آيزنكوت... هل يكسر "لعنة الجنرالات" وينهي عهد نتنياهو؟https://www.majalla.com/node/332736/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%A2%D9%8A%D8%B2%D9%86%D9%83%D9%88%D8%AA-%D9%87%D9%84-%D9%8A%D9%83%D8%B3%D8%B1-%D9%84%D8%B9%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%B1%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D9%8A%D9%86%D9%87%D9%8A-%D8%B9%D9%87%D8%AF-%D9%86%D8%AA%D9%86%D9%8A%D8%A7%D9%87%D9%88%D8%9F
تزخر السياسة الإسرائيلية بطموحات جنرالات سابقين لم تر النور، إذ ظنوا أن بإمكانهم تحويل هيبة الجيش إلى نجاح سياسي. فمن بين رؤساء وزراء إسرائيل الأربعة عشر، لم يكن سوى ثلاثة منهم جنرالات، وكان آخرهم آرييل شارون، الذي انتُخب قبل أكثر من عشرين عاما. ومع ذلك، حاول عدد كبير من القادة العسكريين منذ ذلك الحين، دون جدوى، التغلب على هذه "اللعنة" المزعومة، التي تدفع الجنرالات إلى الصعود سريعا في استطلاعات الرأي، قبل أن يتواروا تدريجيا في طي النسيان.
أما غادي آيزنكوت، أحدث هؤلاء المرشحين، فيملك فرصة للتميّز. فمن جهة، تمنحه استطلاعات الرأي أفضلية واضحة؛ إذ تُظهر بيانات القناة الثانية عشرة، الصادرة في 13 يوليو/تموز 2026، أن آيزنكوت هو المرشح المفضّل لرئاسة الوزراء لدى 43 في المئة من الجمهور، مقارنة بـ 34 في المئة لنتنياهو. وفي الوقت نفسه، يُظهر استطلاع آخر أجرته القناة الثالثة عشرة أن حزب آيزنكوت الناشئ يتقدم بفارق ضئيل على "حزب الليكود"، بحصوله على 23 مقعدا مقابل 22.
لكن الأمر يتجاوز مجرد الحسابات الانتخابية البسيطة. فقد برز آيزنكوت، من نواح عديدة، بوصفه النموذج المثالي لـ"نقيض نتنياهو": شخصية تتسم بوقار صارم تخالطه مسحة من الألم، وتطرح رزانتها بديلا واضحا عن الاستعراضات السياسية للائتلاف الحاكم الحالي. وغالبا ما ينتقد خصوم نتنياهو إياه باعتباره رجلا يقدّم مصالحه الشخصية على مصلحة الوطن. أما صورة آيزنكوت، في المقابل، فتقوم على العودة إلى مفهوم الخدمة العامة المتجذّر في الانضباط العسكري، والمشحون بتجربة الفقد الشخصي.
الهوية السياسية لآيزنكوت
تقوم الصورة السياسية لآيزنكوت على ركيزتين أساسيتين. تتمثل الأولى في خلفيته الاجتماعية المتواضعة؛ فقد نشأ بعيدا عن النخب، وشق طريقه في الرتب العسكرية لا عبر وحدات النخبة، بل من خلال لواء جولاني، وهو لواء مشاة يضم أفرادا من مختلف شرائح المجتمع الإسرائيلي. في المقابل، خدم كل من نتنياهو وإيهود باراك، وهو عسكري آخر أصبح رئيسا للوزراء، في وحدة "سيريت متكال" النخبوية، وهي وحدة الكوماندوز التابعة لرئيس الأركان. ونشأ نتنياهو نفسه في حي رحافيا الراقي في القدس، وهو ابن مثقف يميني. أما آيزنكوت، نجل مهاجرين مغاربة، فقد نشأ في مدينة إيلات الساحلية الصغيرة.
أما العنصر الثاني في صعود آيزنكوت السياسي فلا يقل أهمية، ويتمثل في تضحياته الشخصية؛ إذ فقد رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ابنه خلال حرب غزة. ولم تقتصر الخسارة على ذلك، فقد دفعت عائلته ثمنا باهظا خلال الحرب، إذ لقي اثنان من أبناء شقيقه حتفهما أيضا في المعارك.
