في الأيام القليلة الماضية تركزت أنظار كثيرين في المنطقة والعالم على محافظة مأرب الاستراتيجية اليمنية الغنية بمواردها الطبيعية والمعدنية، وذلك بعد سلسلة من الهجمات التي شنتها ميليشيا الجماعة الحوثية الموالية لإيران على مركز وضواحي وأطراف هذه المحافظة المتداخلة جيوسياسيا مع جارتها محافظة حضرموت النفطية أيضا ومع المملكة العربية السعودية، وذلك باستخدام عدد من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الإيرانية الصنع ما أدى إلى مقتل وإصابة العشرات من جنود الجيش اليمني ضحية لهذا التصعيد المباغت من قبل الجماعة.
مثّل الهجوم الحوثي على مأرب شرارة تصعيد أوسع قامت به الجماعة ليشمل محافظات كل من تعز والضالع وشبوة دون تحقيق أي إنجاز ميداني استراتيجي عدا عن محاولة خلط الأوراق في وقت يشهد ضغطا أميركيا متعدد الأشكال على إيران الداعم الرئيس لهذه الميليشيات بهدف إجبار "الحرس الثوري" الإيراني على فتح مضيق هرمز بشكل كامل ودون شروط، كما يتعهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
تعد هذه المرة الثانية التي يحاول الحوثيون من خلالها التقدم نحو مأرب في مسعى بائس لإحداث تغيير جوهري في مسار الصراع اليمني الداخلي المستمر منذ اثني عشر عاما، ولخدمة الأجندة الإيرانية على مستوى المنطقة ككل، ففي فبراير/شباط 2020 دفع الحوثيون نحو مأرب بما لا يقل عن أربعين ألفا من مسلحي ميليشياتهم، وغالبيتهم من شباب القبائل البسطاء الفقراء المغرر بهم، وكان يقف خلف هذه الجحافل ضباط وخبراء من "الحرس الثوري" الإيراني و"حزب الله" اللبناني، وذلك بهدف تقديم الدعم والمشورة فضلا عن المشاركة في القتال، ولطالما كان هذان الطرفان (الإيراني واللبناني) هما الأكثر حماسا لاجتياح مأرب والسيطرة على حقل صافر النفطي والغازي ولأن يكون هذا بمثابة إعادة ترسيم للحدود السابقة بين شمال اليمن وجنوبه، وحينها قال حسن نصرالله زعيم "حزب الله" اللبناني الراحل في تصريح شهير له "إن من يسيطر على مأرب ينال جائزة الحرب". وقد دارت حينذاك معركة كبرى دافعت فيها قوات الجيش اليمني والمقاومة الشعبية القبلية ببسالة نادرة عن حياض المحافظة مدعومة بقوات التحالف الذي تقوده السعودية، وكانت "جائزة الحوثيين" التي بشرهم بها نصرالله هي مقتل نحو 24 ألفا من ميليشيات الجماعة التي لم تعترف وقتها سوى بمصرع 14 ألفا فقط وكأن هذا العدد من القتلى لا يهم.

