نشرت وسائل الإعلام الإيرانية مرسوما أصدره "المرشد" مجتبى خامنئي، وصادَق عليه رئيس الجمهورية مسعود بيزشكيان، قضى بتعيين محسن رضائي سكرتيرا للمجلس الأعلى للأمن القومي بعد إزاحة السكرتير السابق محمد باقر ذو القدر.
يأتي هذا التغيير في واحد من أهم مراكز صنع القرار في الجمهورية الإسلامية، وسط تقارير عن خلافات داخل الهيكل القيادي الجديد، حول بعض بنود مذكرة التفاهم التي وافق عليها الوفد الإيراني المفاوض مع الطرف الأميركي في إسلام آباد.
لكن الأهم أنه يقدّم تفسيرا لتصريح سابق أدلى به خامنئي، قال فيه إنه "من حيث المبدأ" لا يوافق على مذكرة التفاهم والمسار الذي اتّخذه المجلس الأعلى للأمن القومي في المفاوضات. فبحسب المفسّرين، عندما يقول "المرشد" عبارة "من حيث المبدأ"، يعني أن لديه رأيا مختلفا أو أنه غير موافق، وبذلك تكون هذه العبارة مؤشرا على عدم موافقته على مذكرة التفاهم، وبالتالي تكون إقالة ذو القدر وتعيين رضائي مكانه فتوى بتقويم مسار التفاوض "الذي أخذ إيران نحو التنازلات"، وبمثابة "حركة تصحيحية" داخل إطار المفاوضات.
أما بيزشكيان الذي وافق من فوره على تعيين رضائي، فظل يدافع عن قرارات ذو القدر في المفاوضات حتى اللحظة الأخيرة.
في الواقع، كان بيزشكيان قد طرح بعد مقتل السكرتير السابق علي لاريجاني بغارة أميركية على طهران، اسمي ذو القدر ورضائي كخيارين يراهما مناسبين لخلافته، لكن الكتلة الصلبة للنظام وجدت في تلك الفترة أن شخصية رضائي العسكرية ليست مناسبة، وفضّلت ذو القدر بسبب اعتداله "المحسوب".
على خط موازٍ، رحب رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف بتعيين رضائي، معتبرا أنه "ثمرة ثقة المرشد والرئيس به"، وهذا ما أكسب التعيين قيمة دبلوماسية، لكونه صادرا عن رئيس فريق التفاوض.
يعتقد رضائي أن مضيق هرمز يجب أن يكون تحت الإدارة الإيرانية حصرا، وهو منذ بدأت الحرب لا شغل له سوى إشهار سلاح المضيق بوجه الأعداء
مع ذلك، لا تزال هذه الروايات تفتقر إلى الخبر اليقين، خاصة وأن ذو القدر لم يترك مؤسسة النظام، إذ عيّنه خامنئي مستشارا سياسيا له على الفور.
ووفق محللين سياسيين، يصعب التكهّن بالسبب الحقيقي الذي دفع "المرشد" إلى القيام بهذا التغيير، فمن ناحية لا يمكن اختزاله بالخلافات الداخلية أو بمعادلة "ذو القدر المعتدل ورضائي المحارب"، ومن ناحية أخرى لا يمكن ربطه فقط بالتحوّل الذي طرأ على المفاوضات ونقلها من محاولات التسوية إلى احتمالات التصعيد.
فهناك مجموعة من الإشارات التي اجتمعت لتجعل رضائي الخيار المناسب للنظام اليوم، منها أن صقور النظام قد نفد صبرهم بعدما تعذّر على "إخوانهم في الدبلوماسية" انتزاع تفاهم يليق بتاريخهم الجهادي، ومنها أيضا أن النظام استشعر أن الأميركي حصر الحرب بمعركة سيطرة على مضيق هرمز، وهي معركة يبدو أنها مصممة على قياس رضائي المتمرّس في لغة الحرب والتهديد، بعد 16 عاما قضاها قائدا لتنظيم "الحرس الثوري".
يعتقد رضائي أن مضيق هرمز يجب أن يكون تحت الإدارة الإيرانية حصرا، وهو منذ بدأت الحرب لا شغل له سوى إشهار سلاح المضيق بوجه الأعداء، وفي حين كان التفاوض مع الأميركي جاريا على قدم وساق، وكان ذو القدر منخرطاً في النقاشات ويوقّع على مذكرة التفاهم باسم النظام، هدد مرارا وتكرارا بإغلاقه، ولهذا يتّهمه منتقدوه وحتى بعض مناصريه أحيانا، بأن تصريحاته وتهديداته الاستفزازية كلّفت البلاد خسائر تفاوضية، في حين تراه غالبية الشعب الإيراني "دون كيخوته" إسلاميا يحارب طواحين الهواء.
في إحدى معاركه الخطابية أعلن رضائي أن إيران لن تسمح بفتح ممر ثانٍ في مضيق هرمز تحت أي ظرف من الظروف، محذّرا الرئيس الأميركي دونالد ترمب من استمرار الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية، كما تحدّث كثيرا عن "تكتيكات سرية" لحماية المضيق، وعن "شيء لم يشهده العالم من قبل"، وأكد أن إيران باتت مستعدة للدخول في مرحلة "الغزو والدمار الكامل"، وأن الصراع سوف يمتد من هرمز إلى المحيط الهندي ومضيق باب المندب والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط.
تنقّل رضائي على مدى تجربته الثورية من منصب مهم إلى آخر أكثر أهمية، إلا أن مبالغته بالتهديد بإغلاق مضيق هرمز منحته أهم مناصبه على الإطلاق، وفيما يستعدّ اليوم لاستئناف معركته من موقع المسؤول المباشر، يستعيد الإيرانيون تحذيرا لسلفه لاريجاني، قال فيه إن "ورقة مضيق هرمز تُلعب مرة واحدة"، ويرون أن النظام أدرك هذه الحقيقة فقرر أن "يلعبها على المكشوف"، لذلك لجأ إلى تعيين رضائي بمنصب سكرتير المجلس الأعلى لمضيق هرمز.