يمثل إعلان الحوثيين الشهر الماضي فرض حصار بحري على السفن السعودية، والتقارير التي تحدثت عن توجه لفرض رسوم عبور على السفن التجارية في البحر الأحمر، مرحلة جديدة في مسار جماعة حولت سنوات الصراع إلى اقتصاد حرب معقد. وبينما تنفي جماعة الحوثي نيتها فرض رسوم على حركة الملاحة، تتهمها الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، بالسعي إلى إنشاء نظام إتاوات بحرية، بدعم إيراني، يشكل مصدرا جديدا للإيرادات. وردت السعودية بتشكيل تحالف يضم 14 دولة لحماية خطوط الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.
بعيدا من ساحات القتال، أقام الحوثيون اقتصادا موازيا يمول إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتهم وعملياتهم العسكرية. ووفقا لفريق الخبراء التابع للأمم المتحدة في شأن اليمن، حققت الجماعة إيرادات تقدر بنحو 3.4 تريليون ريال يمني (نحو 13.6 مليار دولار) عام 2023، من خلال الضرائب والرسوم الجمركية والأنشطة المرتبطة بالوقود وقطاع الاتصالات والإيرادات العامة ومصادر أخرى. كما وثق الفريق توسع الحوثيين في فرض الضرائب، واستحداث رسوم جمركية جديدة وإتاوات إضافية عند نقاط التفتيش والمعابر بين مناطق سيطرتهم ومناطق سيطرة الحكومة اليمنية.
ولا يقتصر نموذج الحوثيين المالي على الجباية التقليدية، إذ يشير مركز المخا للدراسات الاستراتيجية إلى أن الجماعة حولت القطاع الخاص اليمني تدريجيا إلى مصدر رئيس لتمويل اقتصاد الحرب، إذ استحوذت، بحسب المركز، على نحو 2.5 مليار دولار عام 2025 عبر مساهمات إلزامية تحت مسمى "المجهود الحربي"، ورسوم التراخيص والجمارك، وإتاوات مفروضة على التجار والمصنعين والمستوردين. كما عزز الحوثيون سيطرتهم على النشاط التجاري من خلال التحكم في تسجيل الشركات والموافقات اللازمة لمزاولة الأعمال، بما يتيح لهم التأثير في الشركات العاملة وضمان امتثالها.
وتشير تقارير أخرى إلى استحواذ الجماعة على إيرادات عامة، وتحويل مسار المساعدات الإنسانية، واستخدام شركات واجهة وقنوات مالية غير رسمية لإخفاء وتحريك الأموال غير المشروعة، ومصادر إيرادات ناتجة من تهريب الأسلحة والمخدرات واستيراد الوقود وتجارته بواسطة شبكات تمتد خارج اليمن، عبر مسارات برية وبحرية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وقد ساهمت هذه الممارسات في تعميق الأزمة الاقتصادية والإنسانية في اليمن. ووفقا للأمم المتحدة، سيحتاج أكثر من 22 مليون شخص، أي نحو نصف السكان، إلى مساعدات إنسانية عام 2026، فيما يواجه 18.3 مليون شخص انعداما حادا في الأمن الغذائي، ويعاني 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة من سوء تغذية حاد. كما تقدر الأمم المتحدة أن الاقتصاد اليمني انكمش بأكثر من 50 في المئة منذ عام 2014، مع تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي بأكثر من النصف، بينما يتوقع صندوق النقد الدولي استمرار الانكماش الاقتصادي خلال عام 2026.