مرثية لعالم يختفي في معرض "أغنية لصانعات العقد"

فوزية إسماعيل في "وايت تشابل"

من معرض"أغنية لصانعات العقد"

مرثية لعالم يختفي في معرض "أغنية لصانعات العقد"

ضمن فعاليات بينالي "الفناء الخلفي: الشرق" (المقصود شرق لندن) يعرض عمل الفنانة البريطانية الصومالية فوزية إسماعيل "أغنية لصانعات العقد" في مؤسسة "وايت تشابل" التي تحتفل بمضى 125 سنة على تأسيسها. وهو عبارة عن عمل فني تفاعلي صوتي يتكون من حبال وعقد ومنسوجات وأطعمة، تستحضر من خلاله الفنانة تقليدا شعبيا موضوعه سلة الزفاف الصومالية المهددة بالانقراض بسبب الحروب والصراعات وما رافقها من جفاف ونزوح وهجرة. وكما يبدو من ذلك المزيج فإن "الزيدو" وهو الاسم المحلي لتلك السلة هو الوعاء الذي يمكننا من إستكشاف كيفية انتقال المعرفة والذاكرة وأساليب البقاء، البشرية وغير البشرية، بشكل جماعي بين النساء الصوماليات البدويات في المناطق الريفية والحضرية.

الفنانة التي سبق لها أن قدمت عروضا للطهي في إطار فن الحدث، أشهرها ذلك العرض الذي احتضنته "قاعة سربنتين" عام 2018 في إطار معرض المطبخ الراديكالي، تبدأ عملها الحالي من صورة فوتوغرافية التقطت في أرض الصومال عام 1998. في تلك الصورة تظهر والدة الفنانة وعمتها وامرأة أخرى جالسات أمام جدار أزرق زاه، وهن يلوين ألياف النباتات لصنع حبال الزفاف وتتحرك أياديهن برشاقة ساحرة. تصبح تلك الصورة المفقودة (المستعادة من الذاكرة) هي الغياب المحفز الذي يشكل جوهر هذا المعرض. إذ تقول فوزية إسماعيل "شعرت وكأنني أشاهد نوعا من السحر، نساء يحولن النباتات من الأرض إلى شيء قوي بما يكفي لحمل منزل وثقافة بأكملها".

ولأن الفنون البصرية المعاصرة تستند أصلا على مبدا يفيد بأن ما نراه وما نعيشه وما نحسه لا يمثل إلا الجزء الأصغر الطافي من العمل الفني وأن الأفكار هي الجزء الأكبر الغاطس فإن صناعة سلة الزفاف الاحتفالية هي مناسبة للقيام برحلة في تفاصيل عمل المرأة في المجتمعات البدوية الصومالية والهجرة والحزن الذي تسببه التحولات المناخية وأنظمة المعرفة الجماعية التي تقاوم من خلال استمرارها.

استعادة الحكاية ورثاء مفرداتها المفقودة

سلة "الزيدو" هي سلة احتفالية تعدها الحماة لزوج ابنتها خلال الأسبوع الأول من الزواج. غير أن سلة لا تشبه أخرى على الرغم من أن القاعدة اللغزية تظل واحدة. تحتوي"الزيدو" على طبقات من لحم الإبل المحفوظ والسمن والتوابل والجلد والأصداف التي تربط بحبال مخفية عمدا داخلها. ويشكل فك تلك الحبال جزءا من الاحتفال نفسه مصحوبا بتبادل الألغاز والشعر والغناء والأحاديث الطريفة التي تستدعي الضحك. كل عقدة يمثل فكها مناسبة لإختبار الذكاء الاجتماعي وشكلا من أشكال المعرفة التي لا تنقل عبر التعليم الرسمي بل من خلال الملاحظة والعمل المشترك والممارسة العملية.

تستخدم إسماعيل العقدة كاستعارة للقصص المعقدة وغير الخطية والغامضة التي تبنى حول الذاكرة والهوية

أما المشهد الصوتي في المعرض وقد خلقته الفنانة من خلال لمس الحبال، فهو عبارة عن مزيج من الأغاني الشعبية الصومالية وقد دمجت بتسجيلات حية أجرتها فوزية إسماعيل مع شيوخ البدو الصوماليين، بمن فيهم أفراد عائلتها، مع أمها وخالاتها.

