تعقيدات الزواج على صفيح ساخن في "الدعوة" لأوليفيا وايلد

حين تكون الصدمة هي السبيل الوحيد للنجاة

 A24
A24
من فيلم "الدعوة"

تعقيدات الزواج على صفيح ساخن في "الدعوة" لأوليفيا وايلد

في ثالث أعمالها السينمائية الطويلة، تعود المخرجة والممثلة الأميركية أوليفيا وايلد بما يمكن اعتباره أفضل أفلامها حتى الآن، بعد "بوكسمارت" (2019) و"لا تقلقي يا عزيزتي" (2022) الذي عرض للمرة الأولى في مهرجان البندقية السينمائي.

يفتتح "الدعوة" بسيل من الذكريات لحياة زوجية سعيدة مليئة بالحب، لكن هذه الذكريات صوتية فقط يتردد صداها في ذهن جو (سيث روغان)، الذي بدوره لا يبدو شغوفا بعمله كمدرس للموسيقى، وبعد هذا السيل من الذكريات يعتذر عن عدم إكمال درسه ويبدأ برحلة العودة الشاقة إلى المنزل على دراجته الهوائية. في مونتاج بشاشات متعددة (Split Screen) يعرض كيف يعود جو إلى المنزل وكيف تقضي أنجيلا (أوليفيا وايلد) يومها استعدادا لزيارة الجيران في الطابق العلوي، تغمرها الحماسة وتشع منها الطاقة. يغوص جو في أعماق الماضي وتستقبل أنجيلا المستقبل بذراعين مفتوحتين، حتى قبل أن يلتقي الزوجان على الشاشة أمامنا، نلاحظ أول الأدلة على علاقة زوجية مضمحلة تعيش أياما عصيبة.

في قلب زواج يحتضر

وصول جو إلى شقته يعلن البداية الفعلية للفيلم، فالإيقاع والحوارات المتداخلة واستغلال موقع التصوير في السرد البصري واستخدام الموسيقى كأداة تعزيزية للمشاعر، تبدأ في هذا المشهد وتستمر حتى فصله الأخير. إنها رحلة متوترة تضع المشاهدين في مركز زواج يحتضر وسط قالب من المواقف المحرجة التي تندفع الى السطح بسبب زيارة الجارين بينا (بينيلوبي كروز) وهوك (إدوارد نورتون).

العمل المقتبس من فيلم إسباني بعنوان "الناس في الطابق الأعلى" (2020) هو من كتابة رشيدة جونز وويل مكورماك، اللذين خارجا بنص مكثف ومفعم بالاكتشافات من خلال الحوارات. فكون أحداث الفيلم تتم في ليلة واحدة وفي موقع واحد، تقتضي الحاجة إلى وضع العلاقتين في سياق أوسع يشمل ماضي الشخصيتين وتتكشف من خلاله التجارب والدوافع التي تقود مشاعر هذا الفيلم.

يستطيع الفيلم الهروب من دائرة الأفلام المسرحية التي ترتكز بشكل كبير على أداءات ممثليها، والابتعاد عن طريقة التصوير التلفزيونية

يكتشف جو أن زوجته دعت الجارين في الليلة نفسها، لنكتشف علاقته المتوترة بهما، والمتمثلة في ارتفاع صوتهما أثناء ممارسة الحب حتى ساعات الليل المتأخرة، ويكتشف جو أن الدعوة لم تتم سوى في صباح اليوم نفسه. وإذا كان الدفع بهذا الكم من المعلومات خلال مدة زمنية قصيرة قد يوقع النص في فخ سرد رتيب ومباشر، فإن النص مكتوب بطريقة سلسة وكوميدية تظهر هذه الاكتشافات من خلال مواجهات شخصية لا تهدف إلى تلقين المشاهد بل إلى توسيع فجوة الاختلاف بين الزوجين.

التصوير في موقع واحد تقريبا يجبر الفيلم على إجراء العديد من القطع (cuts)، وبينما قد يفرط في ذلك أحيانا، إلا أن أوليفيا وايلد رفقة مدير التصوير آدم نيوبورت يستخرجان أفضل ما يمكن استخراجه من هذه المشكلة من خلال استخدام "البلوكنج" وتحريك الممثلين والكاميرا في المشهد، لا نشعر أن الشقة شخصية حاضرة فحسب، لكنها تتفاعل مع الشخصيات وتساهم في تحريك القصة. يساهم في ذلك المونتيران انتوني بويز (القادم من خلفية تلفزيونية كوميدية) ويورغوس مافروبساريديس (شارك في العديد من أفلام يورغوس لانثيموس).

