الداعم الحقيقي لفلسطين

الداعم الحقيقي لفلسطين

استمع إلى المقال دقيقة

مع إعلان توقيع الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية اتفاقية تعاون نووي مدني يمتد لمدة 30 عاماً بضمان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ثارت ثائرة اللوبي احتجاجا، مما دعا الرئيس دونالد ترمب إلى اشتراط انضمام المملكة إلى الاتفاقيات الإبراهيمية لإتمام الأمر. ذلك كان الخبر الأبرز على ساحة الإعلام السياسي في الأيام الماضية، وهو خبر لم تتضح تفاصيل تبعاته بعد، ويظل الأمر معلقا بموقف الكونغرس الأميركي مستقبلا في حال تم عرض الاتفاقية عليه.

ما يهمني ككاتب سعودي هو حضور فلسطين في الحدث، حيث تدفع السعودية ثمنا باهظا من أجل موقفها العربي المبدئي القاضي بإعطاء الشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيرهم القانوني والإنساني بإقامة دولة مستقلة لهم وفق ما نصت عليه المبادرة العربية للسلام عام 2002، والذي تبنته السعودية جملة وتفصيلا، وعملت على ترجمته دوليا عبر دعمها القانوني والسياسي بالشراكة مع فرنسا لإعلان نيويورك القاضي بالاعتراف بفلسطين دولة مستقلة كاملة الحقوق والواجبات؛ وكان أن تم ذلك في المؤتمر الدولي رفيع المستوى للتسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين في سبتمبر/أيلول 2025، حيث حظي القرار الصادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 142 صوتا داعما لرسم مسار لا رجعة فيه لبناء مستقبل أفضل للفلسطينيين والإسرائيليين ولشعوب المنطقة كافة.

وفيه التزم الموقعون بدعم نشر بعثة دولية مؤقتة لتحقيق الاستقرار، بناءً على دعوة من السلطة الفلسطينية وتفويض من مجلس الأمن، انسجاما مع إعلان نيويورك. كما التزموا بدعم تدريب وتجهيز قوات الشرطة والأمن الفلسطينية، مؤكدين على أهمية توحيد قطاع غزة والضفة الغربية تحت مظلة دولة فلسطينية برئاسة محمود عباس، مع التأكيد على دعمه للمضي قدماً نحو مزيد من الإصلاحات في هيكل الحوكمة وبناء الدولة وفق رؤية سليمة.

كما نص الإعلان على دعوة الحكومة الإسرائيلية لاغتنام هذه الفرصة للسلام، ووقف أعمال عنف المستوطنين والتحريض ضد الفلسطينيين، وكذلك وقف الاستيطان ومصادرة الأراضي وأعمال الضم في الأرض الفلسطينية المحتلة، ورفض أي أعمال تؤدي إلى التغييرات الإقليمية أو الديموغرافية، بما في ذلك التهجير القسري للمدنيين الذي يُعد انتهاكا صارخا للقانون الدولي والإنساني، مشددين على أن الحرب والاحتلال والإرهاب والتهجير القسري لن يؤدي إلى تحقيق السلام، وأن الحل السياسي هو الوحيد الكفيل بتحقيق ذلك استنادًا إلى قرارات الأمم المتحدة.

كان ذلك جوهر ما نادى به الإعلان الذي شكّل حالة قانونية سياسية فريدة في إطار الصراع الفلسطيني-العربي مع إسرائيل، مع الإشارة إلى أن الاعتراف بإسرائيل كدولة مستقلة قد انبثق من قرار مماثل بتاريخ 14 مايو/أيار 1948 والذي عارضته الدول العربية المستقلة في وقته، ونتج عن ذلك الدخول في حرب 1948. ومن حينه كثف الإسرائيليون جهدهم السياسي والقانوني للحصول على عضوية الأمم المتحدة، وتحقق لهم ذلك بعد عام من الاعتراف، حيث أصدرت الأمم المتحدة قرارها رقم 273 في 11 مايو/أيار 1949 بقبول عضوية إسرائيل مع تعهدها بتطبيق قرارا الجمعية الصادر في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947 القاضي بتقسيم فلسطين، وقرار حق العودة للاجئين الفلسطينيين بتاريخ 11 ديسمبر/كانون الأول 1948.

