عن أحمد الشرقاوي الذي زاوج بين ذاكرة الوشم ورحابة العلامة

صاحب أغلى لوحة مغربية

Lina Jaradat
Lina Jaradat

عن أحمد الشرقاوي الذي زاوج بين ذاكرة الوشم ورحابة العلامة

تعرف حاليا أعمال الفنان التشكيلي المغربي الراحل أحمد الشرقاوي (1934 - 1967) قيمة مادية رفيعة ومنزلة رمزية حقيقية ومعتبرة، بعدما أعلن قبل أسابيع قليلة بيع لوحته "علامات في السماء" في مزاد فرنسي بمبلغ تجاوز 868 ألف يورو، وهو أمر حرك الكثير من أهواء الغاليريهات والقيمين الفنيين وسماسرة الفن بشكل عام، ممن يمتلكون لوحات الشرقاوي الذي عاش حياة قصيرة وترك بصمة واضحة في التشكيل المغربي، لا سيما أن أعماله ظلت تهجس بتحولات جمالية طبعت اللوحة المغربية خلال لحظات من مسار تشكل هويتها الجمالية.

لم يستفد الشرقاوي ماديا من لوحاته التشكيلية في حياته، فظل يعمل خطاطا ومصمم إعلانات بمدينة الدار البيضاء، رغم أنه درس فن الغرافيك في معاهد الفنون الجميلة في باريس ووارسو بين 1956 و1961. وقد أثارت اللوحة المبيعة الكثير من الجدل داخل ساحة فنية مغربية أضحت تتعامل مع الممارسات التشكيلية، باعتبارها مجرد موضة ثقافية يحن إليها بعض الفنانين والنقاد الباحثين عن مجد وهمي. لكن السؤال لم يطرح حول لوحة "علامات في السماء" بل امتد إلى فنانين آخرين أمثال الشعبية طلال ومحمد المليحي والجيلالي الغرباوي وعباس الصلادي، فكل هؤلاء الفنانين بيعت لوحاتهم بمبالغ كبيرة في العديد من المزادات العالمية بفرنسا وأميركا ودبي وقطر.

من هنا طرح مجموعة من النقاد مسألة تزوير الأعمال الفنية وكيف غدت بعض اللوحات منتشرة لوجوه بعينها، مع العلم أن هذه التجارب الفنية لم تعمر طويلا، بما يجعل الأعمال الفنية التي تعرض داخل مؤسسات فنية تظل مطبوعة بعلامات استفهام من لدن النقاد والفنانين أنفسهم.

تبني اللوحة عوالمها من خلال مفهوم العلامة بكل ما يطبعها من أبعاد روحانية ذات صلة بالهوية المغربية

 وتعتبر اللوحة التي بيعت قبل أيام، أعلى الأعمال من ناحية القيمة المادية في تاريخ أحمد الشرقاوي، وهو أمر اعتبره بعض النقاد عاديا ما دامت اللوحة حقيقية، ويقدم الشرقاوي من خلالها تجربة تشكيلية أصيلة عرف من خلالها في تلك الفترة، بأنه الأكثر انغماسا في الأوشام والخطوط والحروف الأمازيغية ذات النفس المحلي التي طالما عشقها الفنان في طفولته بمدينته الصغيرة أبي جعد.

تمنح هذه اللوحة صورة أثيرة عن التجربة التي عمل عليها الشرقاوي وتبني عوالمها من خلال مفهوم العلامة بكل ما يطبعها من أبعاد روحانية ذات صلة بالهوية المغربية. وبقدر ما خلقت اللوحة جدالا عاما بين المثقفين، فإنها من جهة أخرى، ظلت تضمر في عمقها مدى تقلبات السوق الفنية وكيف أضحت بعض المزادات الغربية تنتبه الى اللوحة المغربية، بكل ما يطبعها من غنى جمالي على مستوى التجارب الرائدة، بل وأيضا من لدن الحساسيات الجمالية المختلفة التي بلورتها الأجيال الجديدة وسعت إلى تكريسها عبر تكسير أفق اللوحة من خلال الانفتاح على رحابة الفضاء العمومي.