A24
لقطة من فيلم "الدعوة"

يستطيع الفيلم الهروب من دائرة الأفلام المسرحية التي ترتكز بشكل كبير على أداءات ممثليها، والابتعاد عن طريقة التصوير التلفزيونية المتمثلة في انتقال اللقطة من ممثل الى آخر مع جملة جديدة في الحوار. عوضا من ذلك نشاهد تداخل العديد من الحوارات وضياع الكلمات في بحر من النقاشات والاختلافات دون فقدان السيطرة بالكامل. فنشعر بالتوتر حاضرا في المشهد ونعلم تماما مدى عمق الاختلاف دون الحاجة إلى تلقي كل جملة بشكل واضح.

خيارات ذكية

يتم هذا دون التنازل عن النبرة الكوميدية، باستخدام ذكي للتصوير يهدف إلى إظهار رد فعل الممثلين على ما يحصل أو عزلهم بالكامل حينما يواجهون بقية أفراد المشهد وحدهم بسبب قول شيء غير مناسب أو خارج عن المألوف (سيث روغان يتألق في هذا الجانب). لاحقا حينما ينقسم الزوجان ويذهب جو للتدخين مع بينا وتكون أنجيلا برفقة هوك، ينتقل الفيلم بين المشهدين باستمرار ويظهر مدى الاختلاف بين بينا وهوك، وكيف تبدو أكثر عفوية وأقل تكلفا من حبيبها الذي لا يمكنه التخلص من عباءة الفوقية. في أفلام المكان الواحد، تكتسب كل قرارات زوايا التصوير والمونتاج أهمية أكبر لأنك لن تخرج المشاهدين من هذا المحيط، وأي قرار خاطئ من شأنه كسر نسق الفيلم والخروج عن إطاره.

تعزز الموسيقى، خصوصا في البداية، الشعور بالتوتر، فهي تتصاعد وقت ازدياد حدة النقاش وتتوقف حينما يتوقف طرفا النقاش عن الحديث، وكأنه تدريب غير مباشر للمشاهدين. بعد فترة يبدأ الفيلم بالتحرر من عنصر الموسيقى وتتولى الحوارات قيادة نسق المشهد دون الحاجة إلى عناصر أخرى معززة، خصوصا بعد تعرفنا الى الشخصيات وفهمنا لديناميكية علاقتهم بشكل أكبر.

 Tommaso Boddi / GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP
أوليفيا وايلد وسيث روغن خلال الحفل الذي أعقب عرض فيلم "الدعوة" في مهرجان صندانس السينمائي 2026 في بارك سيتي، يوتا، 24 يناير 2026

تتألق أوليفيا وايلد أمام الكاميرا كما تألقت خلفها، من خلال تأدية دور أنجيلا ربة المنزل التي لا تمتلك في يومها من عمل سوى الهوس بترتيب وتحسين ديكور الشقة التي ورثها زوجها من والديه. هناك فراغ حقيقي في حياتها ولا يقتصر الموضوع على انقطاع العلاقة الزوجية بينها وبين جو. الفراغ هنا يمتد إلى ما هو أكبر، إنه فراغ وجودي نوعا ما بسبب عدم امتلاك هدف أو غاية. يلمح جو لهذا الأمر في أواخر الفيلم حينما يقول إنه لا يعلم ماذا تفعل في يومها وقت ذهابه الى العمل وتكون ابنتهما في المدرسة.

تتولى الحوارات قيادة نسق المشهد دون الحاجة إلى عناصر أخرى معززة، خصوصا بعد تعرفنا الى الشخصيات وفهمنا لديناميكية علاقتهم

هذا الفراغ والضياع يتشكلان على هيئة قلق دائم ورغبة مستمرة في كسب إعجاب الغرباء، بعد أن تقرر أنجيلا أنها تهتم برأي جاريها الجديدين بسبب إعجابها بمظهرهما، فتتحول غايتها بشكل مؤقت إلى الحصول على الإعجاب والإطراء منهما. هوك تحديدا يحظى بكامل انتباهها بسبب مناقضته بالكامل لزوجها جو وبسبب إغداقه لها المديح والإعجاب. ومن الجدير ملاحظة أن أنجيلا تقاوم متطلبات هوك وإغراءاته للمرة الأولى بعد أن تتناول حبة "كزاناكس"، إشارة إلى وجودها في منطقة دائمة القلق لا تستطيع الخروج منها إلا بمساعدة العقاقير.