لم يخطط آيزنكوت قط لمسيرة عسكرية طويلة. وقال لصحيفة محلية في مسقط رأسه: "كنت أفكر في الاستقالة كل عام، لكنني كنت أجدد خدمتي لعام آخر
خارج إسرائيل، يرتبط اسم آيزنكوت بـ"مبدأ الضاحية" سيئ الصيت، نسبة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، الذي يقوم على استخدام القوة المفرطة وتدمير البنية التحتية المدنية بهدف تحقيق الردع. ونتيجة لذلك، يُنظر إلى آيزنكوت غالبا بوصفه من الصقور؛ أي جنرالا متشددا يرى في القوة السبيل إلى حل معظم المشكلات. لكن الصورة أكثر تعقيدا؛ فقد كانت فترة تولّيه منصب رئيس الأركان من أكثر الفترات هدوءا خلال العقدين الماضيين. وكان أول إجراء اتخذه بعد انضمامه إلى مجلس الحرب عام 2023، وهو الهيئة التي تولت إدارة شؤون الحرب في إسرائيل في أعقاب حوادث 7 أكتوبر/تشرين الأول، هو معارضة شن هجوم مفاجئ على "حزب الله" وتوسيع نطاق الحرب شمالا، وهو ما كان يدعو إليه آنذاك وزير الدفاع يوآف غالانت، وهو عسكري سابق تحوّل إلى سياسي.
وهذا ما يجعله لغزا نسبيا: فهو جنرال من عامة الشعب، وصقر برغماتي، ورجل عسكري مخضرم، لكنه في الوقت نفسه شخصية سياسية غير مجرّبة، تتشكل صورته إلى حد كبير من الانطباع الذي يتركه أكثر مما تتحدد بأفعاله ومواقفه السياسية. ولإلقاء الضوء على هذا اللغز، لا بد من تتبّع المحطات التي أسهمت في تشكيل شخصية آيزنكوت كما هي اليوم.
كيف تشكّل آيزنكوت؟
على مدى عقود، حافظ بنيامين نتنياهو على قبضته على السلطة من خلال تقديم نفسه بوصفه مدافعا عن اليهود الشرقيين، أي يهود شمال أفريقيا والعالم العربي، الذين يرون أنفسهم مهمَّشين سياسيا، في مواجهة ما يصفه بأنه نخبة أشكنازية تمثل "الدولة العميقة". إلا أن سيرة آيزنكوت بدأت تقوّض هذه الرواية.
زعيم المعارضة الإسرائيلية ورئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت يلتقي بأنصاره في مؤتمر عُقد قبيل الانتخابات الإسرائيلية في ديمونا، إسرائيل، في 6 يوليو 2026
وُلد آيزنكوت عام 1960 في طبريا لعائلة من أصول مغربية، ونشأ في إيلات، وهي مدينة تقع بعيدا عن مراكز السلطة في القدس وتل أبيب. درس في المسار البحري والميكانيكي في مدرسة ثانوية فنية، ثم التحق بالجيش عام 1978، لا في إحدى وحدات النخبة، بل في الكتيبة 51 التابعة للواء جولاني.
لم يخطط آيزنكوت قط لمسيرة عسكرية طويلة. وقال لصحيفة محلية في مسقط رأسه: "كنت أفكر في الاستقالة كل عام، لكنني كنت أجدد خدمتي لعام آخر، ومع مرور السنوات، امتدت خدمتي العسكرية إلى 33 عاما". وتكشف هذه المسيرة الطويلة التي نشأت، سنة بعد أخرى، من دون تخطيط مسبق، عن نمط سيتكرر في حياته: فهو رجل يبني موقعه بالتراكم الصبور، لا بالقفزات الكبرى.
