يزعم بعض دارسي الموسيقى التركية أن التقاسيم، كارتجال صوتي وعزفي غير مصحوب بالإيقاع في بداية الأمر، نشأت في البلاط العثماني في النصف الثاني من القرن السادس عشر ولم تذكر قبل ذلك في موسيقات المنطقة.
إلا أن ابن الطحان الفاطمي القاهري، منتصف القرن الحادي عشر للميلاد، في "حاوي الفنون وسلوة المحزون"، يذكر أن التقسيم هو العزف بالآلة كمثل الأوتار والمزامير والطبول. غير أنه لا يوضح كون العزف مؤلفا أم مرتجلا. لكننا نعرف أن الارتجال كان يعتبر أقل في الصنعة من التآليف المتقنة، بل إن فتح الله الشرواني، منتصف القرن الخامس عشر، يعتبره "أخف أنواع التصانيف"، أي الألحان، وترافق ذلك مع إيلاء أهمية كبرى للإيقاعات، على ما يستشف من رسالة السيلكوني مطلع القرن السادس عشر. وما ينبئنا به كتاب "الأغاني" أن الارتجال في الأصل كان تلحينا، غير أنه أقل تفننا. ذلك أن المرتجل هو من يلحن ويغني "راجلا" أي واقفا يضرب الإيقاع بقضيب في يده، بينما "الضارب" هو من يعزف بالعود ما يسمح بتوسيع احتمالات اللحن وزيادة الصنعة.
الارتجال والتأليف
أما العزف الآلي عند ميخائيل مشاقة، سنة 1840، في رسالته الشهابية، فعلى نوعين: الموقع ويسميه "البشرف" بينما البشرف عند العرب، حتى نهاية القرن الثامن عشر، كان نوعا غنائيا، وهو عند الأتراك مؤلف آلي خاص، وما كان مرسلا بغير إيقاع يسميه "التقسيم"، علما بأننا نجد في تراثنا الكثير من التقاسيم الموقعة. ولسنا ندري إن كان هذا خطأ من مشاقة أم اصطلاحاته الخاصة به. فضلا على ذلك، فإن مشاقة أيضا لا يوضح لنا هل هذا العزف مؤلف أم مرتجل.
توازى تطور التقسيم الآلي في إسطنبول مع ضمور المساحة المتروكة للارتجال الآلي في مصر والشام، بخاصة بعد سقوط دولة المماليك وما رافقه من انهيار الطبقة الراعية للموسيقى القديمة، بدليل غياب أسماء المحترفين والمحترفات لهذا الفن من القرن السادس عشر حتى القرن التاسع عشر، وكذلك الفقر الهائل في الكتابات المتخصصة في الجانب النظري من الموسيقى في الفترة نفسها في مصر والشام، فتكاد في ثلاثة قرون ونصف القرن تعد على أصابع اليد الواحدة. حتى إذا أزف منتصف القرن التاسع عشر، نجد عند صاحب "سفينة الفلك ونفيسة الملك" في القاهرة، مقاربة لا تتصور وجود الموسيقى "إلا مربوطة بكلام أهلها"، فهي والغناء واحد. ولن يتغير هذا الوضع في مصر، وتعزيز مقام العزف الآلي، حتى السبعينات تقريبا من القرن التاسع عشر حين استقدم الخديوي موسيقيين من إسطنبول وطلب منهم تدريس الموسيقيين المصريين.
بينما كان الوضع مغايرا في بلد لم يخضع للعثمانيين، مثل المغرب، حيث بقي عدد من "النوبات" أي الوصلات القديمة موجودا حتى أيامنا بما تتضمنه من مقدمات موسيقية (البغيات والتوشيات) واللوازم الموسيقية المخصوصة والمحفوظة التي تمنح الآلات دورا كبيرا في الفن المسمى عندهم "طرب الآلة"، أي الوصلات الغنائية المصحوبة بالآلات الموسيقية، وهم يستعملون أيضا مصطلح "تقسيم" للإشارة إلى ارتجالات منفردة في هذه الوصلات. وليس معلوما هل هذا المصطلح بتأثير تلاقح ثقافي مع العثمانيين، أو تسمية حديثة بسبب شيوع الاصطلاح انطلاقا من مصر، أم إنه من أصل عربي أقدم استمر منذ أيام الفاطميين. وتجدر الإشارة إلى أن مثل هذا الارتجال في المألوف التونسي يسمى "الاستخبار".


