بشار الحروب يرسم الصورة المحترقة لما لا يرى

ما يبقى على الجسد من آثار الحرب

 Bashar Alhroub
Bashar Alhroub

بشار الحروب يرسم الصورة المحترقة لما لا يرى

يكشف المعرض الأخير للفنان الفلسطيني بشار الحروب المعنون بـ"قيامة" في صالة "بي تو 1" في لندن والذي تناول فيه الحرب على غزة، عن عالم يبدو خارجا من قلب حريق، حيث بتجاوز الدمار الصورة، إلى ما يبقى عالقا خلفها كطيف يصعب تحديده أو محوه.

الحي الذي لا يحترق

بالنسبة إلى الحروب تحولت الصدمة والصور القاسية والمروعة التي خلفتها الحرب، إلى أسئلة متلاحقة حول دور الفن:"هل يستطيع الفن أن يحتج بفاعلية؟ وهل يمكنه أن يواسي أم أنه يكتفي بتوثيق المعاناة؟"، لينفتح نصه البصري على سلسلة من الإجابات المحتملة أفضى إليها جرح لم ير قاعه بعد، ليغوص في غمار تجربة وجودية/بصرية أعاد من خلالها إلى الواجهة سؤالا قديما ومخيفا عن قدرة الصورة على الاحتفاظ بما تعجز العين والذاكرة عن احتماله.

ربما تستدعي أعماله من بعيد صورة فوتوغرافية ومقطع فيديو قصيرا ومرعبا علقا في الذاكرة: صبي يحترق بالنار ببطء رافعا يده إلى الأعلى بينما يحيط به اللهب من كل جانب. بقي هذا المشهد إلى جانب كونه تسجيلا لحدث مروع في غزة، أثرا بصريا لجسد يحاول أن يعبر من خلال الأتون الذي يبتلعه. ويبدو أن هذا العبور قد اتخذ في أعمال بشار الحروب شكلا آخر. فالأبنية المدمرة والخالية من اللهب والأجساد والخيول والحمير والأطفال الذين يظهرون وسط الخراب وأمامه، تقدم بوصفها مشاهد لشيء غاب وظل في الوقت نفسه حاضرا بقوة.

تتداخل طبقات سوداء شائكة يتخللها البياض مع شطحات من الأحمر، فتبدو اللوحة أحيانا سطحا احترق ولم يستطع أن يخفي ما تحته. وبين ما يمكن التعرف إليه وما يصر على البقاء غامضا، يتشكل عالم الفنان البصري وفق معادلة يبدو فيها الغياب أكثر حضورا من الحضور، والموت أقل حسما مما يوحي به الخراب.

من هنا تبدو "القيامة" التي يقترحها المعرض بعيدة عن العودة إلى ما كان وأقرب إلى عودة ما أريد له أن يختفي وهي عودة شبحية إنما نابضة تحمل آثار احتراقها ولا تتخلى عن الحياة. ربما يمكن الاقتراب أكثر من هذه الأعمال من خلال فكرة "الصورة المحترقة لما لا يرى". صورة لا تقدم لنا الغائب بقدر ما تجعل غيابه محسوسا، وتحول ما لا يمكن رؤيته إلى حضور يكاد أن يكون عضويا.

تبدو "القيامة" عودة شبحية إنما نابضة تحمل آثار احتراقها ولا تتخلى عن الحياة

لكن اللامرئي في أعمال الحروب، وحتى تلك الفسحات البيضاء التي تخترق لوحاته، هي تجسيد لشبح متكاثر له لحم، ولون، بل تكاد تكون له رائحة. فاللون الأحمر الذي يلقي بثقله على اللوحات يحمل شيئا من رائحة اللحم الحاضر في غيابه. واللحم هنا يمتد إلى الحيوان وإلى المكان نفسه، فحتى الأبنية المدمرة تبدو لحما بجدرانها الممزقة، وتجاويفها المكشوفة، وأجزائها المتناثرة إلى حد يمنحها صفات الجسد الذي تعرض للتمزيق، مثلها في ذلك مثل جسد الإنسان والحيوان.