شارك آيزنكوت في حرب لبنان عام 1982 بصفته قائد سرية، وشهد المعارك الضارية للسيطرة على مطار بيروت، حيث فقد عددا من أصدقائه المقربين. وأصيب ثلاث مرات، لكنه واصل العودة إلى الخدمة. وتدرج في الرتب داخل قيادة لواء جولاني، قبل أن تتنوع مهامه لاحقا، فتولى قيادة ألوية مشاة احتياطية ولواء إفرايم الإقليمي. وفي عام 1999، شغل منصبا بارزا سكرتيرا عسكريا لرئيس الوزراء ووزير الدفاع إيهود باراك، وشارك في المفاوضات مع سوريا.
بدت مسيرته المهنية اللاحقة وكأنها قائمة بأبرز المناصب العسكرية وأكثرها تأثيرا في الجيش الإسرائيلي خلال العقد الأول من الألفية الثانية: فقد تولى قيادة فرقة يهودا والسامرة، وهي الوحدة العسكرية العاملة في الضفة الغربية، خلال أكثر سنوات الانتفاضة الثانية دمويةً عام 2003؛ ثم شغل منصب رئيس مديرية العمليات خلال حرب لبنان الثانية الكارثية عام 2006. وبعد أن أجبرت إخفاقات تلك الحرب قائد القيادة الشمالية آنذاك على الرحيل، تولى آيزنكوت قيادة القيادة نفسها لمدة ست سنوات، وهي فترة طويلة على نحو غير معتاد، أتاحت له إعادة بناء قوة الردع في مواجهة "حزب الله" بهدوء، بعد الأداء الإسرائيلي الكارثي في حرب 2006. وبصفته رئيسا للأركان بين عامي 2015 و2019، وصفه زملاؤه بأنه غير استعراضي وميال إلى تجنب المخاطر، وينفر من "المغامرات". ويُذكر بأنه أشرف على فترة ولاية خالية من حرب كبرى.
غادي آيزنكوت قد حسم، حتى الوقت الحالي، المنافسة على خلافة بنيامين نتنياهو. لكن المعركة الأهم، التي ستحدد مسار السياسة الإسرائيلية، لم تُحسم بعد
ومن الخطأ أيضا تصوير هذا "الجنرال الشعبي" على أنه رجل غير متعلم. فآيزنكوت قارئ نهم في التاريخ العسكري، ويحمل درجة البكالوريوس في التاريخ العام، ودرجة الماجستير في العلوم السياسية، كما أتمّ برنامج كلية الحرب التابعة للجيش الأميركي في كارلايل بولاية بنسلفانيا؛ وهي سيرة أكاديمية غير معتادة لضابط مشاة.
حتى عند النظر إلى صورته بوصفه "صقرا"، تكشف قراءة متأنية عن صورة أكثر تعقيدا. فبينما رسّخت "عقيدة الضاحية" مكانته بوصفه شخصية أمنية "صارمة"، كشفت قضية إيلور عزاريا عام 2016 عن ملامح إطاره الأخلاقي. ففي ذلك العام، أطلق عزاريا، وهو جندي في الجيش الإسرائيلي، النار على مهاجم فلسطيني كان عاجزا ولم يعد يشكّل أي تهديد. وأثارت القضية انقساما في الرأي العام الإسرائيلي، إذ عبّر البعض، ولا سيما من مؤيدي نتنياهو، عن غضب شديد إزاء محاكمة الجيش للجندي بتهمة قتل مهاجم فلسطيني.
أظهر إصرار آيزنكوت على محاكمة الجندي عسكريا التزاما بأخلاقيات الجيش، وهو الأمر الذي وضعه في مواجهة مباشرة مع النزعات الشعبوية لنتنياهو. فبالنسبة إلى آيزنكوت، كان الانضباط العسكري يتقدم على الاعتبارات السياسية. وكان هذا الخلاف من أولى بوادر انقسام أيديولوجي أعمق، بلغ ذروته لاحقا في غرف العمليات الحربية عام 2023.
الحرب التي جعلت منه سياسيا
انضم آيزنكوت إلى "مجلس الحرب" في أعقاب أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول، وناشد مرارا وتكرارا اغتنام كل فرصة ممكنة لإنقاذ الرهائن الذين تحتجزهم "حماس" في غزة. وفي 6 ديسمبر/كانون الأول 2023، امتدت الحرب إلى عائلة آيزنكوت نفسها؛ إذ قُتل ابنه، الرقيب أول (احتياط) غال آيزنكوت، البالغ من العمر 25 عاما، وهو مسعف ومقاتل مشاة في اللواء 551 الاحتياطي، إثر انفجار عبوة ناسفة في جباليا، أثناء بحثه عن جثث الرهائن.