Damian Griffiths
منسوجات فوزية إسماعيل

بالاستناد إلى مراجع أدبية نسوية مثل رواية "المحاربة" لماكسين هونغ كينغستون ورواية "آكلو الملح" لتوني كيد بامبارا تستخدم إسماعيل العقدة كاستعارة للقصص المعقدة وغير الخطية والغامضة التي تبنى حول الذاكرة والهوية والروحانية بين مجتمعات النساء اللاتي يواجهن مستويات متعددة من التمييز. لا تسعى أعمال إسماعيل إلى سد الفجوات بين القصص أو بين التواريخ المجزأة أو الضمنية. بل إنها تبقيها في حالة توتر، تماما كما تمسك العقدة بخيوط عديدة دون أن تحل تناقضاتها. ليس في إمكان ذلك المرح اللاهي أن يخفي سؤالا حارقا من نوع "ما معنى أن يكون المرء بخير في سياق هذه الأزمة؟" 

يسلط هذا العمل الفني الضوء على الأزمة البيئية الملحة. فالنباتات التي كانت تستخدم في صناعة حبال الزفاف، والإيقاعات الموسمية التي كانت تنظم حياة البدو الرحل، والأغاني التي كانت تؤدى خلال عملية الصنع الجماعي، كلها مرتبطة بمناظر طبيعية تدمرها موجات الجفاف المستمرة وتدهور المناخ. لقد اختفى ذلك العالم. ما نراه يجري بمرح هو عبارة عن مرثية.

في غياب الطبيعة تنشأ حضارة البلاستيك

تقول فوزية إسماعيل (ولدت عام 1980 في الكويت) "مع نزوح المجتمعات قسرا وانفصالها عن أرضها، تبدأ المعرفة المتأصلة في هذه الممارسات، من أنواع النباتات التي يجب جمعها والعقد التي يجب غرزها والأغاني التي يجب إنشادها بالتلاشي معها. سلة الزفاف التي كانت في يوم من الأيام جزءا لا يتجزأ من حياة البدو الرحل أصبحت اليوم قطعة أثرية. ما فقد ليس فقط المهارات الحرفية بل نظام بيئي كامل من المعرفة حول علاقتنا بالنباتات والحيوانات التي تشكل جزءا أساسيا من طقوس "زيدو". ومما يعطيني الأمل أنه على الرغم من التدهور المناخي لا تزال التجمعات حول "زيدو" قائمة، وإن لم تكن المواد هي نفسها. فلحاء شجرة "دامال" أو "غالول" الذي كان يستخدم في صناعة حبال الزفاف لم يعد متوفرا، لكن النساء الرحل تكيفن مع الوضع بإعادة استخدام أكياس الطعام (المصنوعة عادة من البلاستيك) كحبال."

Damian Griffiths
عمل لفوزية إسماعيل

ما تسميه فوزية بالتكيف هو شكل من أشكال الاضطرار، يوم كانت السلة بكل عقدها تصنع من الحبال الحقيقية كانت الطبيعة حاضرة بقوة أما الحبال المصنعة فإنها غيبت الطبيعة وإلهامها معا. هناك تحول كامل في أساليب العيش ينذر بانقطاع الصلة بالطبيعة. ذلك انقطاع سعت الفنانة إلى مقابلته بالتمييز الذي يعاني منه أبناء جلدتها في شتاتهم ولغة الكراهية التي صاروا على بينة من مفرداتها إضافة إلى العنف الذي تمارسه الرأسمالية وهي تجتث البشر من بيئاتهم لتصنع منهم لاجئين. فن فوزية اسماعيل لا يستند إلى القواعد الغربية المكرسة بقدر ما يسعى إلى تقديم درس يوهم بزواله مثلما هو الطعام غير أنه في الوقت نفسه يضرب بمعانيه على أوتار الحواس كلها.

