إثيوبيا... سلام تيغراي الذي لم يبدأ

لم تجد القضايا الجوهرية طريقها إلى الحل

أ ب
أ ب
امرأة إثيوبية تلتقط حصص القمح المخصصة لكل أسرة منتظرة بعد توزيعها من قبل جمعية الإغاثة في تيغراي في بلدة أغولا في منطقة تيغراي شمال إثيوبيا، 8 مايو 2021

إثيوبيا... سلام تيغراي الذي لم يبدأ

لا يمكن النظر إلى تجدد القتال في غرب تيغراي بوصفه انفجارا مفاجئا للتوتر. فالاشتباكات التي اندلعت بين القوات الفيدرالية الإثيوبية من جهة، وجبهة تحرير شعب تيغراي من جهة أخرى، ترتبط بأسباب مباشرة وملحة، لكن جذورها تتجاوز التطورات الميدانية الراهنة. إذ تكمن في اختلالات سياسية وإقليمية ومؤسسية مزمنة رافقت اتفاق بريتوريا الهش لوقف الأعمال العدائية منذ توقيعه عام 2022.

تُعدّ حرب تيغراي، التي اندلعت بين عامي 2020 و2022، من أكثر الصراعات دموية في القرن الحادي والعشرين، سواء في القرن الأفريقي أو على الصعيد العالمي. وقد أودت بحياة مئات الآلاف، ودفعت أعدادا هائلة من السكان إلى النزوح عن ديارهم.

وقد وضع اتفاق بريتوريا حدا للقتال واسع النطاق، وألزم جبهة تحرير شعب تيغراي بالتخلي عن أسلحتها الثقيلة والقبول بإدارة إقليمية مؤقتة.

وفي المقابل، تعهدت الحكومة الفيدرالية بإعادة الخدمات الأساسية، وتسهيل عودة النازحين إلى ديارهم، والعمل على تسوية النزاعات الإقليمية.

في الواقع، لم تجد القضايا الجوهرية طريقها إلى الحل. فقد ظلت منطقة غرب تيغراي، التي سيطرت عليها خلال الحرب قوات من أمهرة- بينها قوات فانو وحلفاؤها الذين ارتبطوا آنذاك بتحالف وثيق مع الحكومة الفيدرالية- خاضعة لسيطرتهم الفعلية.

ولم يتمكن مئات الآلاف من المدنيين التيغراويين الذين فروا من ديارهم من العودة إليها، ما رسخ شعورا عميقا ومزمنا بالاستياء.

كما رفضت جبهة تحرير شعب تيغراي المجلس الإقليمي الذي شُكّل خلال الحرب. وفي مايو/أيار من هذا العام، أعادت تشكيل المجلس الذي كان قائما قبل الحرب، وأعلنت توليها رئاسة الإقليم للفترة 2025-2026.

همّشت هذه الخطوة الإدارة المؤقتة المعترف بها اتحاديا، وتركت مدينة ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي، أمام سلطتين متنافستين: إحداهما تحظى بتأييد شعبي وحزبي، لكنها تفتقر إلى الاعتراف الاتحادي؛ والأخرى تتمتع بالسلطة القانونية، لكنها تفتقر إلى الشرعية المحلية.

واتهم مسؤولون تيغراويون الحكومة الفيدرالية مرارا بفرض حصار اقتصادي طويل الأمد، وتقييد وصول الوقود والمساعدات، وحجب الرواتب، وتنفيذ ضربات بطائرات مسيّرة على مواقعهم، فضلا عن تعمد عرقلة عودة النازحين إلى غرب تيغراي.

كيف بدأ القتال

عمّق استبعاد جبهة تحرير شعب تيغراي من الانتخابات العامة التي أُجريت في يونيو/حزيران من هذا العام شعور سكان الإقليم بالتهميش السياسي.

وجاء هذا القرار في سياق جملة من المخالفات التي شابت الاقتراع، الذي منح "حزب الازدهار" بزعامة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ولاية جديدة مدتها خمس سنوات.

وتُعد الاشتباكات التي اندلعت في وقت سابق من هذا الشهر في غرب تيغراي، قرب الحدود السودانية، من أخطر المواجهات التي شهدها الإقليم منذ عام 2022.