الأشواك المسكونة بروحها

 يصبح المكان المفتوح الذي لم يعد من الممكن التعرف إليه، أكثر من خلفية للكارثة. إنه كائن أصيب. وربما لهذا السبب تبدو بعض البنى المحترقة في اللوحات هياكل عظمية لمبان لم يعد ممكنا التأكد من هويتها. وفي إحدى الصور لا يساعد السلم، الذي يظهر أمام هيكل بناء وبقربه هيكل حصان يرنو الى ما يؤدي اليه، على إيضاح ما بقي من الهيكل. فهو على العكس، يحجب الرؤية ويجعل البقايا أكثر التباسا.

هذه الإحالة على الجسد تقود إلى إحدى أكثر الخصائص البصرية لفتا في أعمال الحروب. كل شيء تقريبا يبدو شائكا. سطح اللوحة مغطى بطبقة من الأشواك والنتوءات والمواد المتفحمة، ليذكر بالطبقة الخارجية التي نراها في بعض الصور الطبية الاستقصائية حين تحاول الأشعة أو التصوير الطبي أن تكشف ما تحت الجلد. غير أن بشار الحروب يعكس هذه العملية، إذ يصبح سطح اللوحة هو الطبقة الأولى والأخيرة التي تغطي ما تحته. تحت هذا الجلد نشعر بوجود اللحم والعظام والأعضاء الداخلية، تلك الأشياء التي تبدو عنيدة بما يكفي كي لا تتشقق ولا تتخلى عن الحياة. إنها طبقة مزدوجة وأكثر قسوة وتكلسا وكربونية، وكأن المادة احترقت من دون أن تمنح النار انتصارها الكامل. من هنا تكتسب "الأشواك" معناها: جلد يحاول أن يحمي ما تحته، وفي الوقت نفسه يكشف من خلال تشققه وتوتره أن شيئا ما لا يزال في الداخل.

لم يكن عشوائيا تضمين الحمار والحصان في نسيج اللوحة. فكلاهما من الحيوانات الحاملة التي ارتبط وجودها تاريخيا بحمل الإنسان، والتنقل به. لكنهما يحملان أيضا طبقتين مختلفتين من الذاكرة الجمعية. الحصان يحمل هالة الفروسية والنبل والحركة، فيما يحمل الحمار تاريخا أكثر صمتا من العمل والتحمل والصبر.

 Bashar Alhroub
لوحة لبشار الحروب

في أعمال الحروب يظهر الحصان في حركة تقع على حافة السقوط والنهوض، والانهيار والارتفاع. بعض حركاته لم تحسم بعد، إن كان سينهض أم سيسقط. حتى الحصان الساقط يصعب أن يرى بوصفه مجرد حيوان ميت. في السياق العام للمعرض، يبدو في كل أحواله مجالا مغناطيسيا يجذب إليه ما حوله. حين يسقط جسده يظل مشدودا إلى احتمال آخر، إلى شيء لم ينته بعد.

أما الحمار، فحضوره مختلف تماما. إنه حامل الأعباء وشاهد على الصبر الذي لا يحتاج إلى استعراض. ولهذا فإنه في اللوحة أقرب إلى متفرج حكيم على الألم، كأنه يحمل في داخله كل صبر الأرواح التي أخرجت بالقوة من مواطنها. لا يحتاج إلى حركة درامية كي يعلن ما يعرفه. يكفي أنه باق، وأنه يرمق الناظر إلى اللوحة بعين لائمة حينا، وغير مبالية حينا آخر، فيما لا يعير الحصان الناظر إلى اللوحة أي أهمية.

العودة

 تظهر مفارقة أخرى في أعمال الحروب حيث الأسود أكثر حياة من الأحمر. هذا يكاد يناقض ما نتوقعه. فالأحمر هو اللون الذي يرمز عادة إلى الدم واللحم والحياة، وهو أيضا اللون الذي تظهر فيه عناصر يمكن التعرف إليها: طفلة، طفل، حصان، جسد. أما الأسود، بما يحمله من إحالات على الاحتراق والموت والرماد، فيفترض أن يكون لون النهاية. لكن العكس يحدث. الأحمر يعرف الأشياء، بينما الأسود يتركها معلقة. الأحمر يمنح العين شيئا يمكن تسميته، أما الأسود فيظل مفتوحا، شائكا، غامضا ومتحركا في المخيلة.