أذكر ذلك لأشير إلى أن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن الكرة باتت اليوم بأكملها في يد الفلسطينيين حكومة ومؤسسات رسمية وشبه رسمية، بالإضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني، التي يؤسفني القول إنها غائبة كليا عن المشهد، راضخة لمخطط إسرائيل الهادف إلى طمس إعلان نيويورك بالهروب إلى الأمام وإشعال حرب مستعرة في الإقليم، وهو ما يحدث حاليا.

حقا ما أحوجنا اليوم إلى أن تتحرك مؤسسات الدولة الرسمية وشبه الرسمية وباقي مؤسسات المجتمع المدني في فلسطين المحتلة وفي كل بقاع الأرض، ليحملوا قضيتهم على أكتافهم، ويدعموا القرار السياسي العربي والدولي الذي نص عليه مؤخرا "إعلان نيويورك"، والذي حملت شعلته وحيدة المملكة العربية السعودية

يأتي هذا التقاعس في الوقت الذي بات فيه العالم شعبيا ورسميا مُهيئاً لقبول أي خطاب فلسطيني، ومتفاعلا مع أي دعوة لهم، وما نشهده من تعاطف شعبي دولي ليس طبيعيا، ولم يحدث من قبل، مع التأكيد على أن كل هذا التعاطف لم يكن بسبب خطابات السياسيين، وإنما نتيجة لقسوة الإبادة التي تمارسها الحكومة الإسرائيلية في حق شعب فلسطيني أعزل، وانتشار تلك المشاهد الموحشة غير الإنسانية عبر وسائط التواصل المجتمعي، فكان أن صرخ الناس على مختلف ألوانهم وأعراقهم وجنسياتهم، رفضا لتلك المجازر، وهو ما أجبر كثيرا من الإعلاميين الغربيين البارزين كتاكر كارلسون وبيرس مورغان وغيرهما من مشاهير الفنون والرياضة، ليعلنوا رفضهم لسياسة إسرائيل ولأي دعم دولي لها؛ وكان مؤدى ذلك أن تدنت نسبة الاحترام والتأييد للشخصية اليهودية ولحكومة إسرائيل إلى أدنى درجاتها، بالرغم من حجم الدعم السياسي الرسمي الذي يُشكل مفاصله اللوبي الصهيوني العالمي.

حقا ما أحوجنا اليوم إلى أن تتحرك مؤسسات الدولة الرسمية وشبه الرسمية وباقي مؤسسات المجتمع المدني في فلسطين المحتلة وفي كل بقاع الأرض، ليحملوا قضيتهم على أكتافهم، ويدعموا القرار السياسي العربي والدولي الذي نص عليه مؤخرا "إعلان نيويورك"، والذي حملت شعلته وحيدة المملكة العربية السعودية، وتأبى مروءةً وشهامةً وإيمانا بواجبها العروبي الإسلامي أن تتخلى عنه، بالرغم من كل الضغوط الأميركية، ودون أن تَمُنَّ بذلك على أحد، أو تُسوِّق موقفها دعائيا، إيمانا منها بأن المقاومة الصادقة لا تحتاج إلى ضجيجٍ ورفعِ صوتٍ مُخاتل، كما تعمل إيران التي لم تُدرج القضية الفلسطينية في كل مفاوضاتها الجارية حاليا مع الولايات المتحدة. فهل يدرك العرب والفلسطينيون قيمة الموقف السعودي الصارم؟ وهل سيخرج الفلسطينيون عن سلبيتهم وصراعهم البيني ليَسندوا اليَدَ السعودية في حمل شعلة دولتهم المرتقبة؟      

font change