غادي آيزنكوت يتلقى العزاء من الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، بجنازة ابنه غال مئير آيزنكوت، 25 عامًا، الجندي الإسرائيلي الذي قتل في شمال غزة، في هرتسليا، إسرائيل، في 8 ديسمبر 2023
عاد آيزنكوت إلى مجلس الحرب بعد أيام قليلة من دفن ابنه. وبعد أشهر، في أبريل/نيسان 2026، كتب علنا عن حزنه قائلا: "الفراغ الهائل الذي تركته برحيلك يا غال، والإدراك المُرهِق بأنني لن أراك مجددا، يُدمي روحي". ولعل هذا الحزن هو أقوى خيط عاطفي في شخصية آيزنكوت؛ فهو يجسّد نداء إلى أمة تبحث عن القوة والصمود، فيما لا تزال ترزح تحت وطأة خسارة فادحة. ولا يرى الناخبون الإسرائيليون في آيزنكوت مجرد جنرال سابق كفؤ، بل يرون فيه أبا دفع ثمن الحرب بنفسه، ومع ذلك واصل أداء دوره.
يدرك آيزنكوت أن التركيز على إخفاقات السابع من أكتوبر/تشرين الأول هو أفضل سبيل للفوز بالانتخابات. ولذلك، أطلق على القائمة التي يقودها نتنياهو اسم "قائمة السابع من أكتوبر"، محمّلا رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي مسؤولية الإخفاق الذي أفضى إلى هجوم "حماس". والحسابات واضحة: لطالما استندت جاذبية نتنياهو السياسية إلى صورته بوصفه "رجل الأمن". وعلى الرغم من تزايد خيبة أمل كثير من الإسرائيليين منه، ظل بعضهم مواليا له خشية أن لا يتمكن أي منافس من حماية البلاد بالكفاءة نفسها.
لقد حطّمت هجمات السابع من أكتوبر تلك الفرضية؛ إذ كشفت عن إخفاق ذريع في الاستعداد والردع في ظل قيادة نتنياهو، وهو إخفاق يمكن لآيزنكوت استغلاله للطعن في أحد أهم أسس شرعيته السياسية.
ويراهن نتنياهو، في المقابل، على أن تعافي إسرائيل بعد أحداث 7 أكتوبر سيعيد سردية الأمن إلى مسارها؛ فـ"حماس" ضعفت، و"حزب الله" أُنهك، و"محور المقاومة" أُحبط، وإيران باتت تحت السيطرة. نصر الله، وخامنئي، والسنوار: جميعهم سقطوا. غير أن إثبات صحة هذه الرواية بات أكثر صعوبة؛ فالحرب مع إيران لا تزال تراوح مكانها، و"حزب الله"، رغم النكسات الكبيرة التي مُني بها، لا يزال قادرا على تهديد شمال إسرائيل، فيما لم تُهزم "حماس" هزيمة ساحقة.
تحويل الشعبية المفاجئة إلى نصر انتخابي
هذا الصعود السريع إلى الشهرة، الذي جاء تقريبا بمحض الصدفة، هو ما يفسر جاذبية آيزنكوت، لكنه قد يكون أيضا مصدر ضعفه. فمع تصدّره استطلاعات الرأي في إسرائيل، لن يكون وصوله إلى رئاسة الوزراء أمرا سهلا بأي حال. وسيتطلب الفوز مناورات سياسية ذكية في مواجهة نتنياهو، وكذلك تفاهمات ماهرة مع حلفائه الطبيعيين في صفوف المعارضة.
