لماذا يواصل القراصنة استهداف إمدادات المياه الأميركية؟

سلطت موجة جديدة من الهجمات- يعتقد أنها مرتبطة بإيران- الضوء على هشاشة قطاع المياه

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
خزان المياه في بلدة سينويا بولاية جورجيا، التي أصبحت موقع تصوير شهيرا للأفلام والمسلسلات، يوم 24 أكتوبر 2024

لماذا يواصل القراصنة استهداف إمدادات المياه الأميركية؟

تعرض مزودو خدمات المياه في سبع ولايات أميركية على الأقل لهجمات سيبرانية خلال الأسبوعين الماضيين، بحسب عدة وكالات، من بينها مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة حماية البيئة ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، وأشار بعض المسؤولين إلى احتمال تأثر ما يصل إلى 12 ولاية.

واستهدف القراصنة مكونات تعرف باسم وحدات التحكم المنطقية القابلة للبرمجة، التي تتيح لمزودي الخدمات إدارة تدفق إمدادات المياه وحتى تركيبها الكيميائي في المنازل والشركات التي يخدمونها، بحسب الوكالات.

وقالت وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية في تحذير أصدرته أخيرا إن القراصنة "غيروا كلمات المرور لمنع المشغلين من الدخول وفصلوا وحدات التحكم"، في كثير من الحالات.

لا توجد حتى الآن مؤشرات على أن الهجمات السيبرانية أحدثت اضطرابا كبيرا أو ألحقت أضرارا دائمة بإمدادات المياه، واستطاع بعض المشغلين على الأقل، بحسب تقارير، التحول إلى التشغيل اليدوي أو استخدام أنظمة احتياطية، لكن وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية قالت إن الهجمات كانت خطيرة في بعض الحالات إلى حد "أدى إلى إصدار إشعارات بضرورة غلي المياه" للسكان المتضررين.

غير أن تداعيات هذه الهجمات أخطر، إذ تساعد وحدات التحكم المنطقية القابلة للبرمجة المشغلين على تنظيم تدفق إمدادات المياه وتوزيعها وحتى تركيبها الكيميائي.

وسبق أن سجلت عدة حوادث كادت تفضي إلى عواقب خطيرة، ففي عام 2021، حاول أحد القراصنة، بحسب تقارير، زيادة مستويات المواد الكيميائية في منشأة بولاية فلوريدا قبل اكتشاف المحاولة في الوقت المناسب، وفي عام 2024، تسبب هجوم في فيضان خزان بولاية تكساس.

غيَر القراصنة كلمات المرور لمنع مزودي الخدمات من إدارة تدفق إمدادات المياه وحتى تركيبها الكيميائي في المنازل والشركات في سبع ولايات أميركية، بحسب الوكالات

لم تنسب الحكومة الأميركية رسميا حتى الآن الهجمات الأخيرة إلى خصم أو جماعة بعينها، لكن عدة تقارير، إلى جانب عدد من المسؤولين السابقين الذين تحدثت إليهم "فورين بوليسي"، أشارت إلى أنها مرتبطة بإيران على الأرجح.

وقالت سينثيا كايزر، التي شغلت منصب نائبة مساعد مدير القسم السيبراني في مكتب التحقيقات الفيدرالي في عهد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن: "أنا على ثقة شبه تامة بأن إيران تقف وراء هذه الهجمات، فالدافع الجيوسياسي والقدرات والسجل الحديث لاستهداف ذلك القطاع كلها تشير إلى إيران، ولا يوجد تفسير بديل معقول".

ولدى قراصنة مرتبطين بخصوم الولايات المتحدة، مثل إيران والصين وروسيا، سجل في استهداف البنية التحتية الحيوية الأميركية، وتسببت هجمات بارزة، مثل اختراق كولونيال بايبلاين عام 2021، الذي ألقي باللوم فيه على روسيا، في تعطيل إمدادات الوقود في معظم أنحاء الساحل الشرقي للولايات المتحدة.

(أ.ف.ب)
أحواض المياه في محطة معالجة مياه الصرف في أوكلاند بولاية كاليفورنيا، وحذرت وكالة حماية البيئة الولايات من هجمات سيبرانية محتملة على أنظمة المياه عقب هجوم نفذته مجموعة "سايبر أفنجرز" المرتبطة بـ"الحرس الثوري" الإيراني، 20 مارس 2024

كما استهدفت عمليات اختراق كبرى أخرى نفذها قراصنة مرتبطون بتلك الدول شبكات الاتصالات ومقدمي الرعاية الصحية والإمدادات الغذائية.

