سارة موريس في النمور الثلجية وناطحات السحاب

عن البريق الذي يغطي على الحقيقة

سارة موريس في النمور الثلجية وناطحات السحاب

هل تصلح ناطحات السحاب والأبراج والمباني الشاهقة وسواها من المنشآت التي تشير إلى هيمنة الشركات المؤسسات المالية الكبرى أن تكون موضوعا لرسم يسعى إلى فضح المفاهيم التي تؤلفها شبكة معقدة من العلاقات الخفية التي تدار من أجل أن يبدو استلاب الإنسان ظاهرة طبيعية في عالمنا المعاصر؟

تقول الفنانة سارة موريس في تقديمها لعالمها الذي يبدو مقتطعا من بيئة باردة، "أكون رؤية مجزأة للعالم الحضري. ليست جمالية الحداثة الراقية بل التجربة المجزأة الناتجة منها". هنا تنبعث إشارة صريحة إلى المأزق الذي وصلت إليه الحداثة في تشكيل نسقها الذي صار مألوفا على مستوى جمالي على الرغم من أنه ينطوي على الكثير من القبح على المستوى الإنساني.

وإذ تقصد موريس التي ولدت في بريطانيا وتعمل وتعيش في نيويورك، التنديد بالسلطة غير المنضبطة أخلاقيا التي اخترعتها الشركات، فإنها تتخذ من مباني تلك الشركات في معرضها "فهود الثلج وناطحات السحاب" الذي تحتضنه قاعة "وايت كيوب" (ماسون يارد)، علامات رمزية تمثل المدخل إلى عالم عابر للزمن، صار في إمكانه التحكم بمصائر مليارات البشر من غير أن يمارس السياسة بشكل مباشر.

شركات الأدوية وشركات تحليل البيانات والمؤسسات المالية العابرة للحدود وسواها من الكيانات المبرمجة على مصالح متقاطعة، والتي صار في إمكانها أن تخترع الأزمات من أجل أن تمرر أرباحها، هي السلطة الحقيقية وليست مجموعة الدول التي تظهر على الواجهة كأنها تقود العالم إلى خرابه أو إلى سلامه وقد ضاقت المسافة بين الحالين.

إلى جانب اللوحات تقدم الفنانة عملين سينمائيين، هما "ميدتاون" (1998) و"كريس روك" (2025)، أشبه بوثيقتين، حاولت الفنانة من خلالهما أن تؤرخ لعلاقتها بموضوعها الذي يخترق الأشكال التي ترسمها إلى المضامين التي تكرسها أنظمة العمل في تلك الشركات. وهو ما يعني الذهاب إلى المعنى من خلال المبنى. في سياق ذلك التناقض تخترع سارة موريس لغتها البصرية المضادة.

كريس روك

البريق الذي يغطي على الحقيقة

ألا يمكن النظر إلى لوحات سارة موريس من زاوية تجنيسها الأسلوبي على أساس كونها أعمالا تنتمي إلى التجريدية الهندسية؟ لا أظن أن هناك ما يمنع من القيام بذلك. فالفنانة التي لا تخلو أعمالها من القص واللصق (كولاج)، تتقن صنع لوحة مغرية بصريا بقدر مختلف من الإثارة، لولا أن ذلك التوجه في النظر قد يشكل عائقا دون الوصول إلى جوهر الفكرة التي عملت الفنانة عبر سنوات حياتها على تكريسها. وهي فكرة تقوم على التمرد والتحريض والدعاية المضادة للنظم الأخلاقية التي تتستر عليها تلك المباني الشاهقة والتي تمثل بدورها سلطة الاستلاب.

ميدتاون

في فيلمها "ميدتاون" الذي صورته عام 1998، نرى صورا متقاطعة ومتضاربة لمنطقة ميدتاون مانهاتن، هناك حيث يقع الاستوديو الأول للفنانة في شارع 42. ذلك الموقع هو عبارة عن ممر بين ناطحات السحاب الشاهقة في ميدتاون، بلافتات مركزها الشهير للأفلام الإباحية قبل الانتقال إلى العصر الرقمي وساحة تايمز سكوير الشهيرة التي تضيء إعلاناتها الضخمة ليل نيويورك. نرى في الفيلم السطوح والأضواء والمارة، ليقيم علاقة مضطربة وعبثية تدفع بالإنسان إلى الهامش، في الوقت الذي توضع فيه المباني في مركز الاهتمام البصري. لقد جربت شخصيا المرور بتلك المنطقة في أوقات مختلفة من اليوم لكي أعيش التجربة على المستوى النفسي بعدما أدركت أضرارها على المستوى الحسي.

جونسون وجونسون

ينتمي فن موريس إلى تلك التجربة، لكن بعمق مضاعف، ذلك لأن الفنانة عاشت زمنا طويلا وهي تعاني من ضغوط ذلك البريق الذي يغطي على الحقيقة. حقيقة ما تتركه الشركات الكبرى من أثر سيء على حياتنا في عالم يبدو مظهريا كما لو أنه غير مسيطر عليه ولكنه في حقيقته غير ذلك تماما. إنه عالم تحت السيطرة بناسه الذين يبدون في كامل حريتهم. وصفت الفنانة فيلمها بأنه "بيان مكثف" لأعمالها حتى ذلك الحين ولنتاجها المستقبلي. تقنية الكولاج (القص واللصق) انما استلهمتها من أسلوبها في جمع المشاهد غير المترابطة. ما نعيشه وما نراه وما نشعر به وما نتذكره، هو من وجهة نظرها لا يسير على خط مستقيم، لا في المكان ولا في الزمان. حالة العمى التي يعاني منها المرء وهو يمر بتايمز سكوير، هي المطلوبة من أجل أن تمر الخدعة بسلام.