حتى الوقت الحالي، لا يزال آيزنكوت سياسيا غير مُختبَر تماما، رغم أنه أظهر بعض قدراته مؤخرا. فقد انفصل عن كتلة غانتس، "الوحدة الوطنية"، في منتصف عام 2025، وأطلق حزبه الخاص في سبتمبر/أيلول من العام نفسه، تحت اسم مؤقت هو "ياشار" (كلمة عبرية تعني "مستقيم" أو "صادق"). ورحّب زعيم المعارضة يائير لابيد بإطلاق الحزب فورا، واصفا إياه بأنه فرصة "لتغيير مسار دولة إسرائيل". ومع ذلك، وبينما رأى لابيد وشريكه السياسي المستقبلي نفتالي بينيت في آيزنكوت أداة مفيدة لاستقطاب أصوات اليهود الشرقيين واليمين، فإنهما كانا حذرين من شعبيته المتنامية. وعلى مدى أشهر، حاول أبرز شخصيتين في المعارضة الإسرائيلية استمالة رئيس الأركان السابق، لكن دون جدوى. ومع ازدياد شعبية آيزنكوت وتراجع شعبيتهما، قررا توحيد صفوفهما، فيما حافظ آيزنكوت على شعبيته، وأصبح في موقع يسمح له بفرض شروطه. وللمرة الأولى، أثبت آيزنكوت أنه أكثر من مجرد "علامة سياسية"، وأظهر بعضا من قدراته وقيمته كسياسي إسرائيلي.
وهذا يعني أن غادي آيزنكوت قد حسم، حتى الوقت الحالي، المنافسة على خلافة بنيامين نتنياهو. لكن المعركة الأهم، التي ستحدد مسار السياسة الإسرائيلية، لم تُحسم بعد: من سيتمكن من حشد أغلبية 61 مقعدا في الكنيست، المؤلف من 120 مقعدا؟
التناقض واضح. يريد آيزنكوت بديلا فلسطينيا لـ"حماس" في الحكم، لكنه يرفض فكرة إقامة دولة فلسطينية بوصفها خيارا سياسيا قابلا للتطبيق
هذا التمييز هو جوهر الانتخابات. ففي أواخر أغسطس/آب، حصل "حزب ياشار" بزعامة آيزنكوت على 26 مقعدا، متقدما بستة مقاعد على "حزب الليكود"، وفق استطلاع للرأي أجرته صحيفة "معاريف". كما تفوق آيزنكوت على نتنياهو بنسبة 52 في المئة مقابل 38 في المئة عندما سُئل الناخبون عن المرشح الأنسب لرئاسة الوزراء. وأظهرت استطلاعات أخرى حصول "ياشار" على ما بين 23 و25 مقعدا، متصدرا السباق أو متعادلا في الصدارة. وهكذا، جعل الناخبون الإسرائيليون من آيزنكوت البديل الأبرز لنتنياهو. لكن متاهة السياسة الإسرائيلية وتعقيداتها قد تحرمانه من الفوز.
إن انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول ليست مجرد منافسة بين نتنياهو وآيزنكوت، بل اختبار لقدرة معسكر المعارضة الإسرائيلي المنقسم على العمل ككتلة واحدة. فلكل حزب خطوطه الحمراء ومطالبه، الأمر الذي يستلزم مهارات تفاوضية عالية، فضلا عن الاستعداد للتنازل عن بعض المبادئ الأساسية. وقد أثبت نتنياهو براعته في تشكيل الائتلافات، لكن هل سيتمتع رئيس الأركان السابق للجيش الإسرائيلي بالقدر نفسه من المهارة؟ وحتى إذا فاز حزبه، فسيكون أمام آيزنكوت نحو شهر لتشكيل ائتلافه؛ وإذا أخفق في ذلك، فستُتاح لنتنياهو فرصة تشكيل ائتلافه الخاص.
مساران إلى السلطة
أمام آيزنكوت مساران واقعيان يُفضيان إلى السلطة، الخيار الأول هو تشكيل "أغلبية صهيونية" خالصة تضم "حزب ياشار"، و"حزب معا" و"حزب إسرائيل بيتنا"، و"الحزب الديمقراطي"، إلى جانب شريك أصغر من يمين الوسط، مثل "قائمة هيندل-تروبر". وهذا هو الخيار المفضل لدى آيزنكوت.