بحثا عن هوية مغربية مركبة

لم يعرف المغرب مثل هذا الجدال منذ سنوات طويلة، وبالضبط منذ اللحظة التي بيعت فيها لوحة تحمل عنوان "الهدية" بـنحو نصف مليون دولار. اللوحة يصور فيها الفنان عباس الصلادي (1950 - 1990) خروج الناس في كرنفال شعبي في طريقهم لتقديم الهدايا إلى العروس، حيث الأجساد آدمية والرؤوس تنتمي إلى كائنات لا نعرف مصدرها. إذ اعتبرت الأغلى في تاريخ اللوحة المغربية، في وقت كان فيه الصلادي يبيع لوحات بـخمسة دولارات داخل ساحة جامع الفنا بمدينة مراكش. بيد أن مسألة البيع لم تمر سلسة إلى حد ما، كما هو الأمر مع لوحة "علامات في السماء" لأحمد الشرقاوي، بل واكبها جدال كبير جدا، جعل العديد من الفنانين يعتبرونها مزورة، بسبب حجمها الكبير بالمقارنة مع الكادرات الصغيرة التي طالما عرفت بها أعمال عباس الصلادي.

 RABIH MOGHRABI / AFP
عمل للفنان المغربي فريد بلكاهية في مزاد لـ"كريستيز" بدبي

لم يكن أحمد الشرقاوي يعتقد أن لوحاته ستقفز إلى هذا الحد في مزادات العالم بطريقة تبدو انها تسخر منه ومن حياته الفقيرة، بعدما أمضى سنوات قاهرة في مسقط رأسه داخل الزاوية الصوفية الشرقاوية التي ينتمي إليها. وهي زاوية لها تاريخها الضارب في تاريخ المغرب الحديث، إذ تعود إلى مطلع القرن السادس عشر ولها امتداد كبير في جغرافيا المغرب، وفي كنفها تربى الفنان. فداخل هذه الزاوية أدرك الشرقاوي وجوده، لكن ذلك لم يكن بمنأى من والدته الأمازيغية التي تعلم منها الأحاجي وظل طوال حياته يحاول تفكيك ميكانيزمات الأحاجي والأوشام وفق آلية بصرية تقوم على استلهام الخطوط والدوائر والعلامات، ومحاولة توظيفها على تضاريس اللوحة المسندية بطريقة تبدو فيها هندسة اللوحة كأنها سفر بصري في مجهول الثقافة الأمازيغية.

: WikiArt
الفنان المغربي أحمد الشرقاوي

الانتماء الروحي الى "جماعة 65"

لا شك في أن أحمد الشرقاوي يعد قطبا من أقطاب التشكيل المغربي وعمودا من الأعمدة التي تنبني عليها اللوحة المغربية، إلى جانب كل من فريد بلكاهية وعباس الصلادي ومحمد المليحي ومحمد القاسمي وفؤاد بلامين والجيلالي الغرباوي وغيرهم من الفنانين الذين وضعوا أسس الحداثة التشكيلية خلال مرحلة عرفت بسيطرة اللوحة الكولونيالية بكل ثقلها الإيديولوجي. فإذا كان محمد المليحي، قد أدرك العالم من خلال مويجات البحر الزرقاء التي اكتشف إيقاعها وسحرها في طفولته بمدينة أصيلة، فإن أحمد الشرقاوي تنفس العلامة الأمازيغية في سهول الشاوية وجعلها بمثابة الأفق البصري الذي تنبثق منه المفاهيم والرؤى والتصورات كافة.

ظل طوال حياته يحاول تفكيك ميكانيزمات الأحاجي والأوشام وفق آلية بصرية تقوم على استلهام الخطوط والدوائر


ويحظى الشرقاوي بنوع من الإجماع الفني بين النقاد والباحثين، في كونه من صناع الحداثة التشكيلية بالمغرب، وواحدا من المجددين الذين ساهموا في تطوير اللغة التشكيلية وجعلوا اللوحة المغربية تدخل ضمن مدارات الكونية. ورغم وفاته المبكرة على الضفة الأولى من عمره، إلا أن إرثه التشكيلي المتناثر هنا وهناك، ظل منذ ستينيات القرن العشرين يحرك أهواء النقاد والأكاديميين والقيمين على المعارض، لأنهم يجدون في تجربته نبوغا بصريا مبتكرا، سيما داخل المرحلة التاريخية التي انتمى إليها وعرفت في كونها المرحلة الذهبية بالنسبة للتشكيل المغربي.

Tolga Akmen / AFP
عمل للفنان المغربي محمد المليحي في دار "سوذبيز" بلندن

روحيا انتمى أحمد الشرقاوي إلى مدرسة الدار البيضاء أو ما يسمى داخل الأدبيات التاريخية بـ"جماعة 65" التي تضم كلا من فريد بلكاهية ومحمد شبعة ومحمد المليحي. وهو "تيار" تشكيلي عرف باهتمامه الكبير بالتراث المغربي. فقد عملت الأسماء المذكورة إلى جانب الشرقاوي على القطع مع الإرث الاستعماري داخل التجربة التشكيلية. لا يتعلق الأمر بالمتخيل الفني فقط من ناحية المواضيع الفنية والأساليب الجمالية، بل حتى على مستوى السند، إذ قاموا بالثورة عليه ووظفوا الجلد والألواح وغيرها.

