في ليلة 22 يوليو/تموز 2026، أعلنت وزارة الطاقة الأميركية أن واشنطن والرياض وقعتا اتفاقية للتعاون النووي المدني، إلى جانب اتفاق ثنائي وقعه وزير الطاقة الأميركي كريس رايت ونظيره السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان. ووصفت الوزارة الاتفاق بأنه يشكل الأساس القانوني لـ"شراكة تمتد لعقود"، بما يخدم الأهداف الاقتصادية والاستراتيجية لكلا البلدين، "بما في ذلك منع الانتشار النووي".
إلا أن البند الذي أثار الاحتجاجات في إسرائيل يقع في عمق نص الاتفاق؛ فعلى خلاف الاتفاق النووي الذي وقعته الإمارات عام 2009، والذي اشترط التخلي عن كل من تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي المستهلك، فإن الاتفاق السعودي لا يتضمن البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي يسمح بإجراء عمليات تفتيش مفاجئة. كما أنه يفتح الباب أمام تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي المستهلك داخل الأراضي السعودية.
وهذا ليس أمرا عارضا؛ فالسعودية تريد امتلاك قدرة محلية على تخصيب اليورانيوم. ولو كان الهدف مجرد الحصول على الطاقة النووية، لكان من الممكن توقيع مثل هذا الاتفاق قبل عقود.
فالولايات المتحدة كانت مستعدة دائما لتقديم تعاون نووي وفق ما يعرف بـ"المعيار الذهبي"، وهو مجموعة من القواعد الهادفة إلى منع الانتشار النووي، وتحظر صراحة تخصيب اليورانيوم داخل أراضي الدولة المتلقية للتكنولوجيا. أما ما تفاوضت عليه واشنطن والرياض فهو اتفاق، رغم أنه قد يتضمن ضمانات لم يكشف عنها فهو لا يرقى بالكامل إلى هذا "المعيار الذهبي".
وبحسب بعض التقارير، فإن أي منشأة لتخصيب اليورانيوم، بموجب الترتيبات المقترحة، ستُبنى وتُدار اسميا بواسطة شركات وفق نموذج "الصندوق الأسود" وتحت رقابة مشددة، مما يحرم الشريك التعاون مع أطراف أخرى. وقد دأبت الرياض على القول إن المملكة، إذا حُرمت من حق التخصيب، فقد تتجه إلى الصين أو روسيا، اللتين تطبقان معايير أقل تشددا فيما يتعلق بمنع الانتشار النووي.
وفي هذا السياق، من المؤكد أن ملف البرنامج النووي السيادي السعودي سيكون ضمن قائمة طويلة من الموضوعات التي يُرجح أن يناقشها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال زيارته المرتقبة إلى واشنطن. فرئيس الحكومة الإسرائيلي، الذي التزم الصمت حتى الآن حيال الاتفاق، من المرجح أن يطلب مزيدا من التفاصيل بشأن مضمونه، وأن يسعى إلى التأثير عليه.
خط أحمر ساطع
نتنياهو لم يصدر أي تعليق علني على الاتفاق، وقد يكون الشخص الوحيد في إسرائيل الذي لم يفعل ذلك. إنما عبّر مسؤولون إسرائيليون وفق ما وصفه المراسل الدبلوماسي للقناة الإسرائيلية "12" بأنه "قلق بالغ" إزاء نية الولايات المتحدة السماح بتخصيب اليورانيوم على الأراضي السعودية، وهي خطوة "تُعرّف في إسرائيل بأنها تجاوز لخط أحمر ومصدر خطر أمني كبير".
ويمكن تفسير جزء من هذا القلق إلى احتمال انطلاق سباق تسلح نووي خارج السيطرة، خاصة وأن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان كان قد صرح قبل سنوات بوضوح بأنه إذا امتلكت إيران سلاحا نوويا، فإن السعودية ستعمل على امتلاك سلاح مماثل.

ومع أن إسرائيل لا تنظر إلى السعودية بالطريقة نفسها التي تنظر بها إلى إيران فإن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تدرك أيضا أن هناك عددا من الدول في المنطقة التي قد تسعى مستقبلا إلى امتلاك قدرات نووية، من بينها تركيا ومصر، على سبيل المثال. كما تدرك أن أصدقاء اليوم قد يصبحون خصومَ الغد بسهولة. ولذلك، فإن رد الفعل الإسرائيلي يعكس موقفا ثابتا تبنته الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ضد امتلاك أي دولة في المنطقة غيرها على تخصيب اليورانيوم. تعتبره تحولا استراتيجيا لا يمكن التراجع عنه، وسابقة لا يمكن محو آثارها، بغض النظر عمن يسيطر عليها اليوم.
الاستياء الاسرائيلي عبر عنه مسؤول إسرائيلي رفيع مطلع على المفاوضات للقناة الإسرائيلية "12": "إذا جرى تخصيب اليورانيوم على الأراضي السعودية، فإن ذلك يعني وجود خطر على أمن إسرائيل... بغض النظر عن مسألة التطبيع". وأضاف المسؤول نفسه أن منشأة تخصيب مدنية هي، عمليا، "مدرسة لتطوير الأسلحة النووية"، واصفا إياها بأنها "خط أحمر ساطع".
غير أن سبب صمت نتنياهو لا يعود إلى الاعتبارات الأمنية وحدها، بل يرتبط أيضا بحسابات سياسية. فقد كان الاتفاق النووي السعودي-الأميركي يُنظر إليه دائما باعتباره جزءا من إطار أوسع يقوم على التطبيع بين السعودية وإسرائيل. وكانت الإدارات الأميركية السابقة، إلى جانب شخصيات بارزة داخل الحزب الجمهوري، قد أوضحت أنها لن توافق على برنامج نووي سعودي مدعوم من الولايات المتحدة إلا إذا وافقت الرياض على الانضمام لبقية دول المنطقة التي لها علاقات طبيعية مع إسرائيل.
أما إقدام واشنطن على توقيع اتفاق لا يبدو أنه مشروط صراحة بإقامة علاقات رسمية بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل، فيُعد صفعة سياسية لنتنياهو، وإشارة إلى تراجع النفوذ الإسرائيلي داخل واشنطن.
