تراوحت الألقاب التي أُطلقت على وانغ هونينغ، لا سيما من قبل بعض المتابعين الغربيين للشأن الصيني، من "المثقف الأكثر تأثيرا في العالم" إلى "الحاكم الخفي"، مرورا بتوصيفات أكثر واقعية مثل "القيصر الأيديولوجي" للصين أو "العقل الفكري خلف رؤية شي جينبينغ"، لكن بالنسبة لبعض الصينيين، فإن الدور الذي يؤديه وانغ ليس أمرا مستحدثا ولا يحتاج إلى كثير من الشرح، ففي التراث السياسي الصيني، كان لقب "غوه شي"، أي "مرشد الأمة" أو "معلم الدولة"، يُمنح لشخصية تعتبر من بين الأكثر حكمة وعلما، تكلف بتقديم النصح الاستراتيجي والروحي للإمبراطور وتساهم في صياغة فلسفة الحكم.
أما وانغ تحديدا، فيطلق عليه بعض الصينيين اصطلاحا لقب "سان تشاو دي شي"، وترجمته الحرفية "معلم ثلاثة أباطرة"، في استعارة تعود إلى تقاليد العهد الإمبراطوري، للدلالة على دوره كمستشار فكري لثلاثة زعماء صينيين متعاقبين: جيانغ زيمين، وهو جينتاو، وشي جينبينغ.
"سلام شنغهاي"
هذا الدور الكبير لوانغ، وقدرته على كسب ثقة ثلاثة رؤوساء تعود إلى مسيرته الاستثنائية التي شكلت شخصيته كأكاديمي مستقل و"مثقف عام" غزير الإنتاج، قبل أن يُستدعى إلى تشونغنانهاي في عام 1995 في النصف الثاني من عهد جيانغ زيمن.
ولد وانغ في مدينة شنغهاي لعائلة "كوادر ثورية"، فوالده ووالدته اللذان ينحدران من مقاطعة شانغدونغ، انضما إلى الحزب خلال الحرب الأهلية وقاتلا في صفوف الجيش الأحمر الذي تحول لاحقا إلى جيش التحرير الشعبي، وشاركا في حملة شنغهاي الشهيرة التي انتهت بسيطرة الشيوعيين على المدينة عام 1949 ، وعلى ما يبدو كان لذلك تأثير كبير عليهما حيث قررا الاستقرار في المدينة التي تعد قلب الصين الاقتصادي، وأطلقا على ابنهما المولود في 1955 هونينغ وهو اسم مركب يعني "سلام شنغهاي"، لكن مصير العائلة بعد ذلك كان أبعد ما يكون عن السلام، فخلال الثورة الثقافية وحملات التطهير السياسي رُبط والده الضابط بملف بينغ ديهواي، مارشال الصين ووزير الدفاع الذي أغضب ماو فتعرض للإقصاء، وبذلك انضمت عائلة هوانغ إلى آلاف العائلات الصينية التي سحقت تحت الآلة العمياء للثورة الثقافية، وأجبر وانغ على قضاء مراهقته في المنزل ما حوله إلى شخص انطوائي يحب القراءة ويراهن على المعرفة طريقا للخلاص لا على الولاء الذي أوصل والديه إلى التهميش.
وعلى عكس الآلاف من أبناء جيله ومنهم شي جينبينغ، الذين أُجبروا على الالتحاق في "حملة الصعود إلى الجبال والنزول إلى الريف"، فقد أعفي وانغ من الإرسال إلى المقاطعات النائية ذات الطبيعة القاسية لضعف بنيته الجسدية، وفي امتياز منح فقط لبعض أبناء شنغهاي، يوضح وانغ أنه بعد تخرجه من الثانوية عام 1972 أمضى نحو أربع سنوات ونصف في العمل الجزئي بأرياف تابعة لبلدية شنغهاي ومحيطها المباشر.
الأب الفكري للمركزية
نجاة وانغ النسبية من مآسي أبناء جيله لم يكن حدثا عابرا بل أثر بشكل كبير في إعداده الأكاديمي، فبدلا من العمل الشاق في المزارع البعيدة، وجه للدراسة في جامعة شنغهاي حيث أمضى نحو أربع سنوات ونصف السنة في دراسة وتعلم اللغة الفرنسية. وفي 1978 أعاد دينغ شياوبينغ فتح الجامعات التي أغلقت خلال الثورة الثقافية، فتقدم وانغ لامتحان "كاو غاو" الوطني للقبول وحقق نتيجة مذهلة، ما دفع جامعة فودان، التي تعد من أعرق جامعات شنغهاي إلى قبوله مباشرة في برنامج الماجستير في قسم السياسة الدولية متخطيا مرحلة البكالوريوس.

