هل بدأت "بريكس" تفقد زخمها؟

القضايا الأمنية تختبر تماسك المجموعة... لكن فرص استعادة التوازن لا تزال قائمة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي، والرئيس الصيني شي جينبينغ، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس البرازيلي جايير بولسونارو

هل بدأت "بريكس" تفقد زخمها؟

ظلت "بريكس"، المجموعة التي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، تعمل لسنوات بعيدا عن دائرة الاهتمام، لكن إعلانها عن توسع كبير خلال قمة جوهانسبرغ عام 2023 دفع الغرب الثري إلى التعامل معها بجدية أكبر.

وبعد عامين، وبعد 16 عاما على تأسيسها، ارتفع عدد أعضاء "بريكس" الأساسيين من خمسة إلى عشرة، مع انضمام مصر وإثيوبيا وإندونيسيا وإيران والإمارات العربية المتحدة، كما استحدثت المجموعة فئة أدنى تضم 10 دول شريكة.

لكن مع توافد القادة إلى نيودلهي للمشاركة في القمة السنوية الثامنة عشرة للمجموعة في 12 سبتمبر/أيلول، بدأت أجواء القلق تطغى على المشهد، فما بدا في وقت سابق أشبه بصعود واثق للجنوب العالمي، الذي تنتمي إليه الغالبية الساحقة من دول "بريكس"، أخذ يتحول إلى مشهد أقرب إلى تجمع عائلي تسوده التوترات في عيد الميلاد، أو ديوالي. وبذلت الهند، بصفتها الدولة المضيفة، جهودا كبيرة لإعداد جدول أعمال حافل تحت شعار "البناء من أجل الصمود والابتكار والتعاون والاستدامة"، لكن التحديات التي رافقت التوسع السريع للمجموعة، إلى جانب محدودية أثرها الملموس على أرض الواقع، تضع "بريكس" أمام سؤال بات أكثر إلحاحا: إلى أين تتجه المجموعة من هنا؟

بدأت بوادر التعثر تظهر في "بريكس" بعد وقت قصير من انطلاق مسار التوسع، والمفارقة أن أولى الإشكالات جاءت من أعضائها الأفارقة. فقد امتنعت مصر وإثيوبيا، وهما من أحدث المنضمين إلى المجموعة، عن تأييد حصول جنوب أفريقيا على مقعد في مجلس الأمن الدولي بعد إصلاحه، رغم أنهما كانتا قد أبدتا دعمهما لذلك، على ما يبدو، في وقت سابق. وفي سبتمبر/أيلول 2024، عجز اجتماع وزراء الخارجية عن إصدار بيان مشترك، في سابقة لم تعرفها "بريكس" من قبل.

وتكرر الأمر في الاجتماع التالي في أبريل/نيسان 2025، ومنذ قمة عام 2011، دأبت بيانات المجموعة على ذكر جنوب أفريقيا إلى جانب البرازيل والهند في سياق الدعوة إلى إصلاح الأمم المتحدة، لكن إعلان "قمة ريو"، التي عقدت لاحقا في العام نفسه، خلا في النهاية من أي إشارة إلى جنوب أفريقيا، واقتصر في الفقرة الخاصة بإصلاح مجلس الأمن على ذكر البرازيل والهند.

(أ.ف.ب)
رئيس وزراء فيتنام، الرئيس الكوبي، الرئيس البوليفي، رئيس جنوب أفريقيا، الرئيس البرازيلي، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، في صورة جماعية خلال قمة بريكس في ريو دي جانيرو، البرازيل، 7 يوليو 2025

وجاء اندلاع الحرب الواسعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران مطلع عام 2026، ثم انخراط الإمارات العربية المتحدة فيها سريعا، ليضيف مزيدا من التعقيد إلى المشهد، ففي العام السابق، كانت البرازيل قد نجحت في قيادة جهود أفضت إلى إصدار بيان مشترك، حين كان الصراع لا يزال محدود النطاق، لكن ذلك التوافق الهش لم يصمد طويلا مع تجدد الحرب واتساع رقعتها.

بنت "بريكس" أول تكتل عابر للقارات خارج الغرب الثري، باقتصاد يتجاوز مجموعة السبع وبنك تنمية حافظ على تصنيفات ائتمانية مرتفعة

وفي مايو/أيار 2026، أخفق اجتماع وزراء خارجية "بريكس" مجددا في التوصل إلى بيان مشترك، ثم شهد اجتماع مستشاري الأمن القومي الذي أعقبه سجالات حادة بين إيران والإمارات، وأصرت طهران على أن تشمل إدانة "بريكس" للإرهاب، وهي من الثوابت الراسخة في بيانات المجموعة منذ سنواتها الأولى، ما وصفته بـ"إرهاب الدولة"، في إشارة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، غير أن معظم الأعضاء الآخرين أحجموا عن تبني هذا الموقف، وفي نهاية المطاف، أصدرت الهند بيانا بصفتها رئيسة الاجتماع، إلى جانب بيان صحافي عرض رؤيتها لأبرز ما دار من نقاشات خلال الاجتماعين.

