حاول لبنان النأي بنفسه عن الحروب العربية الإسرائيلية، الدولتية، وعلى الرغم من ذلك فهو أكثر بلد دفع ثمن تلك الحروب، بأبهظ ما يمكن، بشريا وماديا وسياسيا، فإضافة إلى أنه أحد البلدان المستقبلة للاجئين الفلسطينيين، بعد النكبة (1948)، إذا به بعد حرب (1967) يغدو، أيضا، بمثابة الساحة الأساسية للحركة الوطنية الفلسطينية، والكفاح المسلح الفلسطيني، وتاليا لذلك كساحة رئيسة لنشاط "حزب الله"، بتابعيته لـ"الحرس الثوري الإيراني"، ونظام "الولي الفقيه" في طهران، بعد اجتياح إسرائيل للبنان (1982)، مع وقوعه تحت هيمنة النظام السوري لثلاثة عقود، منذ عام (1976).
لم تحصل تلك التطورات لأسباب لبنانية فقط، ناجمة عن ضعف مبنى الدولة، وتركيبة المجتمع الطائفية وتناقضاته السياسية، وإنما حصلت أيضا بدفع من عوامل خارجية، أهمها سعي بعض الأنظمة العربية لتغطية هزيمتها في تلك الحرب، وترميم شرعيتها في مجتمعاتها، والإمساك بالورقة الفلسطينية، لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، والتذرع بمقاومة إسرائيل لتعزيز هيمنتها السلطوية في بلدانها، يضاف إلى ذلك العامل الذاتي المتمثّل بتوفّر حاضنة شعبية فلسطينية ولبنانية مؤيّدة للكفاح المسلح ضد إسرائيل، وقد عزز من ذلك صعود نفوذ إيران في الشرق الأوسط، وتبرير سياساتها بقضية فلسطين ومقاومة إسرائيل.
في قابلية لبنان كساحة
يفترض هنا لفت الانتباه إلى ستّ مسائل:
الأولى، إن تحوّل لبنان إلى الساحة الرئيسة للمقاومة الفلسطينية المسلحة حصل بعد حرب يونيو/حزيران (1967)، لذا فهذا هو الحدث الذي يجدر التأريخ به لانطلاقة تلك المقاومة، إذ حينها فقط، اكتسبت شرعيتها الرسمية، وتكرّست بعد أن أضحت حاجة للأنظمة العربية للتغطية على تلك الهزيمة.
ثانيا، تم تشريع الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان في اتفاقية القاهرة (1969)، التي وقعت بين لبنان و"منظمة التحرير"، بضغط من الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وتضمنت منح الفلسطينيين المقيمين فيه حق العمل والإقامة والتنقل، والاعتراف بوجود المقاومة الفلسطينية، وإعطاؤها الحق في العمل انطلاقاً من الأراضي اللبنانية، وإدارة شؤون مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.
ثالثا، وجدت الأنظمة العربية المعنية، بخاصة النظام السوري، في لبنان الضعيف، المجال الأنسب للتنفيس عن الغضب العربي، ومقاومة إسرائيل، لتعذر ذلك في الأردن، بعد أحداث سبتمبر/أيلول (1970)، ما يعني أن سوريا كانت بمثابة ساحة نقل وعبور للفصائل الفلسطينية من الأردن إلى لبنان، وهو الدور الذي لعبته لاحقا، كساحة عبور للدعم الإيراني لـ"حزب الله" في لبنان، أي إن دور سوريا كان أساسيا في الحالين، لغايات وظيفية تخدم النظام، من دون أن يسمح لا للمقاومة الفلسطينية ولا لـ"حزب الله" بالعمل من الجبهة السورية.