تعالج الممارسات الثقافية اليومية باعتبارها أرشيفات حية للرعاية والمعرفة والبقاء

من خلال عملها في مجالات النحت والتركيب والصوت ودمج مقابلات مع نساء صوماليات كبيرات السن وتسجيلات أرشيفية تركز إسماعيل على الحياة الداخلية للنساء البدويات وأشكال التربية الجماعية التي يمارسنها عبر الأجيال. يرفض عملها الأطر التي تتعامل مع هذه التقاليد إما على أنها غريبة أو تراث مهدد بالانقراض، مؤكدة بدلا من ذلك حيويتها كأفعال مقاومة حية.

ثقافة مهددة بالانقراض

في تجربة فوزية اسماعيل وسواها من الفنانات والفنانين المعاصرين يتعرض مفهوم الفن لإزاحات كثيرة. فتبعا لمبدأ التفاعل ينتقل الفن من كونه نشاط فردي إلى كونه ممارسة جماعية كما أن الثقافة لا تتمحور حول النشاط الفكري والروحي وحده بل تتجاوزه إلى ممارسات إنسانية أخرى صارت تسمى فنونا، الطبخ والحياكة على سبيل المثال. نجد كل ذلك مجسدا بظاهرة بمشاريعها الفنية.

   

في تعليقها على عملها "أغنية لصانعات العقد" تقول فوزية إسماعيل "أتساءل عن معنى فهم الفن باعتباره شيئا لا ينبثق من إبداع فردي بل من جلوس النساء معا، ينسجن ويعقدن ويطبخن ويستعددن لطقوس الحياة ويصنعن أشياء تجمع بين الجمال والشفاء. وفي زمن الانهيار البيئي والنزوح أريد أن أدعو الناس إلى التفكير بشكل أوسع في كيفية التمسك بالثقافة بمعناها الأوسع (نباتا وحيوانا وإنسانا)، لا كشيء ثابت بل كما وصفتها إحدى السيدات المسنات رفيقا حيا."

Damian Griffiths
من أعمال فوزية إسماعيل

وهي إذ تنطلق من تقاليد تربوية شكلت قواعد ثابتة عبرت الزمن لتضع ميزانا عادلا تكتسب من خلاله المرأة مكانتها في خلق نوع من التوازن البيئي فإن أعمالها تعالج الممارسات الثقافية اليومية باعتبارها أرشيفات حية للرعاية والمعرفة والبقاء. ومن خلال ممارسات جماعية كالاستماع والأكل والحياكة والصنع اليدوي تعيد صياغة الفضاء المنزلي والجماعي مواقع للإبداع المشترك والاستمرارية الثقافية. وتعد المواد والأشياء الموروثة المرتبطة بجذور والدتها الصومالية كالأواني والتوابل والمنسوجات وأشرطة الكاسيت والتسجيلات الصوتية  محورا أساسيا في أعمالها، حيث تفعلها من خلال التجمعات الجماعية وتحولها إلى أعمال نحتية تجمع بين حيوية أساليب العيش وأرشفة الممارسات الإنسانية بعين عالم إناسة.

تلك الثقافة الشفاهية لن يقيض لها البقاء في ظل ما تتعرض له مجتمعاتها من كوارث سياسية وبيئية

سلة "الزيدو" التي اختفت ليست هي العمل الفني المقصود لذاته بل هي بوابة لذاكرة ثقافة تتعرض للانقراض. وفي كل الأحوال فإن تلك الثقافة الشفاهية، الحسية بكل ما تخللها من ترف جمالي وخصوصية في التعبير عن الانخراط في استلهام مباهج الطبيعة، لن يقيض لها البقاء في ظل ما تتعرض له مجتمعاتها من كوارث سياسية وبيئية تحد من قدرتها على المقاومة. 

شاركت فوزية إسماعيل في معارض دولية منها بينالي النسيج البريطاني وعرضت أعمالها في مركز "ساوث بانك" وبينالي العمارة في البندقية ومتحف فيينا العالمي ومعرض "مدن تفاعلية" في أوساكا باليابان وأسبوع "جودبور" للفنون، بدعم من المجلس الثقافي البريطاني ومجلس الفنون في إنكلترا.

font change

مقالات ذات صلة