جلد يحاول أن يحمي ما تحته وفي الوقت نفسه يكشف من خلال تشققه وتوتره أن شيئا ما لا يزال في الداخل

لذلك تحديدا، يلوح الأسود أكثر حياة لأنه حيوي لا يزال في طور التشكل ولم ينته إلى صورة نهائية. وربما لهذا السبب يصبح الغامض في هذه الأعمال أكثر إقناعا من الصورة المكتملة في مواجهة الصدمة والفقد. فحين يحاول الفنان مواجهة واقع لا يحتمل، قد يكتشف أن ما هو واضح ومكتمل بصريا لا يستطيع في الضرورة أن يمثل الحقيقة. يمكن رسم طفل أو حصان أو بناء، لكن تسمية الشيء لا تعني أننا اقتربنا من تجربة فقده. أحيانا يكون العكس هو الصحيح: كلما زادت الصورة وضوحا، ابتعدت عن ذلك الجزء من التجربة الذي لا يمكن تمثيله.

في المقابل، فإن الغموض الماثل في الأعمال يرفض إغلاق الجرح. إنه يبقي اللامرئي حيا. من هنا يمكن استعادة عمل فني رقمي سابق للفنان يصور قلبا أحمر غرافيكيا وثلاثي الأبعاد تقريبا ينبض مثقلا بمكنوناته أمام عين المشاهد. تبدو استعادة هذا العمل أثناء النظر إلى الأعمال الجديدة ذات دلالة. ففي ذلك القلب كان النبض محصورا داخل عضو واضح. أما الآن، فيبدو أن القلب خرج من الجسد وانتشر في المشهد كله. لم يعد النبض عضوا واحدا، إنه حالة بانورامية.

 Bashar Alhroub
من أعمال بشار الحروب

يمكن هنا، وبشيء من المجاز، استعارة مفهوم طبي هو"استعادة التدفق" الذي يشير إلى عودة تدفق الدم إلى نسيج أو عضو بعدما انقطع عنه. ما نراه في لوحات الفنان أشبه بمحاولة لتخيل ما يحدث للمادة الحية بعد الانقطاع المفاجئ في تدفق الحياة، مع إدراك مسبق أن النسيج الذي عانى هذا الانقطاع لا يعود كما كان قبل الإصابة، فهو يعود حاملا أثرها. وهنا يكتسب عنوان المعرض، "قيامة"، بعدا أعمق لأنها ليست قيامة بمعنى الاستعادة الكاملة وكأن شيئا لم يحدث. فالعودة حاملة لأثر ما جرى.

في هذا المعنى، تحمل "القيامة" تهديدا غير متعمد لمن تسبب في الدمار. فهي تنبع من حقيقة أن الحياة، بما لها من قوة كامنة، ستجد طريقها إلى البروز. وما كان حيا وأريد له أن يختفي، سيعاود الظهور في صورة جديدة بعد أن تتحول التجارب السابقة إلى حرث غني لزرع جديد.

من هنا يصبح حضور الأطفال المفجوعين في أعمال الحروب أقوى وأكثر إيحاء. فهو يقدم حيوات يافعة لم تكتمل بعد، ومستقبلا لم يأخذ شكله النهائي. لهذا يصبح الطفل أحد أكثر رموز القيامة دلالة. لقد طاول الدمار المستقبل نفسه، لكنه لم ينجح في تحديده بالكامل. فالطفل الذي يحمل آثار الخراب في حاضره يظل في داخله ما يتجاوز هذا الحاضر وما لم يستطع الخراب أن ينهيه. ربما لهذا كله تظل وسط هذه البانوراما الشائكة مساحة استثنائية لأمل أكثر خفاء وعنادا: أمل يكتفي بأن يبتسم لنفسه.

ما كان حيا وأريد له أن يختفي، سيعاود الظهور في صورة جديدة بعد أن تتحول التجارب السابقة إلى حرث غني لزرع جديد

ولد بشار الحروب في القدس عام 1978 وهو فنان تشكيلي وأكاديمي متعدد الوسائط، يشتغل في مجالات الرسم والنحت والتصوير الفوتوغرافي والفيديو. قدم معارض فردية وشارك في معارض جماعية عديدة ونال عددا من الجوائز، كما عرضت أعماله في مؤسسات ومتاحف دولية، واقتنتها مجموعات فنية، من بينها مجموعة المتحف الحربي الإمبراطوري في لندن، ومتحف الفنون الجميلة في بوسطن.

font change

مقالات ذات صلة