هذا هو السيناريو المثالي لآيزنكوت، إذ يمنح شركاءه أغلبية برلمانية من دون الاعتماد على دعم خارجي. كما يتيح للحكومة تشكيل لجنة تحقيق رسمية في حوادث 7 أكتوبر، وإعادة النظر في نظام الخدمة العسكرية لمعالجة قضية تجنيد اليهود الحريديم، وفرض حدّ زمني لولاية رئيس الوزراء، من دون الاضطرار إلى التفاوض على كل صوت مع أحزاب من خارج الائتلاف. كذلك، سيسمح هذا السيناريو لآيزنكوت بتقديم حكومته بوصفها حكومة إصلاح وطني، لا مجرد ائتلاف ضيق هدفه إسقاط نتنياهو، وعاجز عن إحداث تغيير حقيقي.
رئيس الأركان الإسرائيلي الجديد، غادي آيزنكوت يتبادل أطراف الحديث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم أداء اليمين الدستورية في مكاتب رئيس الوزراء بالقدس في 16 فبراير 2015
لكن، كما هي الحال غالبا، يصعب التعويل على السيناريوهات المثالية، إذ يواجه آيزنكوت عقبة رئيسة تتمثل في تشتت الأصوات. فبموجب نظام العتبة الانتخابية في إسرائيل، يُستبعد أي حزب لا يحصل على نسبة معينة من الأصوات، تبلغ 3.25 في المئة، ولا تُحتسب أصواته عند توزيع المقاعد. وقد يكون فوز حزب بأربعة مقاعد مكسبا مهما؛ لكن إذا حصل حزب على نسبة تقل قليلا عن العتبة الانتخابية، فقد تُهدر كتلة كاملة من الأصوات، الأمر الذي قد يؤدي إلى خسارة أربعة مقاعد أو أكثر من المعسكر بأكمله. وقد تذبذبت "قائمة هيندل-تروبر"، وهي حليف محتمل لآيزنكوت، مرارا حول هذه العتبة أو دونها. وينطبق الأمر نفسه على "حزب أزرق أبيض" الذي يتزعمه رئيس الأركان الإسرائيلي السابق بيني غانتس، في عدد من استطلاعات الرأي. وحسابات الـ61 لا ترحم: فتعثر حزب صغير قد يمحو المكاسب التي يحققها حزب كبير. ولذلك، أظهرت عدة استطلاعات رأي حديثة أيضا أن الكتلة المحتملة لآيزنكوت قد تقترب من عتبة الـ61 مقعدا، لكنها لا تتجاوزها، إذ تتراوح تقديراتها بين 57 و60 مقعدا.
الخيار الثاني هو تشكيل حكومة أقلية تحظى بدعم من خارج الائتلاف. والمنطق العددي بسيط: فإذا حصلت المعارضة الصهيونية على ما بين 57 و60 مقعدا، يمكن للأحزاب العربية الحيلولة دون تشكيل حكومة برئاسة نتنياهو، من دون الانضمام رسميا إلى ائتلاف آيزنكوت. وقد أبدت عدة أحزاب عربية استعدادها للتصويت بما يحول دون عودة نتنياهو إلى رئاسة الوزراء، في حين اتخذ "حزب رعام"، أحد الأحزاب العربية في إسرائيل، قرارا غير مسبوق بالانضمام إلى حكومة لابيد-بينيت عام 2022.
سيمنح هذا الخيار آيزنكوت رئاسة الوزراء، لكنه لن يمنحه حرية التصرف. فأي مبادرة رئيسة تتعلق بالميزانية أو الدستور أو الأمن قد تصبح رهينة للمفاوضات. كما سيمنح هذا الترتيب نتنياهو مادة جاهزة للطعن في شرعية الحكومة، ومن المرجح أن تُعدّ عدة قضايا من المحرمات السياسية، ولا سيما كل ما يتعلق بالفلسطينيين.
عموما، لن يكون طريق آيزنكوت إلى النصر سهلا. فعلى الرغم من تفوقه على نتنياهو في استطلاعات الرأي، لا يزال عليه ضمان تأييد جميع حلفائه المحتملين، والتوصل إلى برنامج انتخابي مشترك. وإذا لم يتمكن من تحقيق الأغلبية، فقد يضطر إلى الاعتماد على دعم الأحزاب العربية، حتى وإن لم يكن هذا الدعم معلنا رسميا. وقد يشكل ذلك نقطة ضعف رئيسة، بالنظر إلى مواقف آيزنكوت في السياسة الخارجية.