ومنذ أن تولت الهند الرئاسة الحالية لـ"بريكس"، بدأت المنافسة بين القوى الكبرى تلقي بظلالها على تماسك المجموعة، ففي يناير/كانون الثاني 2026، استضافت جنوب أفريقيا مناورة بحرية شاركت فيها الصين وإيران وروسيا.

أ.ف.ب.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرحب بالرئيس الإيراني مسعود بزكشيان لدى وصوله قمة بريكس في قازان، روسيا، 23 أكتوبر 2024

وقدمت بريتوريا التدريبات على أنها مناورة لـ"بريكس"، ووجهت الدعوة إلى جميع الدول الأعضاء للمشاركة فيها، وأرسلت الإمارات العربية المتحدة سفينة حربية من طراز كورفيت، لكنها أبقتها راسية في الميناء، فيما اكتفت البرازيل ومصر وإثيوبيا وإندونيسيا بصفة المراقب. أما الهند، فنأت بنفسها بوضوح عن التدريبات، ووصفتها بأنها "مبادرة جنوب أفريقية بالكامل"، وأنها "ليست نشاطا دوريا أو مؤسسيا لبريكس". وأثارت مشاركة إيران انتقادات حادة في واشنطن، ما دفع بريتوريا إلى إصدار أوامر باستبعاد الجانب الإيراني، لكن سفن طهران ظلت في مكانها، بحسب تقارير، وانتهى الأمر بجنوب أفريقيا إلى فتح تحقيق داخل قواتها البحرية بشأن ما بدا أنه مخالفة لأوامر رئيس البلاد، ولم تكن تلك، بأي حال، لحظة مشرقة في مسيرة "بريكس".

الحروب المتسعة، ومنها الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، قد تدفع أعضاء "بريكس" إلى الاصطفاف، وتجعل التوافق على موقف مشترك أكثر صعوبة

ومع ذلك، سيكون من الخطأ اعتبار الخلافات الأخيرة مؤشرا إلى فشل "بريكس". ففي أقل من عقدين، تمكنت المجموعة من بناء أول تكتل عابر للقارات فعليا خارج منظومة الغرب الثري، وهي تضم اليوم دولا من مختلف مناطق الجنوب العالمي، كما بات حجم اقتصادها يتجاوز مجموعة السبع. ويعد تمويل التنمية من أبرز إنجازات "بريكس"، فقد أكمل بنك التنمية الجديد عقدا من العمل مع احتفاظه بتصنيفات ائتمانية مرتفعة، وفي موازاة ذلك، أسهمت الروابط المتنامية بين دول المجموعة، في دفع سياساتها نحو قدر أكبر من التقارب في عدد من القضايا التي تحظى بأهمية خاصة لدى الجنوب العالمي.

غير أن توسع "بريكس" يأتي في وقت يبدو فيه العالم أكثر انقساما واضطرابا، ففي السابق، كان التوافق داخل المجموعة أسهل عندما تعلقت النزاعات بدول من خارجها، كما في سوريا وأفغانستان، وحتى الملف الأوكراني، رغم تعقيداته، ظل قابلا للاحتواء إلى حد ما، إذ دعمت معظم دول الجنوب العالمي المسار الدبلوماسي، ورأت أن أسباب الصراع أكثر تعقيدا من التصور الذي ساد في غالبية الدول الغربية.

لكن مع اتساع رقعة الحروب، تجد دول أكثر داخل "بريكس" نفسها مضطرة إلى الاصطفاف إلى جانب هذا الطرف أو ذاك، وفي مثل هذه الأجواء، يصبح التوصل إلى موقف مشترك مهمة أشد صعوبة.

شترستوك
مع توسّع بريكس، يتعين على البنوك المركزية مراكمة اليوان والروبية والبيزو الأرجنتيني والجنيه المصري

فهل تستطيع "بريكس" أن تنأى بنفسها تماما عن القضايا الأمنية؟ في الأصل، قامت المجموعة على أسس اقتصادية ومالية، إذ بدأ أعضاؤها الأربعة المؤسسون اجتماعاتهم عام 2006 على مستوى وزراء الخارجية تحت اسم "بريك"، استنادا إلى ورقة أعدها رئيس أبحاث الاقتصاد العالمي في غولدمان ساكس، لكن القضايا الأمنية دخلت مبكرا في صلب أجندة المجموعة.

