الاحترار يرسم طرقاً جديدة للسفن... هل ينافس الممر القطبي قناة السويس؟

ممرات جديدة يولدها تغير المناخ

أ.ف.ب.
أ.ف.ب.
سفن كاسحة للجليد تعبر المحيط الأطلسي في المياه الإقليمية الروسية على بعد 2450 كليومترا عن العاصمة موسكو، 5 أيار 2016

الاحترار يرسم طرقاً جديدة للسفن... هل ينافس الممر القطبي قناة السويس؟

في منتصف أغسطس/آب 2026، غادرت سفينة الحاويات "دبي تاور" ميناء "نينجبو-تشوشان" الصيني متجهة إلى بريطانيا عبر طريق مختلف جذريا عن المسار المعتاد بين آسيا وأوروبا، فبدلا من الإبحار جنوبا عبر مضيق ملقا والمحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس، اتجهت السفينة شمالا صوب مضيق "بيرينج" ثم المياه القطبية المحاذية للساحل الروسي.

تأتي الرحلة ضمن خدمة حاويات موسمية منتظمة أطلقتها شركة "سي ليجند" عبر طريق البحر الشمالي، مع تقديرات بوصول الرحلة إلى ميناء "فيليكسستو" البريطاني في نحو 20 يوما في الظروف المناسبة. لكن أهمية الرحلة تتجاوز توفير الوقت، فهي تكشف كيف بدأ الاحترار العالمي يحول تغيرا مناخيا في منطقة بعيدة إلى عامل يعيد تشكيل طرق التجارة ونقاط الاختناق البحرية في العالم.

يتغطى المحيط المتجمد الشمالي بجليد بحري يتكون عندما تتجمد مياه المحيط، وتزداد مساحة هذا الجليد خلال الشتاء، وتصل عادة إلى ذروتها في مارس/آذار، ثم تتراجع خلال الربيع والصيف حتى تبلغ أدنى مستوياتها في سبتمبر/أيلول. هذه الدورة الطبيعية ظلت آلاف الأعوام، لكن الاحترار العالمي جعل الجليد الصيفي يتراجع على المدى الطويل، كما جعل جزءا كبيرا من الجليد المتبقي أصغر عمرا وأقل سمكا.

التضخيم القطبي

تزداد حساسية القطب الشمالي لأن المنطقة تسخن أسرع بكثير من المتوسط العالمي، في ظاهرة تعرف باسم التضخيم القطبي. وتشير الدراسات إلى أن القطب الشمالي شهد خلال العقود الأخيرة احترارا يقارب أربعة أمثال المتوسط العالمي، وهو ما يغير طبيعة سطح المحيط من منطقة يغطيها الجليد معظم الوقت إلى مساحة تتسع فيها المياه المفتوحة خلال الصيف.

يرجع جزء من هذا التسارع إلى حلقة تغذية راجعة بسيطة لكنها شديدة القوة، فالجليد الأبيض يعكس نسبة كبيرة من أشعة الشمس إلى الفضاء، بينما تمتص مياه المحيط الداكنة قدرا أكبر من الطاقة. وعندما يذوب الجليد تنكشف مساحة أكبر من المياه، فتمتص حرارة إضافية، مما يزيد دفء المحيط ويجعل تكوين الجليد الجديد أكثر صعوبة.

ومع تكرار العملية عاما بعد آخر، يصبح الغطاء الجليدي أرق وأكثر هشاشة، وتشير بيانات الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي إلى أن أقدم أنواع الجليد البحري، الذي كان يبقى لسنوات ويتسم بسمك كبير، تراجع بشدة، مقارنة بثمانينيات القرن الماضي. وهذا النوع من التغير هو الأكثر أهمية للملاحة، لأن السفن تستطيع التعامل مع الجليد الرقيق والمتقطع بدرجة أسهل كثيرا من كتل الجليد القديمة والسميكة.

تراجع الجليد لا يعني دائما أن الملاحة تصبح أسهل، فقد أظهرت دراسات للممر الشمالي الغربي في كندا أن تغير المناخ يمكن أن يدفع كتلا من الجليد القديم والسميك من مناطق أعلى في الشمال إلى مضائق ضيقة، فتتكدس داخلها وتجعل العبور أكثر خطورة

وهنا تظهر العلاقة المباشرة بين المناخ والتجارة. فالمسافة الجغرافية بين شرق آسيا وشمال أوروبا عبر القطب أقصر في حالات كثيرة من المسار الجنوبي عبر قناة السويس، لكن الجليد جعل هذا الاختصار عديم القيمة الاقتصادية لقرون.