وسرعان ما تبادل الطرفان الاتهامات بشأن المسؤولية عن اندلاع القتال. إذ قالت جبهة تحرير شعب تيغراي إن القوات الفيدرالية بدأت الهجوم، فيما أكدت القوات الفيدرالية الإثيوبية أن قوات تيغراي هي التي أطلقت النار أولا.

وأفادت تقارير إعلامية باستخدام المدفعية الثقيلة والطائرات المسيّرة في الاشتباكات، مشيرة إلى أن بعض الوحدات التيغراوية المشاركة سبق أن نفذت عمليات عبر الحدود داخل السودان.

وفرّ بالفعل مئات المدنيين إلى السودان، الذي يشهد بدوره حربا أهلية دامية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شبه العسكرية.

لم تندلع هذه الجولة الجديدة من القتال من فراغ، بل سبقتها أشهر من التوتر المتصاعد، أعادت خلالها جبهة تحرير شعب تيغراي حشد صفوفها وتجنيد عناصر جديدة، فيما صعّد الطرفان لهجتهما في الخطاب العلني.

ولا يبدو أن أيا من الجانبين يسعى إلى تكرار الحرب الشاملة التي دارت بين عامي 2020 و2022، رغم احتفاظ كليهما بالقدرة والدافع لاستخدام القوة بصورة محدودة بهدف تعزيز موقعه في أي مفاوضات مقبلة.

ومع ذلك، يظل سوء التقدير الخطر الأكثر إلحاحا. فإذا توغلت قوات تيغراي أكثر في المناطق المتنازع عليها، أو حاولت القوات الفيدرالية استعادة السيطرة على ميكيلي والطرق الرئيسة، فقد تتسع رقعة المواجهات.

وعندها قد تنخرط قوات إقليمية أخرى في الصراع، ما يزيد الضغوط على الجيش الإثيوبي، الذي يواجه بالفعل حركات تمرد عدة في مناطق أخرى من البلاد.

رويترز
رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد يدلي بصوته خلال الانتخابات البرلمانية في مركز اقتراع في جيما، منطقة أوروميا، إثيوبيا، في 1 يونيو 2026

لا يبدو أن أيا من الجانبين يسعى إلى تكرار الحرب الشاملة التي دارت بين عامي 2020 و2022

لحظة خطرة

لعل اندلاع حرب جديدة في تيغراي يأتي في أسوأ توقيت ممكن بالنسبة إلى القرن الأفريقي ومنطقة البحر الأحمر.

إذ يتزامن تجدد التوتر مع احتدام التنافس الإقليمي وتزايد التنافس الدولي على طرق التجارة الحيوية الممتدة عبر البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب.

ولهذا، قد يؤدي اندلاع حرب شاملة إلى استدراج قوى متنافسة من داخل القرن الأفريقي وخارجه إلى أتون الصراع.

فإريتريا، التي قاتلت إلى جانب القوات الفيدرالية الإثيوبية ضد جبهة تحرير شعب تيغراي في الحرب السابقة، تعيد اليوم حساباتها في ظل تصاعد التوتر مع أديس أبابا.

ويتركز الخلاف مع أسمرا حول مساعي إثيوبيا إلى تأمين منفذ على البحر الأحمر، ولا سيما سعيها إلى الحصول على حقوق سيادية في ميناء عصب، الواقع في منطقة جنوب البحر الأحمر الإريترية.

وتنظر إريتريا إلى أي وجود عسكري إثيوبي على سواحلها باعتباره تهديدا مباشرا لأمنها، وترفضه رفضا قاطعا.

في المقابل، ينظر "حزب الازدهار" بزعامة رئيس الوزراء آبي أحمد إلى الوصول إلى البحر الأحمر باعتباره ضرورة وجودية، وخطوة طبيعية تالية لدولة بحجم إثيوبيا وتاريخها وطموحاتها.

وحذّرت إثيوبيا، وفق ما أوردته تقارير، من أن اندلاع حرب مع إريتريا قد يفضي إلى إعادة رسم الحدود بصورة دائمة، وأن إريتريا قد لا تبقى على صورتها الحالية.

