على تخوم أوروبا، تبني روسيا تدريجيا شبكة من المنشآت العسكرية ومواقع إطلاق المسيرات، في خطوة توسع نطاق قدرتها على توجيه ضربات بعيدة المدى، وتضع أجزاء من أراضي حلف شمال الأطلسي "الناتو" ضمن نطاق ضرباتها المحتملة. وكشف تحقيق أجرته صحيفة "ذا تلغراف" الشهر الماضي عن 10 مواقع روسية قرب الحدود مع أوكرانيا وبيلاروسيا، تضم 59 منصة إطلاق جديدة، بينها نحو 20 منصة يعتقد أنها مخصصة لمسيرات أطول مدى. وقد استخدم عدد من هذه المواقع بالفعل في شن هجمات على أوكرانيا.
لا يعني هذا التوسع، في حد ذاته، أن روسيا تستعد لهجوم وشيك على "الناتو"، لكنه يعكس تنامي قدرتها على تنفيذ ضربات واسعة النطاق في عمق القارة الأوروبية. وقد تتمكن أحدث طرازات عائلة مسيرات "جيران" الروسية، بما فيها النسخ الأطول مدى، من الوصول إلى أجزاء من أراضي "الناتو" انطلاقا من مواقع في غرب روسيا. وتمنح هذه البنية التحتية العسكرية موسكو هامشا أوسع للمناورة في أي مواجهة مستقبلية، سواء عبر عمل عسكري مباشر، أو استخدام قدراتها العسكرية للضغط والردع، أو توجيه ضربات لاختبار قدرة "الناتو" على الاستجابة.
ومن أبرز المؤشرات إلى حساسية هذا الملف، الزيارة التي أجراها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) جون راتكليف إلى موسكو في أواخر أغسطس/آب، بعيدا من الأضواء. وبحسب مصادر مطلعة على الزيارة، حذر راتكليف المسؤولين الروس من مهاجمة أي دولة عضو في "الناتو".
في المقابل، وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب زيارة راتكليف بأنها "شبه روتينية"، مؤكدا أنه لا يعتقد أن روسيا ستقدم على خطوة كهذه. كذلك، قال الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب إنه لا يرى مؤشرات إلى استعداد روسيا لهجوم مماثل، معتبرا أن اختبار موسكو لإرادة أقوى تحالف عسكري في العالم لن يكون منطقيا. لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة أن تستعد أوروبا لأسوأ الاحتمالات، بهدف منع وقوعها.
وفي الجانب الآخر من معادلة الردع الأوروبية، هناك الوجود العسكري الأميركي، الذي يشكل ركنا أساسا في منظومة دفاع "الناتو". وينتشر حاليا نحو 80 ألف جندي أميركي في أوروبا، ضمن شبكة تضم عشرات القواعد والمنشآت العسكرية الرئيسة. وتستضيف ألمانيا أكبر تجمع للقوات الأميركية، تليها إيطاليا والمملكة المتحدة وبولندا. ويوفر هذا الوجود قدرات جوية وبحرية وبرية حيوية، إلى جانب الدعم اللوجستي والاستخباراتي، وقدرات القيادة والسيطرة والردع النووي.
لكن دور واشنطن في أوروبا يخضع لإعادة تقييم. فالبنتاغون يجري مراجعة للقوات الأميركية المنتشرة في القارة، على أن تعرض الخيارات المحتملة في نوفمبر/تشرين الثاني، في ظل دفع الرئيس ترمب الحلفاء الأوروبيين إلى تحمل حصة أكبر من أعباء الدفاع عن القارة. وقد أثارت هذه المراجعة مخاوف داخل "الناتو" من احتمال تقليص الوجود العسكري الأميركي في أوروبا بشكل كبير.
في المقابل، يسعى الكونغرس إلى الحد من سرعة وحجم أي انسحاب محتمل. إذ تفرض التشريعات الحالية قيودا على خفض عديد القوات الأميركية في أوروبا إلى أقل من 76 ألفا لأكثر من 45 يوما، ما لم تُستوف شروط محددة، من بينها التشاور مع حلفاء "الناتو" والتأكد من أن الخفض يخدم مصالح الأمن القومي الأميركي.
