سليمان منصور العائد إلى فلسطينه التي جاء منها

الرسام الذي استخدم مواد الأرض في صنع أعماله

Axel Rangel Garcia
Axel Rangel Garcia

سليمان منصور العائد إلى فلسطينه التي جاء منها

إذا كان اسماعيل شموط (1930 ــ 2006) قد أعاد الأصباغ إلى جذرها الترابي فخلق فنا، تتمحور معادلاته حول الذاكرة الفلسطينية بكل تجلياتها المادية والروحية، فإن سليمان منصور الذي رحل عن عالمنا قبل أيام نجح في أن يخلق فنا، لا يدور في فلك الهوية الفلسطينية إلا باعتبارها إلهاما وجوديا ينفتح بالحاضر على إنسانية عناصره المتحركة، حين جعل من التراب مادة لأصباغه. فبدلا من أن يرسم الأرض التي شغف بها بصريا وعاطفيا منذ طفولته، صار يستعمل مادتها التي هي الطين في صناعة لوحاته. كانت الفكرة لأول وهلة مبنية على مقاطعة مواد الرسم القادمة من دولة الاحتلال غير أنها انفتحت على خيال أكثر سعة.

ذلك التحول التقني قاد سليمان منصور إلى العثور على مفتاح جديد من مفاتيح الرمزية الفلسطينية التي كان يفكر فيها باعتبارها فعلا كاملا لا يقبل النقصان. بمعنى اشتباك عناصر العملية الفنية، الفكرية والتقنية والاسلوبية، بعضها بالبعض الآخر، لتقود النتيجة إلى القبض على جوهر الهوية. هناك حيث تقع خلاصة المسعى الجمالي.

التربية من طريق الفن

عاش منصور حياته كلها قريبا من الأرض. لذلك يحق له حين يغمض عينيه على مشهد سيرسمه أن يقول "هذه فلسطين". فهو يعرفها واقعيا من طريق حياة عاشها ناقصة تحت الاحتلال وهو يهتدي إليها رمزيا من طريق الفن في الوقت نفسه. فللفن طرقه المجاورة التي لا تخضع لسلطة الواقع.

حلمه الشخصي سيبقى نضرا. ذلك الحلم الذي يبقي فلسطين كما هي، من غير أن يلحق بها أي وصف خارجي 

لم يكن منصور حين يرسم، يتبع تعليمات وصفة فلسطينية جاهزة، كان من سبقه إلى الرسم من أبناء وطنه قد وضعوا معادلاتها. ذلك لأن مفرداته إضافة إلى أنها مستلهمة من البيئة المحيطة به، فإنها تختزن في أعماقها طاقة حلم غير قابل للنفاد. حلمه الشخصي الذي سيبقى نضرا. ذلك الحلم الذي يبقي فلسطين كما هي، من غير أن يلحق بها أي وصف خارجي. 

sliman.mansour
لوحة "جمل المحامل"

حين رسم لوحته لوحته الشهيرة "جمل المحامل"، فإنه أنشأ أيقونة متحولة، يمكنها أن ترافق الفلسطيني في كل مكان وزمان، بغض النظر عن طريقته في التفكير السياسي أو توجهه العقائدي. فالأسطرة التي تبناها منصور كانت مستلهمة من واقع يومي عاشه الفلسطينيون وهم يسعون إلى تثبيت عناصر هويتهم في مواجهة مسعى عالمي عاصف لمحوها.

انتبه منصور في وقت مبكر إلى مسألة التربية الوطنية من طريق الفن. فكان معلما من طراز خاص. لم يكن الرسم حينها وسيلة للتعبير حسب، بل كان أيضا محاولة للتنقيب بحثا عن الجذور التي لا تزال حية. لذلك اهتم بالحرف اليدوية مركزا على فنون التطريز التي شعر بأنها تختزن ثقافة شعب.

وبالرغم من أن منصور استغرق كثيرا في دراسة وتدريس مفردات التراث الشعبي الجمالية، غير أن الغريب في الأمر أن فنه لا يركز عليها بشكل كلي، بل هي جزء ثانوي منه، لا يقل حضورا عن باقي الأجزاء.         

فلسطين ليست صورة

ولد سليمان منصور في بلدة بيرزيت، إحدى قرى رام الله عام 1947. ما بين 1967 و1970 درس الرسم في كلية الفنون بالقدس. عمل في تدريس الفن في دار المعلمات التابع للاونروا ما بين عامي 1975 و1982. كما ساهم في تطوير الصناعات الحرفية في جامعة بيرزيت.

من خلال صلته بمواده سعى منصور إلى إعلان هويته الوطنية. هو ابن هذه المواد وهو خلاصة مزاجها التعبيري

ما تعلمه منصور من الحياة وضعه في خدمة نضاله من أجل شعبه. لذلك فإنه رسم الكاريكاتور السياسي في الصحافة المحلية كما زين الكتب التعليمية برسومه، إضافة إلى أنه شغف بتعلم الصناعات التقليدية والتعامل مع النحاس والمينا والخشب والخزف في صناعة أعماله، إلى أن انتقل إلى المرحلة التي صار يعتمد فيها على المواد المحلية في رسم لوحاته.

