تتواشج الرؤية الجمالية للرومانسية الإنكليزية مع أعمق التقاليد الشعرية في الوجدان العربي. فعبر رحلة على ضفاف نهر "واي" وبين أطلال دير "تنترن"، يمكن تتبع التقاطع الفلسفي بين مفهوم "السامي" The Sublime لدى وليام ووردزورث وطقس الوقوف على الأطلال الممتد من المعلقات إلى سينية البحتري، فتحضر رمزية تحول خراب العمران أمام سطوة الزمن، من حنين إلى الماضي وفجيعة تداعيه وغياب الأحبة، إلى شواهد وآثار ومصالحة كونية تجعل من الحجر المتناثر والمهمل جزءا من تجدد الطبيعة الأبدي.
لم تكن الطبيعة لدى شعراء الرومانسية الإنكليز مجرد مشهد بصري عابر، بل كانت مرآة فلسفية تعيد تشكيل الوعي، وملاذا يرمم روح الإنسان أمام جفاف العصر الصناعي. فبين أطلال دير "تنترن" المهجور وانسياب النهر، تمتد هذه الرحلة الاستكشافية عبر وادي نهر "واي" River Wye الذي يشكل الحد الفاصل بين إنكلترا ومقاطعة ويلز، لتتبع أثر وليام ووردزورث واستعادة بدايات ما سمي بـ"السياحة الروحية" التي جعلت من السفر تجربة لاكتشاف الذات.
بين الحجر والنهر
"ولقد أحسست وجودا تضطرب له روحي بالفرح وبأفكار سامية،
إحساس جد رفيع بوجود يتخلل كل الأشياء،
وفي أقصى الأعماق: مأواه ضوء الشموس الغاربة،
والمحيط الدائري، والهواء الحي، والسماء الزرقاء" (من قصيدة "تينترن آبي" ترجمة محمد عناني، كذلك المقاطع التالية)
يعد الشاعر الإنكليزي وليام ووردزورث (1770-1850) رائد الحركة الرومانسية في الأدب الإنكليزي بالاشتراك مع صديقه الشاعر صامويل تايلور كولريدج. ظهر التيار الرومانسي في أواخر القرن الثامن عشر كـثورة فكرية ووجدانية ضد عقلانية عصر الأنوار الصارمة وجفاف الثورة الصناعية التي استعبدت الإنسان داخل المدن المعتمة. أعادت الرومانسية الاعتبار الى العاطفة، والخيال الحر، والتجربة الذاتية، ورأت في الطبيعة كائنا حيا ومربيا أخلاقيا يملك قوة استشفاء تنقي النفس البشرية. أصبحت الطبيعة في المنظور الفلسفي لووردزورث الملاذ الروحي والفاعل الحيوي الذي يمنح العقل مرساة لأفكاره الأكثر نقاء وسط عالم مادي سريع التحول والتغير.
خلال رحلتنا إلى ضفاف نهر "واي" رأينا التجسيد الحي لنص أدبي وفلسفي لطالما قرأناه وتخيلناه من خلال قصائد الشعراء الرومانسيين، وفي مقدمهم ووردزورث، وكانت قصيدة هذا الأخير، "دير تنترن"، بمثابة الخريطة التأملية التي قادت خطانا إلى الوادي. ذلك أن الوقوف على ضفاف ذلك النهر، يبين كيف تتحول الرؤية الشاعرية إلى واقع حي. فالهواء ينطوي على السكينة ذاتها، والدخان المتصاعد بين الغابات يهمس بالفناء والخلود، لتتجلى الحقيقة الجمالية الكبرى: أن الطبيعة مرآة الروح، ترمم انكسارات الذات وتمنح الوعي مرساة ثابتة وسط سيلان الزمن المتغير.