ومع تراجع الجليد في الصيف، بدأت نافذة زمنية تظهر، يمكن خلالها بعض السفن عبور طريق البحر الشمالي في محاذاة روسيا، من مضيق بيرينج في الشرق حتى بحري كارا وبارنتس في الغرب. وتستطيع بعض الرحلات بهذه الطريقة تقليص المسافة بنسب كبيرة مقارنة بالمسار التقليدي. وفي حالة الرحلة الصينية إلى بريطانيا، جرى اختبار زمن يقارب ثلاثة أسابيع، مقابل مدد أطول على الخدمات التقليدية التي تستخدم قناة السويس وتزور في العادة موانئ وسيطة عدة في طريقها بين آسيا وأوروبا.

لكن المحيط لم يصبح بعد بحرا مفتوحا يمكن أي سفينة عبوره متى شاءت، فالقطب لا يذوب بصورة متجانسة، وقد تكون منطقة شبه خالية من الجليد في أسبوع بينما تتجمع الكتل الجليدية في منطقة أخرى بسبب الرياح والتيارات. كما تختلف الظروف من عام إلى آخر بصورة كبيرة. ولذلك لا يعتمد قبطان السفينة على مساحة الجليد فقط، وإنما على سمكه وعمره وتركيزه وحركته، إضافة إلى الرياح والأمواج والضباب. وقد يؤدي تغير صغير في الطقس إلى دفع كتل جليدية نحو مضيق ضيق وإغلاقه مؤقتا. لذلك يمكن الاحترار أن يطيل الموسم الملاحي من دون أن يحول الطريق إلى ممر يتمتع بانتظام قناة السويس نفسها.

(أ.ف.ب)
صورة نشرتها البحرية الفرنسية للمجموعة القتالية لحاملة الطائرات "شارل ديغول" وهي تعبر قناة السويس في طريقها إلى جنوب البحر الأحمر، تأهبا لمهمة محتملة لإعادة الملاحة إلى مضيق هرمز، 6 مايو 2026

ولا توجد في القطب طريق واحدة، وإنما ثلاثة مسارات رئيسة يجري الحديث عنها. أولاها طريق البحر الشمالي في محاذاة الساحل الروسي، وهو الأكثر استخداما تجاريا اليوم بفضل البنية الروسية من موانئ وكاسحات جليد وخدمات ملاحية. أما الثاني فهو الممر الشمالي الغربي بين جزر شمال كندا، لكنه أكثر تعقيدا بسبب كثرة المضائق والجزر واحتمال تراكم الجليد داخل الممرات الضيقة، والثالث المسار العابر للقطب الذي قد يمر مستقبلا بالقرب من وسط المحيط المتجمد نفسه إذا استمر تراجع الجليد الصيفي. وهذا المسار الأخير لا يزال أقل واقعية تجاريا، لكنه يوضح حجم التحول المحتمل إذا استمر الاحترار لعقود أخرى.

ومن المفارقات أن تراجع الجليد لا يعني دائما أن الملاحة تصبح أسهل، فقد أظهرت دراسات للممر الشمالي الغربي في كندا أن تغير المناخ يمكن أن يدفع كتلا من الجليد القديم والسميك من مناطق أعلى في الشمال إلى مضائق ضيقة، فتتكدس داخلها وتجعل العبور أكثر خطورة. وفي الوقت نفسه، يؤدي اختفاء الجليد من مساحات واسعة إلى زيادة مساحة المياه المفتوحة التي تستطيع الرياح التحرك فوقها، وهو ما يسمح بتكون أمواج أكبر.

وبذلك قد يتحول نوع الخطر بدلا من أن يختفي، فحين يقل الغطاء الجليدي المتصل، تواجه السفينة في المقابل أمواجا أقوى وقطع جليد متناثرة وظروفا جوية متغيرة. وهذا يفسر لماذا يفضل الباحثون الحديث عن زيادة قابلية الملاحة بدل القول إن القطب أصبح مفتوحا.