وهذه ليست المرة الأولى التي تُستهدف فيها أنظمة المياه الأميركية، إذ ارتبطت إيران وروسيا بعمليات اختراق سابقة لإمدادات مياه محلية في ولايات من بينها فلوريدا وتكساس.

وعلى الرغم من أن موجة الهجمات التي وقعت هذا الشهر لم ترتبط بأي اضطرابات كبيرة، فإنها تذكر بمدى هشاشة قطاع المياه.

وقال الجنرال المتقاعد بول ناكاسوني، الذي شغل منصب مدير وكالة الأمن القومي وقائد القيادة السيبرانية الأميركية في عهد إدارة بايدن وإدارة ترمب الأولى: "من بين قطاعات البنية التحتية الحيوية الستة عشر، ربما يكون قطاع المياه الأضعف والأكثر عرضة للتعطل".

ووافقت كايزر، التي تشغل حاليا منصبا تنفيذيا رفيعا في شركة الأمن السيبراني "هالسيون"، على ذلك. وقالت: "عندما كان صناع السياسات يسألونني عن القطاعات التي تثير قلقي، كنت أقول دائما: قطاع المياه".

هناك عدة أسباب تجعل أنظمة المياه معرضة للخطر على نحو خاص، ويأتي في مقدمتها العدد الهائل لنقاط الاختراق المحتملة، وبحسب وكالة حماية البيئة، يوجد أكثر من 148 ألف نظام عام للمياه في أنحاء الولايات المتحدة يخدم المنازل والمدارس والمستشفيات وقطاعات أخرى من الاقتصاد. وقال ناكاسوني، الذي يقود حاليا معهد الأمن القومي بجامعة فاندربيلت: "للقطاع نطاق واسع جدا من نقاط الاختراق المحتملة، فهناك نقاط كثيرة جدا يمكن استهدافها، وعندما ينظر الخصم إليه، يكون الأمر أشبه بقوله: يا إلهي، هذا هدف سهل المنال بالنسبة إلينا".

تشير تقارير ومسؤولون سابقون لـ"فورين بوليسي" إلى ارتباط الهجمات بإيران على الأرجح، رغم غياب أي اتهام رسمي، وسط سجل لقراصنة مرتبطين بإيران والصين وروسيا في استهداف البنية التحتية الأميركية

كما تتسم البنية التحتية للمياه في الولايات المتحدة بقدر من اللامركزية يفوق كثيرا قطاعات أخرى، إذ يوجد أكثر من 52 ألف مزود محلي مختلف للمياه في أنحاء البلاد، ولا يخدم كثير منها سوى بضع مئات من الأشخاص، وبالمقارنة، لا يوجد في البلاد سوى 3,300 مرفق للكهرباء.

وقال روب جويس، الذي شغل منصب مدير الأمن السيبراني في وكالة الأمن القومي خلال إدارة بايدن ومنسق الأمن السيبراني في مجلس الأمن القومي خلال إدارة ترمب الأولى: "لا تملك البلديات المسؤولة عن المياه الموارد الكافية في العموم، فمعظمها صغير وشديد اللامركزية، وغالبا ما تستخدم هذه البلديات تقنيات ركبتها جهة خارجية من دون أن تدرك التداعيات السيبرانية للتقنيات التي تشغلها".

غالبا ما تتصل تقنيات الجهات الخارجية هذه بالإنترنت كي يستطيع مزودو الخدمات التحكم فيها عن بعد، وهذا يوسع دائرة الأهداف التي يمكن اختراقها من نقطة دخول واحدة، لأن بلديات كثيرة تستخدم الأدوات البرمجية نفسها.

(أ.ف.ب)
فرانكلين ألكسندر، مشغّل محطة معالجة في أنظمة مياه مقاطعة ميامي-ديد، في غرفة التحكم استعدادا لأي مشكلات يوم نهائي السوبر بول، حيث يؤثر ارتفاع الطلب على ضغط المياه في المنازل، 30 يناير 2015

وحدث ذلك في عام 2023، خلال الأيام الأولى من الحرب بين إسرائيل و"حماس"، عندما اخترقت مجموعة قرصنة إيرانية تعرف باسم "سايبر أفنجرز" شركة "يونيترونيكس" الإسرائيلية، وتستخدم أنظمة المياه الأميركية كثيرا من وحدات التحكم التي تصنعها الشركة.

وتكرر الأمر في موجة الهجمات الحالية، إذ أشار مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة حماية البيئة إلى مكونات تصنعها شركة "روكويل أوتوميشن" بوصفها مصدر الثغرة.