من الرموز إلى العلامات

حقق الشرقاوي داخل هذه المدرسة أو على الأقل في التصادي مع أفقها التحرري، تجربة غنية بلورت هوية بصرية جديدة للوحة المغربية. وكان الرهان في هندسة الأعمال الفنية على استلهام الرموز والعلامات والأوشام والأشكال الهندسية والخطوط المتنوعة. إنها عناصر جمالية تستوحي ذاكرتها من المعمار والموسيقى والزرابي وأعمال الحرفيين، فكلها وجدت لنفسها إقامة دائمة على تضاريس اللوحة. كما أن الوعي بقيمة تاريخ المغرب وحضارته بالنسبة لهؤلاء الفنانين، جعل فريد بلكاهية مثلا، ينفتح بقوة على المواد المحلية مثل القهوة والتراب والرمل والزعفران والنحاس والجلد والخشب ويستخدمها في تركيب اللوحة كمحاولة لإعطاء الطابع المحلي للوحة وإعادة تشكيلها وفق هوية مغربية خالصة تقطع بشكل كلي مع ترسبات الآخر.

 AFP
امرأة أمازيغية تعرض سجادة نسجتها في تازناخت بالمغرب

نجح الشرقاوي في بلورة هويته الفنية الخاصة برهانه على عمق العلامة وجعلها هوية بصرية حقيقية ستنطبع بها كل أعماله الفنية. بيد أن هذا الرهان لم يأت فقط كتكريس لنوع من "مغربة" اللوحة، بل كمشروع فكري آمن به الرجل وحمله معه إلى باريس عام 1956 لدراسة الخط العربي ورموز الفن الأمازيغي، وهي مرحلة أثرت بشكل كبير على كل نتاجه الفني إلى لحظة وفاته. لم يسع الشرقاوي إلى تقليد أحد، لذلك طالما اعتبر بمثابة "الغريب" داخل البيئة التشكيلية المغربية، لأن أعماله تخرج من أغوار جسده ويحاول عبرها تأسيس لغته الخاصة التي تحاور الرموز والعلامات وتتعامل معها باعتبارها براديغمات أنثروبولوجية تحتاج إلى فك ميكانيزماته وخفاياها. في لوحة الشرقاوي، لا شيء غير الرموز والعلامات، إذ رغم حرارة اللوحة وتوهجها في بعض الأحيان، فإن العنصر الكاليغرافي يبدو أنه يعمي العين ويضللها، بما يجعل المشاهد يدخل في سبر أغوار أحجية لوحاته التي تتخذ شكل قصص وحكايات. يبدو الشرقاوي في لوحاته مثل طفل يحاول تقليد والدته وهي تحيك الزرابي المضمخة بأحاجي القبيلة وإرث الأجداد والحكايات الشعبية التي تتخذ شكل علامات نازلة من نبع مجهول. لا يحاول صاحب لوحة "عزيزة" الدخول في السرد البصري الذي تبقى اللوحة النقيض الحقيقي له، لذلك آثر الدخول في لعبة الرموز والمرايا الداخلية، حيث اختراق مكبوت اللوحة، لا يتأتى وفق المعرفة الأكاديمية فقط، بل أيضا من خلال التواصل الروحي الذي ترعرع في كينونته داخل الزاوية التي انتسب إليها من طرف عائلة والده.

لطالما اعتبر الشرقاوي بمثابة "الغريب" داخل البيئة التشكيلية المغربية، لأن أعماله تخرج من أغوار جسده ويحاول عبرها تأسيس لغته الخاصة

يوظف الشرقاوي هذه الخطوط والأوشام بطريقة يجردها من ترسباتها التاريخية ويجعلها بمثابة عنصر جمالي يعبر عن هويته الخاصة. لذلك تأتي الأعمال الفنية خاضعة لتصور أنطولوجي مغاير وآلية بصرية تجريدية مختلفة، لا علاقة لها بمفهوم التمثل، وبما يمكن أن يكونه المرء في ذاته عن الرموز، لأنها تقوم على وحدة تركيبية تزج بالمتلقي في سلسلة من التأويلات الأنثروبولوجية اللامتناهية. وهي هنا تتصادى من ناحية الغموض مع لوحات عباس الصلادي المبهمة بكائناتها، رغم الاختلاف الوجودي بين الشرقاوي والصلادي من الناحية التقنية، فالأول، يراهن على الصباغة باعتبارها بصمة على جبين العالم، بينما الثاني يدفع بالرسم إلى واجهة المرئي.

font change