لا يعني ذلك أن طريق القطب سيحل محل قناة السويس في المستقبل القريب. فقناة السويس تعمل طوال العام، وتخدم شبكة هائلة من الموانئ، وتستطيع استقبال سفن حاويات عملاقة تحمل أكثر من 20 ألف حاوية مكافئة

ويمنح هذا التحول أهمية جديدة لمضيق بيرينج، الفاصل بين روسيا وألاسكا، لأنه البوابة البحرية الوحيدة التي تربط المحيط الهادئ مباشرة بالمحيط المتجمد الشمالي، وإذا زادت حركة السفن بين شرق آسيا وأوروبا عبر القطب، فإن جزءا كبيرا منها سيضطر إلى المرور بهذا العنق الجغرافي. وفي الخريطة التجارية التقليدية، تتركز الأضواء على مضيق ملقا وباب المندب وقناة السويس ومضيق هرمز، لكن نمو الملاحة القطبية يمكن أن يرفع بيرينج تدريجيا إلى مرتبة أكثر أهمية في التجارة العالمية. وقد أقرت المنظمة البحرية الدولية بالفعل مسارات واتجاهات مرورية ومناطق احتراز داخل المضيق، مما يعكس توقع زيادة النشاط البحري هناك مع استمرار تراجع الجليد وتوسع الأنشطة الاقتصادية في المنطقة القطبية.

ولا يعني ذلك أن طريق القطب سيحل محل قناة السويس في المستقبل القريب. فقناة السويس تعمل طوال العام، وتخدم شبكة هائلة من الموانئ، وتستطيع استقبال سفن حاويات عملاقة تحمل أكثر من 20 ألف حاوية مكافئة. أما الخدمة الصينية الحالية فتعمل في موسم محدود وتستخدم سفنا أصغر كثيرا. كذلك فإن الاقتصاد في المسافة لا يساوي في الضرورة الاقتصاد نفسه في التكلفة. فالملاحة القطبية قد تتطلب سفنا مقواة ضد الجليد، وتأمينا أعلى، ومرافقة كاسحات جليد في بعض الظروف، إضافة إلى مخاطر التأخير وقلة الموانئ ومراكز الإنقاذ. ولهذا فإن المسار يبدو أكثر جاذبية حاليا للبضائع المرتفعة القيمة والحساسة للوقت، مثل السيارات الكهربائية والبطاريات وبعض معدات الطاقة، وليس باعتباره بديلا شاملا لحجم التجارة الهائل عبر السويس.

طريق ثالثة

مع ذلك، فإن التأثير الاستراتيجي لا يحتاج إلى أن ينتقل نصف أسطول العالم إلى القطب. يكفي أن يصبح هناك طريق ثالثة قابلة للاستخدام في جزء من السنة حتى تتغير حسابات شركات الشحن والدول. فإذا تعرض البحر الأحمر لاضطرابات أمنية، أو زادت مدة الدوران حول رأس الرجاء الصالح، أو حدثت اختناقات في ممرات أخرى، تصبح قيمة المسار القطبي أكبر من مجرد فارق في المسافة.

في هذا المعنى، يعمل تغير المناخ على زيادة خيارات الحركة البحرية، لكنه يفعل ذلك بصورة غير متوازنة. فالمسار الشمالي قد يقلل اعتماد بعض الرحلات الصينية إلى شمال أوروبا على ملقا وباب المندب والسويس، لكنه يخلق في المقابل اعتمادا أكبر على بنية تحتية وتصاريح وخدمات روسية.

وتلك النقطة تجعل القصة مناخية وجيوسياسية في الوقت نفسه، فالقسم الأكبر من طريق البحر الشمالي يمتد في محاذاة السواحل الروسية، وتلعب روسيا دورا رئيسا في إدارة الملاحة وتوفير كاسحات الجليد والخدمات والمعلومات. لذلك فإن شركة تستخدم الطريق لا تحسب فقط سمك الجليد أو زمن الرحلة، وإنما تضع في الاعتبار العقوبات الغربية والقواعد الروسية والتأمين والرسوم وإمكان الوصول إلى الموانئ والخدمات.

وهكذا يمنح الاحترار العالمي روسيا قيمة استراتيجية إضافية لموقع جغرافي كان الجليد يقلل أهميته التجارية تاريخيا، وفي الوقت نفسه، ترى الصين في الطريق فرصة لتوسيع خياراتها البحرية بين آسيا وأوروبا، وهو ما يفسر استخدام تعبيرات مثل "طريق الحرير الجليدي" في وصف هذه الاستراتيجيا.

وعلى الجانب الآخر من العالم، يقدم تغير المناخ مثالا معاكسا تماما في قناة بنما. فبينما يساعد نقص الجليد في الشمال في فتح المياه أمام السفن، يمكن نقص الأمطار والجفاف أن يضيقا المرور في بنما، لأن القناة تعتمد على المياه العذبة لتشغيل نظام الأهوسة ورفع السفن وخفضها.

