز الاستراتيجيا الإسرائيلية على تصدير الغاز عبر مصر والأردن، وتوسيع البنية التحتية البحرية، والاندماج في مبادرات الربط الإقليمي الكبرى، وفي مقدمتها الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. كما تعكس خطوط الأنابيب الممتدة إلى منطقة العريش المصرية، والمشاريع الرامية إلى ربط الموانئ الإسرائيلية بالأسواق الخليجية والأوروبية، مساعي تل أبيب لتحويل موارد الطاقة إلى مصدر نفوذ جيوسياسي طويل الأمد.
ويمثل البعد البحري جبهة أخرى لهذا التنافس. فعبر عقيدة "الوطن الأزرق"، تعترض تركيا على ترتيبات المناطق الاقتصادية الخالصة التي تدعمها اليونان وقبرص وإسرائيل، معتبرة أنها لا تأخذ في الاعتبار حقوقها البحرية وحقوق القبارصة الأتراك بشكل كاف. وقد أدت هذه الخلافات إلى تعقيد عمليات التنقيب البحرية، والتأثير في خطط خطوط الأنابيب، والحد من فرص التعاون في مجال الطاقة، كما ساهمت في إعادة تقييم مشاريع مثل خط أنابيب شرق المتوسط "إيستمد" وتعزيز الاصطفافات الإقليمية المتنافسة.