رؤية آيزنكوت للسياسة الخارجية
لا يتبنى آيزنكوت خطابا سلميا في حملته الانتخابية، وموقفه من القضية الفلسطينية يوضح ذلك بجلاء.
وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن مع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق بيني غانتس في تل أبيب، إسرائيل، 8 فبراير 2024
في مايو/أيار 2025، صرّح آيزنكوت بأن قيام دولة فلسطينية "غير ذي جدوى بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول". وكرر هذا الموقف في أغسطس/آب 2026، قائلا: "لا وجود لدولة فلسطينية، ولن تقوم دولة فلسطينية في الحكومة التي سنشكلها". ويرفض آيزنكوت إعادة توطين سكان غزة، لكن معارضته تنطلق من اعتبارات استراتيجية لا من موقف تصالحي؛ فهو يرى أن إسرائيل لا ينبغي أن تتحمل مسؤولية سكان القطاع المدنيين أو أن تُحمّل نفسها عبئا أمنيا طويل الأمد. ويحدد آيزنكوت سياسته انطلاقا من هدف الحفاظ على إسرائيل قوية ويهودية وديمقراطية، لا من السعي إلى إحياء إطار عملية السلام.
تتألف عقيدة آيزنكوت بشأن غزة من ثلاثة عناصر رئيسة. أولا، يجب أن تفقد "حماس" قدرتها العسكرية وقدرتها على الحكم. ثانيا، ينبغي لإسرائيل أن تحتفظ بحرية العمل الأمني وأن تُبقي قواتها في غزة إلى حين نزع سلاح "حماس" وتجريد القطاع من السلاح. ثالثا، يجب أن لا يفضي النظام الذي سيحكم القطاع بعد الحرب إلى عودة "حماس" أو إلى احتلال مدني إسرائيلي مفتوح الأمد. وقد تحدث آيزنكوت عن سلطة فلسطينية مطورة، مدعومة من الدول العربية والتكنوقراط، بوصفها جزءا من ترتيبات "اليوم التالي". ولعل هذا الجانب هو أبرز ما يميز سياسة آيزنكوت عن سياسة نتنياهو: فآيزنكوت مستعد، من حيث المبدأ، لدعم سلطة فلسطينية مطورة بوصفها شريكا رسميا.
التناقض واضح. يريد آيزنكوت بديلا فلسطينيا لـ"حماس" في الحكم، لكنه يرفض فكرة إقامة دولة فلسطينية بوصفها خيارا سياسيا قابلا للتطبيق. والسؤال المحوري هنا هو ما إذا كان هذا الموقف مجرد حسابات سياسية أم إنه يعكس قناعة راسخة. فآيزنكوت يدرك أن إبداء أي دعم، ولو كان محدودا، لقيام دولة فلسطينية سيمنح نتنياهو ذريعة انتخابية فعالة، إذ تصوّره حملته الانتخابية بوصفه الزعيم الإسرائيلي الوحيد القادر على التصدي للضغوط الرامية إلى إقامة مثل هذه الدولة.
لعلّ ما يميز آيزنكوت هو أن جاذبيته لم يصنعها مستشارو الحملات الانتخابية، بل تشكلت في صفوف لواء جولاني، واختُبرت في قضية عزاريا، ودُفع ثمنها في غزة
أما في ما يتعلق بلبنان، فتتسم سياسة آيزنكوت بالصرامة نفسها. فهو يرى أن إسرائيل لا تستطيع الانسحاب من جنوب لبنان في المستقبل القريب، وأن على الجيش الإسرائيلي الحفاظ على حرية العمل العسكري، ليس في الجنوب فحسب، بل أيضا في بيروت ووادي البقاع، حيث توجد البنية التحتية الحيوية لـ"حزب الله". كما ينظر إلى نزع سلاح "حزب الله" بوصفه مشروعا طويل الأمد يتطلب مشاركة أميركية وفرنسية ودعما من دول عربية سنية معتدلة، وليس مجرد الاعتماد على القوة العسكرية الإسرائيلية.