وبعد ذلك بوقت قصير، نقلت تقارير عن آبي أحمد قوله، في مقابلة مع شبكة "أورومو" للبث، إن إريتريا ليست أرضا إثيوبية فحسب، بل تعود أيضا إلى شعب الأورومو، الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء وعدد من مسؤولي الحكومة الإثيوبية.

وقد ترد إريتريا بتقديم دعم مباشر إلى جبهة تحرير شعب تيغراي أو عبر قوى حليفة لها. ومن شأن أي خطوة كهذه أن تدفع على الأرجح نحو مواجهة مباشرة مع إثيوبيا، التي صعّدت بالفعل لهجتها تجاه أسمرا.

وقد يزيد أي صدام بين البلدين، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من هشاشة القرن الأفريقي، الذي يواجه أساسا مخاطر تفكك الدولة في بلدان مثل الصومال.

كما قد يفاقم ذلك التهديدات الأمنية التي تمثلها حركة الشباب في الصومال، إلى جانب تنامي الروابط بينها وبين جماعة الحوثي المدعومة من إيران في اليمن.

ومن غير المرجح أن تظل تداعيات هذه الأزمة محصورة في القرن الأفريقي، إذ قد تمتد إلى البحر الأحمر، في وقت يتحول فيه هذا الممر الاستراتيجي إلى ساحة لتنافس أوسع على طرق التجارة والطاقة، بينما تسعى إيران إلى تعطيل الملاحة البحرية لرفع كلفة الضغوط الأميركية عليها.

صراع البحر الأحمر

من شأن أي انهيار خطير للنظام الإقليمي في القرن الأفريقي أن يثير قلق جميع القوى الخارجية التي ترتبط مصالحها بالمنطقة، فيما تراقب الأطراف الأكثر عرضة لتداعياته التطورات عن كثب.

وبحسب تقارير، بدأت إسرائيل بالفعل إرسال أسلحة إلى إثيوبيا. وتأتي هذه الخطوة في إطار شراكة استراتيجية متنامية بين تل أبيب وأديس أبابا، مدفوعة إلى حد كبير برغبة البلدين في ترسيخ حضورهما على البحر الأحمر وتعزيز نفوذهما في هذا الممر المائي الحيوي.

وقد رسخت إسرائيل بالفعل موطئ قدم لها على البحر الأحمر، من خلال اعترافها بأرض الصومال "صومالي لاند" وإقامة حضور على سواحلها.

أ.ب
مهاجرون من إريتريا وليبيا والسودان يبحرون على متن قارب خشبي قبل أن يتلقوا المساعدة من عمّال الإغاثة في منظمة Open Arms الإسبانية، في البحر المتوسط

 

ستكشف الفترة المقبلة ما إذا كانت هذه التنافسات ستدفع مزيدا من الدول إلى الانخراط في القتال الدائر في غرب تيغراي

وتسعى إثيوبيا إلى ترتيبات مماثلة، سواء عبر صومالي لاند أو من خلال تأمين منفذ إلى البحر الأحمر عبر إريتريا.

وتنظر القاهرة إلى أي وجود عسكري إثيوبي على البحر الأحمر باعتباره تهديدا مباشرا لأمنها القومي وحرية الملاحة عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم، فضلا عن قناة السويس.

وتعود جذور التوتر بين البلدين إلى الخلاف الممتد بشأن سد النهضة الإثيوبي الكبير على النيل الأزرق، الذي تعتمد عليه مصر في تلبية أكثر من 80 في المئة من احتياجاتها من المياه العذبة.

وتنظر القاهرة بقلق مماثل إلى موطئ القدم الذي رسخته إسرائيل في صومالي لاند.

وستكشف الفترة المقبلة ما إذا كانت هذه التنافسات ستدفع مزيدا من الدول إلى الانخراط في القتال الدائر في غرب تيغراي. وفي الأثناء، تتابع قوى إقليمية عدة التطورات عن كثب، مترقبة فرصا محتملة للتدخل.

لكن المؤكد أن هذا النزاع يتصاعد في توقيت بالغ الخطورة على كل من القرن الأفريقي ومنطقة البحر الأحمر.

font change