كم ستدفع لإنجاب طفل أذكى؟

تزعم شركات ناشئة أنها تستطيع فحص الأجنة للكشف عن كل شيء، من الأمراض الوراثية إلى معدل الذكاء... لكن هذه الادعاءات لا تقنع الجميع

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
يظهر أخصائي الأجنة فيكتور ناغورني في مختبر للخصوبة في كييف، طوّرت أوكرانيا تقنية جديدة تتيح للأزواج المصابين بالعقم إنجاب أطفال بمساعدة الحمض النووي لوالد ثالث فيما يعرف بنقل ما قبل النواة وتسببت في معضلة أخلاقية، 31 مارس 2017

كم ستدفع لإنجاب طفل أذكى؟

لاحظ سكان نيويورك في أواخر العام الماضي سلسلة من الإعلانات الغريبة في مترو الأنفاق، وقال أحدها: "أنجب أفضل طفل ممكن"، وأشار آخر إلى أن "50 في المئة من معدل الذكاء وراثي"، وأثارت الإعلانات، كما كان متوقعا، جدلا، لكن ذلك أسعد كيان صادقي من شركة "نيوكليوس"، وهي الشركة الناشئة المتخصصة في فحص الأجنة التي تقف وراء تلك الإعلانات، وقال: "هذا منتج موجه إلى جمهور واسع، وما الطريقة الأفضل لإظهار ذلك من مترو الأنفاق؟".

تعد "نيوكليوس" واحدة من عدد متزايد من الشركات الناشئة في وادي السيليكون التي تدفع بهذه التقنية الناشئة إلى الأمام، وتحب نور صديقي من "أوركيد"، وهي شركة منافسة، أن تقول: "الجنس للمتعة، وفحص الأجنة للإنجاب"، وبدأت هيراسايت، وهي منافسة أخرى، تقديم خدمة للفحص العام الماضي تتيح للوالدين معرفة مخاطر إصابة الجنين بأمراض مختلفة، إلى جانب تقديرات لطوله وذكائه وطول عمره، بكلفة تصل إلى 50 ألف دولار.

وتضيف "نيوكليوس" إلى هذه القائمة لون الشعر والعينين، ويطمح هذا القطاع الآخذ في النمو إلى إعادة تشكيل الطريقة التي يأتي بها البشر إلى العالم.

ولا يسر ذلك الجميع، ففي كثير من الأنظمة القانونية، ومنها بريطانيا، يحظر فحص الأجنة بغرض اختيار الجنس، ناهيك عن فحصها للكشف عن حالات متعددة الجينات مثل ارتفاع ضغط الدم، أو صفات جسدية مثل الطول.

ويشكك كثير من علماء الوراثة ومجموعات الأطباء في فاعلية التقنية، فيما يرى آخرون أنها غير أخلاقية.

قد تبدو رؤى هذه الشركات الناشئة أقرب إلى الخيال، لكن التغيير يتسارع، وتتدفق الأموال إلى أبحاث الخصوبة، ما قد يقود إلى تطورات سريعة في الاختبارات الجينية.

ويحظى الفحص متعدد الجينات، وخصوصا للأمراض الشائعة، بقبول واسع بين الأميركيين، إذ يقول نحو ثلاثة أرباعهم إنهم سيستخدمونه إذا كانوا يخضعون بالفعل للإخصاب في المختبر (IVF)، وتلوح مواجهة بشأن مستقبل هذه التقنيات والشركات التي تروج لها.

لا يولد في الوقت الراهن سوى جزء ضئيل من الأطفال عن طريق الإخصاب في المختبر، وهو شرط ضروري لفحص الأجنة، وفي عام 2024، وهو أحدث عام تتوافر عنه أرقام، ولد 100 ألف طفل أميركي عن طريق هذه العملية، بما يمثل 2.8 في المئة من إجمالي المواليد. ويقول ديفيد سابل، وهو مستثمر كان سابقا اختصاصيا في الغدد الصماء التناسلية، إن التقديرات الشائعة تضع قيمة سوق الخصوبة العالمية عند 25 إلى 30 مليار دولار سنويا فقط.

(رويترز)
أخصائي مختبر طبي يجري عملية تزجيج للأجنة خلال إجراء الحقن المجهري للحيوان المنوي داخل السيتوبلازم في مختبر بباريس، فرنسا، في 13 سبتمبر 2019

لكن اهتمام وادي السيليكون بالخصوبة قد يوسع نطاق الوصول إلى الإخصاب في المختبر، وبدأ بيتر ثيل وإيلون ماسك قبل عدة أعوام الحديث عن انخفاض معدلات المواليد بوصفه تهديدا لأميركا، وشرعا في ضخ الأموال في شركات ناشئة بمجال الخصوبة، وانضم إليهما مستثمرون آخرون، وكادت استثمارات رأس المال المغامر الأميركية في شركات الخصوبة أن تتضاعف بين عامي 2019 و2022، إذ قفزت من 254 مليون دولار إلى 496 مليون دولار، وفقا لـ"بيتش بوك"، وهي شركة متخصصة في توفير البيانات، وإن تباطأت وتيرة الاستثمار قليلا منذ ذلك الحين.