وهذا التمييز مهم. فآيزنكوت يؤيد استخدام القوة، بما في ذلك القيام بعملية عسكرية تهدف إلى إضعاف "حزب الله"، لكنه يرفض فكرة أن بإمكان إسرائيل نزع سلاح "الحزب" نهائيا بمفردها. ويرى أن الضغط العسكري يجب أن يكون جزءا من مسار يقود إلى اتفاق سياسي؛ وإلا فإن إسرائيل ستستبدل مكسبا تكتيكيا قصير الأجل باحتلال مفتوح الأمد.
أما فيما يتعلق بإيران، فقد أيد آيزنكوت الحرب التي شنتها إسرائيل عام 2026 ضد البرنامج النووي الإيراني، ووصف التنسيق الأميركي-الإسرائيلي بأنه فرصة للقضاء على أخطر تهديد يواجه إسرائيل. ومع ذلك، رفض أيضا الإفراط في التشدد؛ فهو يرى أن تغيير النظام لا يمكن فرضه بالقوة، وأن اغتيال كبار المسؤولين لا يُحدث تحولا سياسيا بحد ذاته. وهذا هو نهج آيزنكوت المعهود: حازم في استخدام القوة، لكنه متحفظ في تحديد الأهداف، وأكثر حذرا في تقدير ما يمكن تحقيقه بالقوة وحدها.
لم يعد الاختبار الحقيقي لآيزنكوت يتمثل في ما إذا كان الإسرائيليون يستطيعون تصوّره رئيسا للوزراء؛ إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أن ذلك احتمال قائم. بل يكمن التحدي في قدرته على تحويل مزيج نادر من المصداقية الشخصية، والخبرة الأمنية، والتجربة الأليمة إلى انضباط سياسي وقدرة على بناء الائتلافات، وهما عنصران لا غنى عنهما في السياسة الإسرائيلية. وعلى خلاف نتنياهو، لا يستطيع آيزنكوت الاعتماد على آلة سياسية موروثة، ولا يمكنه ببساطة فرض الطاعة كما كان يفعل في الجيش. وعليه أن يحافظ على تماسك معارضة متشرذمة، وأن يحول دون إخفاق حلفائه في تجاوز العتبة الانتخابية، وربما أن يقبل بدعم برلماني غير مريح من الأحزاب العربية، وكل ذلك في الوقت الذي يواجه فيه مساعي نتنياهو الحتمية لتصويره على أنه ضعيف في المجال الأمني.
لقد شهدت إسرائيل من قبل صعود جنرالات يتمتعون بشعبية واسعة؛ فقد انهار الفوز الساحق الذي حققه إيهود باراك عام 1999 في غضون عامين، بينما تراجع صعود "حزب أزرق أبيض" بقيادة بيني غانتس عام 2019 قبل أن يتمكن من الوصول إلى السلطة.
لعلّ ما يميز آيزنكوت هو أن جاذبيته لم يصنعها مستشارو الحملات الانتخابية، بل تشكلت في صفوف لواء جولاني، واختُبرت في قضية عزاريا، ودُفع ثمنها في غزة. وهذه المصداقية تحديدا هي ما يعجز نتنياهو عن اصطناعه. لكن المصداقية وحدها لم تكن يوما كافية لتحقيق الفوز في الانتخابات الإسرائيلية. وسيظل آيزنكوت بحاجة إلى إتقان حسابات التحالفات، وإدارة علاقته بحلفاء مثل لابيد وبينيت، وإثبات أن الانضباط الذي ميّز مسيرته العسكرية قادر على الصمود أمام فوضى السياسة الإسرائيلية ومساوماتها المتقلبة. وإذا نجح في ذلك، فقد يكسر أخيرا اللعنة التي لاحقت كل جنرال سبقه. أما إذا أخفق، فسيكون ببساطة أحدث اسم يُضاف إلى قائمة طويلة من العسكريين الذين ظنوا أن الشعبية والتقدير العام يمثلان تفويضا سياسيا.