تظل الملاحة في القطب مختلفة جذريا عن الملاحة عبر السويس أو البحر المتوسط حتى في أكثر السيناريوهات دفئا. فالمنطقة تعاني نقص الموانئ ومراكز الصيانة والإنقاذ، وضعف الاتصالات في بعض المناطق، ودرجات حرارة قاسية، وفترات طويلة من الظلام، وخرائط هيدروغرافية أقل تفصيلا في أجزاء واسعة

وخلال أزمة الجفاف في 2023 و2024 اضطرت هيئة القناة إلى فرض قيود على عدد السفن والغاطس بسبب انخفاض مستويات المياه. وهذه المفارقة تكشف أن أثر المناخ في الشحن ليس اتجاها واحدا، قد يجعل طريقا كان صعبا أكثر قابلية للاستخدام، وفي الوقت نفسه يهدد كفاءة ممرات قائمة منذ أكثر من قرن، كما يفرض على الموانئ نفسها التعامل مع ارتفاع مستوى البحر والعواصف والحرارة الشديدة.

لكن فتح القطب للملاحة يحمل بدوره مشكلة مناخية، فالرحلة الأقصر قد تستهلك وقودا أقل من رحلة أطول إذا كانت الظروف متشابهة، إلا أن زيادة عدد السفن والنشاط الاقتصادي واستخراج الموارد في القطب يمكن أن تزيد إجمالي الانبعاثات.

وتوجد حساسية خاصة في القطب لما يعرف باسم الكربون الأسود، وهي جزيئات داكنة تنتج من احتراق الوقود ويمكن أن تستقر فوق الثلوج والجليد، وعندما يصبح سطح الجليد أكثر قتامة تقل قدرته على عكس أشعة الشمس ويزداد امتصاصه للحرارة، مما يسرع الذوبان. لذلك يخشى العلماء من حلقة تغذية راجعة جديدة. فالاحترار يقلل الجليد، والجليد الأقل يسمح بمزيد من السفن، والسفن تضيف انبعاثات يمكن أن تزيد الضغط على النظام القطبي نفسه.

أ.ف.ب
رافعات الشحن فوق سفن محملة حاويات شحن في ميناء لوس أنجليس، بولاية كاليفورنيا الأميركية، 20 فبراير 2026

ولهذا تظل الملاحة في القطب مختلفة جذريا عن الملاحة عبر السويس أو البحر المتوسط حتى في أكثر السيناريوهات دفئا. فالمنطقة تعاني نقص الموانئ ومراكز الصيانة والإنقاذ، وضعف الاتصالات في بعض المناطق، ودرجات حرارة قاسية، وفترات طويلة من الظلام، وخرائط هيدروغرافية أقل تفصيلا في أجزاء واسعة.

وإذا تعطلت سفينة قرب ميناء أوروبي أو في بحر مزدحم، يمكن أن تصل المساعدة سريعا نسبيا، أما الحوادث داخل البحار السيبيرية أو المناطق القطبية النائية فقد تتطلب استجابة أكثر تعقيدا، ومن هنا فإن المياه المفتوحة لا تعني في الضرورة مياها آمنة، والنجاح التجاري للطريق يعتمد بقدر كبير على تطور البنية التحتية بقدر اعتماده على استمرار تراجع الجليد.

لا يرسم تغير المناخ خريطة بحرية جديدة من الصفر، لكنه يضيف مسارات جديدة ويغير القيمة الاستراتيجية لمسارات قديمة. فقناة السويس ومضيق ملقا وباب المندب ستظل ممرات أساسية للتجارة العالمية، لكن مضيق بيرينج وطريق البحر الشمالي يكتسبان وزنا متزايدا مع طول موسم المياه المفتوحة.

وفي الوقت نفسه، يصبح على شركات الشحن أن تفكر في المناخ باعتباره عاملا مباشرا في قرارات المسار والتأمين والبنية التحتية وليس مجرد قضية بيئية بعيدة. الرحلة الصينية الجديدة إلى أوروبا تجسد هذا التحول بوضوح: الجغرافيا لم تتغير، والمسافة بين القارات لم تتغير، لكن احترار الأرض بدأ يغير أي المسافات قابلة للاستخدام اقتصاديا، وهو تحول قد يعيد توزيع جزء من حركة التجارة والقوة البحرية خلال العقود المقبلة.

font change

مقالات ذات صلة