تقدم شركات ناشئة في وادي السيليكون، مثل "نيوكليوس" و"هيراسايت"، فحصا جينيا للأجنة يكشف مخاطر الأمراض ويقدّر الطول والذكاء وطول العمر ولون الشعر والعينين، بكلفة قد تصل إلى 50 ألف دولار للفحص الواحد

وتركز كثير من هذه الشركات الناشئة على خفض كلفة الإخصاب في المختبر، ولا تلزم حاليا سوى 15 ولاية أميركية بإدراج العلاج ضمن مزايا الأمومة في وثائق التأمين الصحي، ما يعني أن معظم الأميركيين يدفعون تكاليفه من أموالهم الخاصة، وتبيع عدة شركات ناشئة تأمينا للخصوبة وخطط دفع تهدف إلى خفض الكلفة.

ويقول نادر السليم من غايا، وهي إحدى تلك الشركات، إن خدماتها توفر على المرضى 15 ألف دولار في المتوسط على امتداد رحلة علاج الخصوبة بأكملها، ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى تجميع المخاطر.

ويقدر الدكتور سابل أن سوق الإخصاب في المختبر قد تنمو إلى ما بين 400 و500 مليار دولار سنويا إذا أصبح العلاج متاحا على نطاق أوسع بكثير، ويفترض تقديره انخفاض كلفة العملية بأكملها إلى نحو 15 ألف دولار. أما حاليا، فتبلغ كلفة دورة واحدة فقط من الإخصاب في المختبر في أميركا ما بين 15 و20 ألف دولار.

ويتوقع الدكتور سابل أن تنخفض الأسعار بفضل ابتكارات تقنية قد ترفع معدلات النجاح، ما يسمح للناس بالخضوع لعدد أقل من الدورات، ومن شأن انخفاض تكاليف العمالة بفعل الأتمتة، وتحقيق وفورات الحجم، إلى جانب زيادة توحيد الإجراءات، أن يسهم أيضا في خفض الأسعار.

ويشيع بالفعل بعض أنواع الفحص بين المرضى الذين يخضعون للإخصاب في المختبر، ومن أمثلتها فحص "PGT-A"، الذي يتحقق من أن لدى الأجنة العدد الصحيح من الكروموسومات، وتزعم بعض الدراسات أنه يخفض خطر الإجهاض، مع أن كثيرا من الخبراء يشككون في ذلك.

وتقدم بعض العيادات أيضا فحص "PGT-M"، الذي يكشف عن الاضطرابات الناجمة عن جين واحد، مثل التليف الكيسي أو داء هنتنغتون.

عبء الكمال

تضيف الشركات الناشئة الآن نوعا ثالثا من الفحص، هو "PGT-P"، الذي يمنح الأجنة درجات تتعلق بحالات وصفات تحددها جينات متعددة، وقد تمتد من بعض أنواع السرطان إلى لون العينين ومعدل الذكاء. وقد يكون الطلب على هذه الاختبارات كبيرا، ووجد استطلاع نشرته مجلة "Science" عام 2023 أن 43 في المئة ممن يخضعون للإخصاب في المختبر سيستخدمون الفحص متعدد الجينات لزيادة فرصة دخول أطفالهم جامعة مرموقة، شريطة أن يكون آمنا ومجانيا، وقال ثلث المشاركين الشيء نفسه عن التحرير الجيني.

يخشى معارضون أن يأتي تعديل الأجنة المحظور في أميركا تالياً، فإذا اختار الوالدان من بين عشرة أجنة قابلة للحياة، فستبلغ الزيادة الوسيطة في طول طفلهما 2.9 سنتيمترا، وإذا اختارا على أساس معدل الذكاء، فستبلغ الزيادة ثلاث نقاط، وهي زيادة من المستبعد أن تغير حياة الطفل

خذ مثلا آرثر زي، وهو موظف في قطاع التقنية، حيث يقول إنه كان دائما "مهووسا بالتقنية"، وأراد تطبيق مهاراته على عملية إنجاب طفل، ويقول: "عملت مديرا للمنتجات في قطاع التقنية طوال معظم مسيرتي المهنية، ولذلك يبدو الأمر، من بعض النواحي، وكأنه مجرد منتج آخر على إدارته"، ورزق زي في وقت سابق من هذا العام بابن، بعدما اختار جنينا من بين ستة أجنة استنادا إلى نتائج الفحص متعدد الجينات الذي قدمته "هيراسايت"، وأتاح له الفحص الاطلاع على درجات مخاطر أمراض أحادية الجين، وأكثر من عشرة أمراض متعددة الجينات، كما زودته الشركة الناشئة بنطاقات متوقعة لمعدل الذكاء والطول.