وبحسب كايزر، يمكن للأدوات التي تسهل عمل مديري أنظمة المياه الأصغر حجما أن تسهل مهمة القراصنة أيضا، وقالت: "إذا كنت الشخص الوحيد في مرفق للمياه، فستريد أن تتاح لك إمكانية الوصول عن بعد حتى تستطيع إدارته من مكان آخر، وهذا أمر منطقي، ولهذا، ومن باب تسهيل العمل، جرى توصيل كثير من هذه الأنظمة بالإنترنت".

ومع ذلك، لا تمتلك مرافق المياه عادة جدران الحماية أو وسائل الحماية اللازمة لعرقلة القراصنة، وأضافت: "كان من الممكن منع هذا لو لم تكن الأنظمة متصلة مباشرة بالإنترنت".

تأتي الهجمات وسط تصاعد عالمي في استخدام المياه سلاحا، إذ سجل معهد "باسيفيك" الأميركي للأبحاث 420 حالة عنف مرتبطة بالمياه في 2024، بزيادة نحو 20 في المئة عن العام السابق

ومما يزيد الأمر تعقيدا أن صلاحيات إنفاذ متطلبات الأمن السيبراني في قطاع المياه لا تزال غير واضحة، ففي عام 2023، طرحت وكالة حماية البيئة مذكرة سعت من خلالها إلى فرض تقييمات للأمن السيبراني ضمن عمليات التدقيق الدورية لأنظمة المياه، لكنها سحبت المذكرة بعدما رفعت عدة ولايات دعاوى قضائية، زعمت فيها أن التحسينات المطلوبة في مجال الأمن السيبراني ستفرض تكاليف تفوق قدرة مرافق المياه على تحملها.

وأعادت الهجمات الأخيرة إحياء تلك المناقشات، وقال جويس: "سنحتاج إلى منح صلاحية صريحة في مجال الأمن السيبراني لجهة تنظيمية ما، سواء كانت وكالة حماية البيئة أو جهة أخرى تستطيع تحديد الحد الأدنى لمعايير الأمن السيبراني".

وأثار اتساع الهجمات الأخيرة قلقا واسعا، ودفع إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات للمساعدة في حماية البنية التحتية للمياه في الولايات المتحدة من هجمات مستقبلية، وأعلنت ولاية نيويورك هذا الشهر منحا للأمن السيبراني تتجاوز قيمتها 9 ملايين دولار، للمساعدة في حماية أكثر من 150 نظام مياه في أنحاء الولاية.

وفي هذا الأسبوع، قدم عضوا مجلس الشيوخ الديمقراطيان آدم شيف وإيمي كلوبوشار مشروع قانون يحمل اسم "قانون الدرع السيبراني للمياه"، ويهدف إلى تعزيز الحماية السيبرانية للبنية التحتية للمياه في أنحاء الولايات المتحدة.

وقال شيف في بيان: "ليست هذه التهديدات افتراضية، فهي تحدث الآن، ويمنح هذا التشريع وكالة حماية البيئة الأدوات التي تحتاج إليها لحماية هذه البنية التحتية الحيوية، كما يوفر الموارد التي تحتاج إليها أنظمة المياه ومياه الصرف المحلية لتعزيز أمنها السيبراني من دون تحميل المشتركين الذين يدفعون الرسوم التكلفة".

كما سلطت الهجمات الضوء مجددا على مشروع قانون سبق اقتراحه ويرعاه النائب الجمهوري ريك كروفورد، ويخول منظمة مستقلة تولي إعداد متطلبات الأمن السيبراني في القطاع.

(أ.ف.ب)
عند سد هوفر، تنقل أنابيب فولاذية تُعرف بـ"المآخذ" يصل قطرها إلى 30 قدما المياه من أبراج السحب في الخزان إلى محطة الطاقة ومخارج جدار الوادي، في مدينة بولدر بولاية نيفادا، 8 يونيو 2024

وحصل المشروع على دعم الجمعية الأميركية لمرافق المياه، التي تمثل نحو 4,300 مرفق في أنحاء البلاد، وأرسلت الجمعية أخيرا رسالة إلى قادة الكونغرس تحثهم فيها على اتخاذ إجراءات أقوى في مجال الأمن السيبراني وتدعو إلى إقرار مشروع القانون.

وانخرط متطوعون من القطاع الخاص أيضا في هذه الجهود، وشهد مؤتمر "ديف كون" الأسبوع الماضي، وهو مؤتمر سنوي ضخم للقراصنة يقام في لاس فيغاس، إطلاق مبادرة جديدة تحمل اسم "مركز مراقبة المياه"، وستجمع المبادرة شركات الأمن السيبراني وقراصنة متطوعين للعمل مع الجمعية الوطنية للمياه الريفية، بهدف مساعدة مرافق المياه الأصغر حجما على الدفاع عن نفسها في مواجهة الهجمات السيبرانية التي يشنها خصوم أجانب.

font change