تزخر السياسة الإسرائيلية بطموحات لم تكتمل لجنرالات سابقين ظنوا أن في وسعهم تحويل الهيبة العسكرية إلى نجاح سياسي. فمن بين رؤساء الحكومات الأربعة عشر الذين تعاقبوا على إسرائيل، لم يكن سوى ثلاثة منهم جنرالات، وكان آخرهم آرييل شارون، الذي انتخب قبل أكثر من عشرين عاما. ومع ذلك، توالى منذ ذلك الحين قادة عسكريون حاولوا، من دون جدوى، كسر هذه "اللعنة" المزعومة، التي تدفع بالجنرالات سريعا إلى صدارة استطلاعات الرأي، قبل أن يتراجعوا وينزلقوا إلى غياهب النسيان.
وقد يكون المرشح الأحدث، غادي آيزنكوت، قادرا على خوض تجربة مختلفة. فهو يتمتع، أولا، بأفضلية في استطلاعات الرأي. ووفقا لبيانات القناة 12 حتى 13 يوليو/تموز 2026، يفضله 43 في المئة من الإسرائيليين لرئاسة الحكومة، مقابل 34 في المئة لبنيامين نتنياهو. وفي استطلاع متزامن أجرته القناة 13، يتقدم حزب آيزنكوت الناشئ بفارق مقعد واحد على "الليكود"، بحصوله على 23 مقعدا مقابل 22.
غير أن المسألة تتجاوز الحسابات الانتخابية المجردة. فقد برز آيزنكوت، من جوانب عدة، نقيضا واضحا لنتنياهو: رجل ذو سلطة رزينة وصلبة، تكاد تشوبها مسحة من الألم بسبب مقتل ابنه في غزة، ويقدم اتزانه بديلا حادا للاستعراض السياسي الذي يطبع أداء الائتلاف الحاكم. وكثيرا ما يتهم خصوم نتنياهو الرجل بتقديم مصالحه الشخصية على مصلحة البلاد. أما صورة آيزنكوت، فتقوم على العودة إلى مفهوم الخدمة العامة، وترتكز على الانضباط العسكري وتجربة الفقد الشخصي.
هوية آيزنكوت السياسية
تستند هوية آيزنكوت السياسية إلى ركيزتين أساسيتين. تتمثل الأولى في أصوله المتواضعة؛ فهو رجل خرج من الأطراف، وتدرج في مراتب الجيش من خلال لواء غولاني، لا عبر وحدات النخبة. وغولاني لواء مشاة يضم في صفوفه إسرائيليين من مختلف شرائح المجتمع. وعلى النقيض منه، خدم نتنياهو وإيهود باراك، وهو عسكري آخر انتقل إلى رئاسة الحكومة، في وحدة "سايريت متكال" النخبوية، وهي وحدة الكوماندوس التابعة لهيئة الأركان. كما نشأ نتنياهو في قلب حي رحافيا المترف في القدس الغربية، ابنا لمفكر يميني، فيما ترعرع آيزنكوت، ابن المهاجرين المغربيين، في مدينة إيلات الساحلية الصغيرة.
ولا تقل الركيزة الثانية أهمية، إذ تنبع من تضحيته الشخصية. فقد خسر رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ابنه في حرب غزة، ودفعت أسرته ثمنا باهظا خلال الحرب، إذ قتل أيضا اثنان من أبناء أشقائه في المعارك.