ويقول زي إنه كان يأمل في زيادة عمر ابنه المتوقع إلى أقصى حد، لا في زيادة طوله أو معدل ذكائه، لكن زي يدرك أن للطول والذكاء مزايا، ويقول: "كل ما كان بوسعي فعله هو النظر إلى نتائج أجنّتي الستة والقول: حسنا، يبدو إلى حد ما أن هذا الجنين أفضل".

ولا يزال زي حالة غير معتادة في الوقت الراهن، إذ يمثل الفحص التجاري بتقنية "PGT-P" قطاعا محدودا، وتخدم شركات ناشئة مثل "هيراسايت" عادة شريحة صغيرة من فاحشي الثراء، معظمهم في أميركا، ومع ذلك، لم يمنعها ذلك من استقطاب قدر كبير من الانتقادات.

ويتعلق بعض هذه الانتقادات بالأساس العلمي للتقنية، إذ تعتمد درجات المخاطر متعددة الجينات على دراسات الارتباط على مستوى الجينوم (GWAS)، التي تستخدم بيانات من مجموعات سكانية كبيرة لمحاولة تحديد الروابط بين المتغيرات الجينية وحالات وصفات محددة، وتقول الشركات التي تقدم الفحص إن مقارنة جينومات الأجنة بدرجات المخاطر المستمدة من قواعد البيانات هذه، مع إجراء تعديلات أحيانا استنادا إلى الأصول السكانية والتاريخ العائلي، تتيح لها تقديم تقديرات خاصة بكل فرد.

لكن هذا الادعاء موضع خلاف، ويشير كيفن ميتشل من كلية ترينيتي في دبلن إلى أن الاختيار استنادا إلى درجات المخاطر متعددة الجينات ينجح على مستوى أعداد كبيرة من النسل، كما يحدث في تربية الحيوانات، لكنه أقل ضمانا عندما يتعلق الأمر بتحقيق النتيجة المرغوبة لطفل واحد.

(غيتي/أ.ف.ب)
أخصائي الأجنة ريك روس يفحص أجنة بشرية تحت المجهر في عيادة لا هويا للإخصاب في المختبر بكاليفورنيا، وتتلقى العيادة أجنة مُتبرعا بها من أنحاء البلاد وتمنحها لمختبرات الأبحاث، 28 فبراير 2007

وتحاول "هيراسايت" معالجة هذه المشكلة عبر التحقق من درجات المخاطر باستخدام بيانات الأشقاء الواردة في مجموعات بيانات دراسات الارتباط على مستوى الجينوم، للتأكد من احتفاظ نماذجها بقدرتها التنبؤية داخل الأسرة الواحدة، وتقول الشركة إنه إذا فحصت عشرة أجنة لزوجين كلاهما مصاب بالسكري من النوع الثاني، فيمكنها خفض الخطر المطلق لإصابة طفلهما بالمرض بما بين 12 و20 نقطة مئوية، مقارنة بخطر أساسي يتراوح بين 40 و60 في المئة.

ويرى بعضهم أن حجم فوائد فحص الأجنة يجري تضخيمه، فإذا اختار الوالدان من بين عشرة أجنة قابلة للحياة، فستبلغ الزيادة الوسيطة في طول طفلهما 2.9 سنتيمتر، وفقا لورقة بحثية نشرتها مجلة "Cell" عام 2019 استنادا إلى التقنية المتاحة آنذاك، وإذا اختارا على أساس معدل الذكاء، فستبلغ الزيادة ثلاث نقاط، وهي زيادة من المستبعد أن تغير حياة الطفل.

وإضافة إلى ذلك، تنخفض المكاسب المتوقعة بشدة لدى من يختارون من بين أقل من خمسة أجنة، ويضيف داغان ويلز من جامعة أكسفورد أن الجينات أقل أهمية من عوامل بيئية، مثل النظام الغذائي، في كثير من الحالات.