واقعية رأسمالية مقابل واقعية إشتراكية

"لطالما كان المبنى مجرد ذريعة. في الواقع إنه تدفق رأس المال والبيانات. هذه هي الصورة التي أسعى إليها. ما أريد خلقه هو صورة لاحقة، مذاق لاحق لهذا الشيء المراوغ الذي يصعب تحديد حدوده"،  تقول سارة موريس وهي تضع فنها في مكانه التاريخي. فمن خلال تكويناتها الهندسية الدقيقة وألوانها المشبعة للغاية، توسع نطاق الواقعية الرأسمالية (مصطلح مقابل للواقعية الإشتراكية) التي كان الفنان الأميركي آندي وارهول (1928 ــ 1987) واحدا من أهم رموزها بغض النظر عن سمعته الأسلوبية باعتباره رائدا للـ"بوب آرت". فمثلما ركز وارهول على شكل البضاعة المستهلكة من خلال التكرار والعرض المتسلسل، فإن موريس استندت في ممارساتها على مبدأ السلسلة التي تولد السلسلة التالية لها، ذهابا إلى تشكيل شبكة ذاتية الانعكاس في إمكانها أن تعكس الاقتصادات البصرية الذاتية الاستدامة للعلامات التجارية للشركات والهندسة المعمارية المؤسسية والعرض التجاري. يستعيد بعض النقاد هنا فن الفرنسي فرنسيس بيكابيا (1879ــ 1953). بيكابيا الذي بدأ دادائيا انتقل مبكرا إلى تصوير الآلة باعتبارها رمزا مزدوجا لعصر يعزل الإنسان في وظيفة ملحقة بالآلة، وفي الوقت نفسه يفرغه من محتواه الإنساني.

كمبريدج أناليتيكا

لدى بيكابيا قدر هائل من السخرية من تلك النتيجة التي مهدت لعلاقة مضطربة بين ما كان يخطط له الإنسان من نجاحات متفوقة وما انتهت إليه المخططات الميكانيكية المحايدة التي رجحت استبعاد القيم الإنسانية من معادلاتها. تتبنى موريس منهجا شبيها. فلوحاتها ليست صورا للمؤسسات في حد ذاتها بل للشبكات والعقائد التي تمثلها وتقف وراءها. أنت ترى الصورة وتفكر في شيء آخر. لن يكون ذلك الشيء بعيدا عن الصورة بقدر ما يمثل المحتوى الذي لن تراه مباشرة. وإذا ما عدت إلى "الواقعية الرأسمالية" فسيكون حريا بي أن أوضح أن جل ما تركز عليه تلك المدرسة الفنية لا يكمن في التحذير من طغيان القيم الإستهلاكية أو على الضد من ذلك، أقصد الترويج لتلك القيم بطريقة تنطوي على السخرية، إنما يكمن في الإفصاح عن حقيقة ما ينطوي عليه نشاط الشركات والمؤسسات الكبرى من شطب لقيم إنسانية هي المنبع الحقيقي للجمال والأخلاق معا. هذه هي المرة الأولى التي يحضر فيها المفهومان كما لو أنهما الشيء نفسه.

ليلي

الفن سلسلة من الحوارات

في كل أحواله، ينتمي عالم سارة موريس إلى فن المفاهيم، وهو واحد من أهم الفنون المعاصرة على الرغم من أنها تصر على الرسم ولا ترفق رسومها ببيانات يغلب عليها الطابع الفكري كما يفعل الآخرون الذين توجه بعضهم إلى تكريس حالة التفاعل الفكري من خلال المقولات بدلا من أن يكون هناك فضاء بصري يجر المتلقي من خلال متعته إلى المجال الذي تحل فيه الفكرة محل الجمال.

 لا تزال موريس تفكر في حق المتلقي في الوهم الذي تحتاج حواسه إليه. تلك  فرضية لا تصمد أمام نزعة اللغة الفزعة في مواجهة خطر التنميط الاستهلاكي الذي تفرضه سلطة الرأسمالية وهي تصنع نظاما لا يقبل الخرق. لذك يمكن القول إن المتلقي يخرج من معرضها محملا لغة جديدة تنحو في اتجاه البحث عن معنى لما رآه، تتوافق الصورة فيه مع الفكرة التي سعت الرسامة إلى ترسيخها مفهوما لا يقبل الإزاحة. ذلك لأن فنها من غير تلك الفكرة سيبدو من غير معنى، وهو ما يتعارض كليا مع رغبة الفنانة التي هربت من لندن إلى نيويورك من أجل ألا تكون جزءا من جيلها الذي مثلته سارة لوكاس وتريسي إمين وداميان هيرست بصورهم عن الجنس والموت.

font change