كان التعرف الى المواد المحلية بمثابة اكتشاف حيوي على مستوى التعرف الى عنصر جديد من عناصر الهوية الوطنية. وهو ليس بالامر اليسير. ذلك لأن التخلي عن المواد الفنية الجاهزة يعني العودة إلى مرحلة ما قبل تصنيع المادة الفنية المعلبة. الفنان هنا يقيم صلحا مع مواد مهجورة ليضفي عليها قيمة هي من أصلها غير أنها لم تكن معروفة. ولا بد أن تكون النتائج الجمالية مختلفة وذات تأثير بصري مختلف.

من خلال صلته بمواده سعى منصور إلى إعلان هويته الوطنية. هو ابن هذه المواد وهو خلاصة مزاجها التعبيري. ذلك ما انعكس ايجابا على لوحاته التي لم تكن مجرد صور بل كانت أيضا مجموعة متداخلة من المشاعر والأفكار التي اشتقت من الأرض وما أنتجته. هناك صلح لافت بين المشهد المرسوم ومواده.

رسم فلسطينه بسعادة

تبدو أعمال سليمان منصور على قدر من الاسترخاء بما يتناقض مع الظروف الصعبة والمتوترة المحيطة بها. فهي لم ترسم تحت ضغط الحاجة المباشرة أو بتأثير انفعال لحظوي، بما لم يجعلها تقع تحت سلطة رد الفعل. إنها وليدة تأمل طويل وعميق قدم منصور من خلاله المغزى الجمالي على كل شيء سواه. "ولكن الصورة تقول غير ذلك؟". يمكن قول ذلك حين يقوم الافتراض على أساس أن كل مشهد فلسطيني هو سياسة. ذلك قول لا يمت إلى الحقيقة بصلة بالنسبة الى منصور وهو يعرف ما الذي يعنيه أن يكون الرسام فلسطينيا.

sliman.mansour
لوحة لسليمان منصور

الرمزية الفلسطينية في حد ذاتها ليست سياسة بقدر ما هي حياة مباشرة. رسم منصور البرتقال والزيتون بسعادة من يرى لا بتعاسة من يتذكر. فهو لا يحتاج إلى أن يتذكر أو أن يصنع من حياته خزانا للذكرى. بدت متعته بالرسم ومن خلاله واضحة من خلال ولعه بالتفاصيل. فهو يرسم نساء بلاده لا ياعتبارهن أيقونات صامتة أو رموزا بل كما عرفهن كائنات جميلة يهب مرورها الهواء عطرا مختلفا. هو رسام حياة لطالما تقنا إلى التعرف اليها. 

يرسم نساء بلاده لا ياعتبارهن أيقونات صامتة أو رموزا بل كما عرفهن كائنات جميلة يهب مرورها الهواء عطرا مختلفا

في 1987 أسس منصور مع فيرا تماري وتيسير بركات ونبيل عناني جماعة "نحو التجريب والأبداع" وهي الجماعة التي قاطعت المنتجات الفنية الاسرائيلية واتجهت إلى استعمال مواد طبيعية مثل القهوة والحنة والطين في محاولة منهم للمساهمة في انتفاضة شعبهم. ولكن الأهم من ذلك أن أفراد تلك الجماعة أعادوا النظر في البداهات التي كانت تحيط بالفن الفلسطيني المقاوم. وهي بداهات أقل ما يقال عنها إنها سجنت الفن في قالب تعبيري واحد يغلب عليه الحس الدعائي المباشر.

إعادة تعريف الرسام من جهة الحب

في تلك المرحلة لم يكن رسم الانتفاضة هو المهم. المهم حقا أن يتأسس فن فلسطيني منتفض. ذلك مسعى تجريبي مغامر ينطوي على الرغبة في إقامة معادلة جديدة يقوم على أساسها الفن المقاوم. كان منصور عنيدا في مقاومة الشروط الواقعية التي كانت قاعدة للفن الفلسطيني الجاهز الذي يمكن التعرف اليه من غير عناء. كان ذلك الفن جماعيا أكثر مما يتحمله مفهوم الفن. لذلك اختار منصور أن يكون فردا في مواجهة عصره ولم يعتبر نفسه رسام القضية. ذلك اللقب الذي أعتقد أنه يحرمه من حريته في أن يكون رساما كما يحب.

sliman.mansour
من أعمال سليمان منصور

رسوم سليمان منصور هي خلاصة ذلك الحب الحر. حب الوطن الحي وحب الشعب المقاوم وحب الرسم باعتباره صلة الوصل بين كل أنواع الحب. ذلك الحب هو الذي حرر منصور من عقدة الفنان الفلسطيني الذي يصنع أشياء من أجل الذكرى. ذلك ما أطلق يده في ابتكار عالم جمالي مجاور، مسكونا بفلسطين بالقوة نفسها الذي تسكن فلسطين من خلالها في تفاصيله.

ذلك عالم ينفتح على مفهوم الفن الآخر الذي يرتقي من مستوى الخدمة الشعبية المباشرة إلى مستوى تطوير الذائقة الجمالية الوطنية

ذلك عالم ينفتح على مفهوم الفن الآخر الذي يرتقي من مستوى الخدمة الشعبية المباشرة إلى مستوى تطوير الذائقة الجمالية الوطنية. ما كان لتلك المعادلة أن تنضج لولا أن منصور ومعه رفاق رحلته في التجريب الفني قد تمكنوا من تدجين العصف السياسي ومنعه من الهيمنة على الفن. كان ذلك فعلا بطوليا يحسب لفنان لم يغادر فلسطين وظل يقاوم من الداخل، مبتكرا وسائل معاصرة لتلك المقاومة.  

font change

مقالات ذات صلة