تضيف الشركات الناشئة نوعا ثالثا من الفحص، هو "PGT-P" ، الذي يمنح الأجنة درجات تتعلق بحالات وصفات تحددها جينات متعددة، وقد تمتد من بعض أنواع السرطان إلى لون العينين ومعدل الذكاء

وقد يؤدي استبعاد بعض الصفات أيضا إلى عواقب غير مقصودة، إذ يمكن للمادة الجينية أن تحدث تأثيرات مختلفة في أجزاء مختلفة من الجسم، وهي ظاهرة تعرف باسم تعدد التأثير الجيني، وإذا اختار الوالدان جنينا بقصد خفض خطر إصابة طفلهما بمرض معين، فقد يغفلان مشكلات أخرى أو يزيدانها سوءا، وهي مشكلات لا يقدم مزودو الخدمة درجات لها أو لا يستطيعون تقديمها.

لكن كثيرا من المشكلات التقنية، وفي مقدمتها نقص بيانات التدريب لبعض المجموعات السكانية، من المتوقع أن تتحسن بمرور الوقت، وقدرت ورقة "Cell" أن زيادة حجم العينات في قواعد البيانات الأساسية يمكن أن تضاعف الزيادة الوسيطة في نقاط معدل الذكاء الناتجة من التقييم متعدد الجينات. وفي ما يتعلق بتعدد التأثير الجيني، تشير بعض الدراسات إلى أن معظم الارتباطات الجينية بين أزواج الأمراض متعددة الجينات إما إيجابية، بما يعني أن خفض احتمال الإصابة بأحدها يقلل احتمال الإصابة بأمراض أخرى، أو غير ذات دلالة.

ويقول الدكتور ميتشل من ترينيتي إن التقنية في الوقت الراهن "أشبه بوعد مؤجل"، ويضيف: "يقولون: ثقوا بنا، هذه التقنية سيئة نوعا ما الآن، لكنها ستصبح جيدة قريبا".

وإذا عولجت المشكلات التقنية، فستكبر المشكلات الأخلاقية، إذ يخشى بعض المعارضين أن تروج شركات فحص الأجنة لنسخة أكثر قبولا من تحسين النسل.

ويخشى آخرون أن يأتي تعديل الأجنة في المرحلة التالية، وهو مجال تفرض عليه أميركا حظرا فعليا منذ عام 2016.

ويرفض بعض المطلعين على القطاع هذه المخاوف، وأحيانا بلهجة حادة، ويقول ديليان أسباروهوف من "فاوندرز فاند"، وهي شركة رأسمال مغامر شارك ثيل في تأسيسها واستثمرت في عدد من شركات الخصوبة الناشئة، إن درجات المخاطر قد لا تكون مثالية، لكنها "الأفضل في فئتها"، ويقول: "ما أكرهه في بعض العاملين في قطاع الرعاية الصحية التقليدي وبعض المستشارين الوراثيين هو أنهم يتصرفون وكأنك تحتاج إلى ترخيص سريري بمستوى هارفارد" كي تفسر البيانات الجينية. ويتابع: "تبا لذلك. أريد فقط أفضل النماذج الإحصائية المتاحة، لا أحتاج إلى دكتوراة كي أقرأ هذه الأمور"، ويعمل لدى "هيراسايت" و"نيوكليوس" و"أوركيد" مستشارون وراثيون يشرحون النتائج للعملاء.

(نيوكليوس)
إعلان شركة "نيوكليوس" في مترو الأنفاق يحمل عبارة "أنجب أفضل طفل ممكن"

أما فيما يتعلق بالأخلاقيات، فيرى أسباروهوف أن جميع من يعتزمون الإنجاب يمارسون شكلا من أشكال الانتقاء الجيني عندما يختارون شريك حياتهم، ويقول: "إذا كان هذا تحسين نسل، فإن هينج كذلك".

وتتبنى معظم الشركات التي تقدم فحص "PGT-P" موقفا أكثر حذرا، وتقول إن عملاءها يبحثون أساسا عن وسائل لضمان صحة أطفالهم، لا عن صنع "أطفال خارقين"، لكن قرارها تقديم درجات للذكاء والصفات الجمالية يشير إلى إدراكها أن ثمة سوقا لـ"الأطفال الخارقين" أيضا.

وقد يبدو الجدل بشأن مستقبل مجموعة صغيرة من الشركات الناشئة قضية محدودة الأهمية، لكن إذا انخفضت كلفة الإخصاب في المختبر وازدادت وفرة البيانات الجينية، وهو ما يبدو مرجحا، فلن يتوقف نشاط فحص الأجنة عن النمو، وستزداد معه حدة الجدل.

ويمتلئ تاريخ قطاع الخصوبة، الذي يمتد لنحو 50 عاما، بتقنيات أثارت خلافا في السابق، ومنها الإخصاب في المختبر نفسه، ومن هذه الزاوية على الأقل، لا تمثل شركات ناشئة مثل "نيوكليوس" و"أوركيد" و"هيراسايت" شيئا جديدا.

font change