 ففي أول قمة لقادتها عام 2009، تناولت "بريكس" قضايا من بينها إقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب، والأمن الجماعي وإصلاح مجلس الأمن الدولي، ومكافحة الإرهاب، ومنذ ذلك الحين، واصلت هذه الموضوعات الثلاثة حضورها في بيانات القمم الست عشرة التي أصدرتها المجموعة. ومع مرور السنوات، اتسع هذا الحضور الأمني تدريجيا، فقد تضمن إعلان قمة الصين عام 2011 فقرة عن تدخل حلف شمال الأطلسي في ليبيا، فيما برزت قضايا الصراع العربي-الإسرائيلي وسوريا وأفغانستان في قمة نيودلهي عام 2012، وفي العام التالي، دشنت المجموعة اجتماعات مستقلة لمستشاري الأمن القومي.

وتبين أبحاث حديثة شملت بيانات قمم "بريكس" كافة أن التنمية الاقتصادية تتصدر اهتمامات المجموعة، لكن بفارق محدود عن القضايا الجيوسياسية والأمنية، وهذا الحضور المتقدم للملفات الأمنية يجعل استبعادها من أجندة "بريكس" أمرا بعيد المنال، ولا سيما في عالم باتت فيه الاعتبارات الأمنية تتداخل مع معظم القضايا.

تملك "بريكس" فرصة لدفعة ثالثة لزخمها في عالم مرشح لمزيد من الصراعات، عبر التركيز على نتائج تنموية في دول الجنوب العالمي

منذ بروز "بريكس" على الساحة الدولية عام 2009، مرت المجموعة بمحطتين منحتاها زخما واضحا، جاءت الأولى بين عامي 2012 و2014، حين قاد مقترح تقدمت به الهند، بدعم من جهود مكثفة بذلتها البرازيل ودول أخرى قبيل قمة 2014، إلى تأسيس بنك التنمية الجديد. أما المحطة الثانية، فكانت توسيع العضوية الذي أطلقته قمة جنوب أفريقيا عام 2023، كما ذكر سابقا.

واليوم، تحتاج "بريكس" إلى دفعة ثالثة إذا أرادت تفادي الجمود والحفاظ على أهميتها في عالم مرشح لمزيد من الصراعات خلال المستقبل المنظور.

في المرحلة المقبلة، ينبغي لـ"بريكس" أن تتمسك بنهجها الإصلاحي وأن لا تنجرف نحو المواقف المتطرفة، وفي المقابل، لا بد أن تحافظ على تركيزها على تحقيق نتائج ملموسة تحدث فرقا حقيقيا في حياة الناس في دول الجنوب العالمي، ويقتضي ذلك، في المقام الأول، توسيع نطاق ما تقدمه من دعم ومشاريع تنموية.

أما على الصعيد الأمني، فمن الأفضل أن تحصر "بريكس" اهتمامها في عدد أقل من القضايا، فلا ضرورة لأن تتخذ موقفا من كل حرب دائرة، خصوصا حين يكون من المستبعد أن يقود هذا الموقف إلى تحرك فعلي. والأجدى أن تركز على الملفات الأكثر رسوخا والأوسع قبولا بين أعضائها، وفي مقدمتها التعاون لمواجهة العنف الذي تمارسه جهات غير حكومية، ولا سيما الإرهاب والقرصنة والجريمة المنظمة، وهي تحديات خطيرة آخذة في التفاقم.

رويترز
صورة جماعية لقادة وزعماء الدول خلال قمة بريكس، في ريو دي جانيرو، البرازيل 7 يوليو 2025

وفي الوقت نفسه، ينبغي للمجموعة أن تواصل الدفع نحو إصلاح مجلس الأمن الدولي، رغم أن هذا المسار طويل وطموح، كما توفر "بريكس"، بعيدا عن الأضواء، مساحة مهمة لاحتواء التوترات الثنائية بين أعضائها، كما حدث في "قمة قازان" عام 2024، التي أتاحت للهند والصين فرصة لتهدئة التوترات التي تصاعدت عقب الاشتباك الحدودي بينهما عام 2020.

وفي أقل من عقدين، نجح قادة "بريكس" في بناء تكتل عابر للقارات استمر في التوسع، فيما تعمقت الروابط بين أعضائه وحققت المجموعة عددا من النجاحات الملموسة. ولا يزال تأثير "بريكس" محدودا، لكن قدرتها على الاستمرار والنمو تمثل بحد ذاتها إنجازا لافتا في نظام دولي لا يزال الغرب يهيمن على جانب كبير منه.

ومع الوقت، وإذا نجحت "بريكس" في تجنب الخلافات التي تثيرها القضايا الأمنية، فقد تتمكن، بصفتها تكتلا إصلاحيا، من تعزيز دورها التنموي والمساهمة في معالجة بعض أوجه القصور الواضحة في النظام الدولي القائم. وقد تسهم "بريكس" أيضا في ترسيخ الاستقرار في المناطق الهشة، ومساعدتها على مواجهة الصدمات الكبرى التي قد تضرب النظام الدولي.

font change

مقالات ذات صلة