A24
مشهد من فيلم "الدعوة"

أداءات بارعة

إدوارد نورتون في شخصية هوك يسرق الأضواء كثيرا منذ ظهوره، الشخصية البوهيمية ذات الحس الإبداعي الفذ والمتكلف، تشكل تهديدا لجو منذ اللحظة التي يخطو فيها خطوته الأولى في الشقة، إذ يستحوذ على اهتمام زوجته ويبدو ممسكا بزمام أمور حياته. الكثير من كوميديا الفيلم تنبع من تضارب الشخصيات، تحديدا ردود فعل جو على تصرفات هوك أو شعور أنجيلا بالإحراج أمامه مما يدفعها إلى الكذب أو قيادة دفة الحديث في اتجاه آخر تماما.

لكن بينا هي أحد المحركات الرئيسة للقصة. تستوعب بينيلوبي كروز الهالة التي تفرضها هذه الشخصية على الفيلم، فمن دونها لن يكون هناك دعوة، والجميع يبحث عن رضاها، ولا يزيدها ذلك غرورا بل تتعامل مع الموضوع على أنه أمر اعتيادي وكأنها تتوقعه. حين يصل الفيلم إلى نقطة الانفجار تتحول هذه الشخصية وتفرض سيطرتها على المشهد بأكمله ويقف جميع ممثلي المشهد مثلنا وينصتون إليها.

سيث روغان يقدم أداء بارعا وسط كوكبة من النجوم تفوق اسمه، بالرغم من تقديمه لشخصية لا تختلف كثيرا عن قالبه المعتاد، إلا أن النص مسخر لهذه الشخصية ويتمحور جزئيا حولها. وأداؤه الذي قد يكون مكررا في فيلم آخر بسبب طريقة حديثه وطبيعته، يأتي هنا عفويا ومحركا قويا للفيلم، بسبب اختلافه الصارخ عمن حوله في ظل محاولات زوجته الدؤوبة للانتماء الى طبيعة حياة الجارين.

 VALERIE MACON / AFP
رشيدة جونز، سيث روغن، أوليفيا وايلد، بينيلوبي كروز، إدوارد نورتون، وويل ماكورماك خلال العرض الأول لفيلم "الدعوة" في لوس أنجليس، 23 يونيو 2026

تقدم أوليفيا وايلد في "الدعوة" أكثر أعمالها نضجا وإحكاما. فيلم يصور حياة زوجين في المدينة المزدحمة والمفعمة بالحياة، يواجهان خطر التلاشي والانحسار خلف مشاكل عصرية متكررة، ومشاكل شخصية متراكمة من الماضي. من هو جو؟ إنه موسيقي فاشل يعمل مدرسا في مدرسة موسيقية متواضعة ويعيش في شقة فاخرة ورثها من والديه ويخجل من هذه الحقيقة، آلام ظهره جسيمة ومتكررة وتعكر صفو حياته. من هي أنجيلا؟ ربة منزل قررت التخلي عن مسيرتها المهنية لتربية ابنتهما الوحيدة -التي بدورها تعشق أباها - وتتوه في هذه الحياة بحثا عن غاية أو مغزى أو انتماء.

فيلم يصور حياة زوجين في المدينة المزدحمة والمفعمة بالحياة، يواجهان خطر التلاشي والانحسار خلف مشاكل عصرية متكررة

إنه فيلم كوميدي معاصر يتحول في نهايته المفتوحة الجذابة إلى عمل صادق وشاعري، يأتي هذا التحول سريعا ولكن يبدو منطقيا، بعد ليلة عاصفة مليئة بالمواجهات، يواجه جو شبح ماضيه من طريق العزف على بيانو لم يلمسه من سنوات، ولا يكتمل المشهد إلا بانضمام يد زوجته ورفيقة دربه إلى الكادر ومشاركته العزف بكل سلاسة. لا نعلم ما يحمله المستقبل لهذه العلاقة وهل نهايتها محتومة أم لا، لكن مهما كان القرار الذي سوف يتخذانه، فإنهما في النهاية يبدوان أكثر خفة وتحررا وشجاعة من قبل، وكأنهما كانا في حاجة إلى صدمة تلك السهرة، وهي الصدمة التي لا بد شعر بها كل من شاهد الفيلم، بسبب حساسية القضايا التي يطرحها ولغة طرحها على حد سواء.

font change

مقالات ذات صلة