"بريكس" تواجه واقع الحرب في الشرق الأوسط

أحدث دراسة حالة عن الإخفاق المستمر للتضامن العابر للحدود

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
قادة دول مجموعة "بريكس" والدول الشريكة يلتقطون صورة جماعية خلال القمة في ريو دي جانيرو بالبرازيل،7 يوليو 2025

"بريكس" تواجه واقع الحرب في الشرق الأوسط

بعد أسبوعين من اندلاع الحرب في الخليج، لم تصدر مجموعة "بريكس" أي بيان مشترك بشأن هذا الصراع. وقد خيب ذلك آمال كثيرين من المتحمسين لـ"بريكس" في الشرق والغرب، ممن رأوا في هذا التكتل قوة موازنة موثوقة للنفوذ الأميركي وبشارة بنظام متعدد الأقطاب. ومع ذلك، لا ينبغي أن يفاجئ هذا الإخفاق أحدا، لأن بنية التكتل نفسها كانت تنبئ بذلك.

وعلى مستوى العمل الجماعي، لم تقدم "بريكس" الكثير حتى من أجل روسيا طوال سنوات مواجهتها الممتدة مع ما تسميه موسكو "الغرب الجماعي"، واليوم ازدادت المشكلة حدة. فعندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوما عسكريا واسعا على إيران، وهي أيضا عضو في "بريكس"، وجد المنتدى صعوبة في بلورة موقف مشترك. ذلك أن بعض أعضائه يعمل عن كثب مع العمليات العسكرية لواشنطن، فيما طور آخرون، مثل الهند، شراكات قوية مع إسرائيل.

لكن الصعوبة تتجاوز علاقات الأعضاء الفردية بالولايات المتحدة أو بإسرائيل، فالمشكلة كامنة في داخل التكتل نفسه، وتتمثل في التنافس البنيوي بين إيران ودول الخليج، مثل دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي أيضا عضو في "بريكس". فالهوة الاستراتيجية بين الطرفين أعمق من أن تُردم بسهولة. وعرّفت إيران نفسها في مواجهة الولايات المتحدة منذ الثورة الإسلامية عام 1979، في حين ظلت الإمارات وسائر الدول الخليجية شريكة لواشنطن منذ أمد بعيد.

(أ.ف.ب)
بحارة أميركيون ينقلون ذخائر على سطح حاملة الطائرات أبراهام لينكولن في بحر العرب، 27 فبراير 2026

يستند توقّعُ صدور موقف واضح من مجموعة "بريكس" إزاء الصراع إلى أسس واقعية قوية. وحتى لو استطاعت الهند، التي تترأس التكتل حاليا، صياغة بيان يحظى بقبول طهران وأبوظبي معا، فقد لا يساوي ذلك البيان قيمة الورق الذي كتب عليه.

صعوبة التضامن تتجاوز علاقات الأعضاء الفردية بواشنطن، فالمشكلة كامنة داخل تكتل "بريكس" نفسه، وتتمثل في التنافس البنيوي بين دوله

فالتوقيع على إعلانات عامة بشأن مصالح مشتركة ومظالم متقاسمة تجاه الغرب شيء، أما إدارة صراعات حقيقية بين الأعضاء أنفسهم فشيء آخر تماما. لذلك يجد تنظيم تأسس بوصفه تحديا للقوة الغربية نفسه اليوم مجرد متفرج على حملة القصف التي تقودها واشنطن ضد إيران، وعلى رد طهران على دول الخليج.

ومع ذلك، لا ينبغي أن يدهشنا هذا المآل. فقصة "بريكس" خلال الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط تعيد إنتاج نمط أقدم بكثير في السياسة الدولية. فعلى مدى القرن الماضي، واجهت الحركات الكبرى التي قامت على وعد التضامن العابر للحدود، مثل فكرة الوحدة الآسيوية، والوحدة الإسلامية، والقومية العربية، والأممية الشيوعية، وحتى حركة عدم الانحياز، الاختبار نفسه مرارا. وعندما يصطدم التضامن بالمصلحة الوطنية، تنتصر المصلحة الوطنية.

وغالبا ما تسلك مشاريع التضامن الكبرى مسارا متشابها. فهي تبدأ بوعد يتجاوز الدولة القومية عبر هوية مشتركة، إقليمية كانت أم دينية أم أيديولوجية أم جيوسياسية. وتزدهر في لحظات المظلومية الجماعية، حين تكون بلاغة الوحدة قوية وتبقى كلفة التضامن منخفضة. لكنها تتشقق ما إن تفرض أزمة حقيقية على الحكومات الاختيار بين القضية الجماعية ومصالحها الوطنية الخاصة.

(أ.ف.ب)
وزير خارجية ألمانيا النازية يواخيم فون ريبنتروب إلى جانب جوزيف ستالين وفياتشيسلاف مولوتوف خلال توقيع معاهدة عدم الاعتداء السوفياتية-الألمانية في موسكو، 23 أغسطس 1939

ولننظر إلى "الأممية الشيوعية" (الكومنترن)، التي أُنشئت عام 1919 لتنسيق ثورة عالمية ضد الرأسمالية. وظهر ارتباكها إلى السطح في أغسطس/آب 1939، حين وقع الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين اتفاق مولوتوف-ريبنتروب مع ألمانيا النازية. وتلقت الأحزاب الشيوعية حول العالم أوامر بين ليلة وضحاها بأن تتعامل مع الفاشية لا بوصفها عدوا، بل قوة محايدة.

على مدى القرن الماضي، واجهت الحركات الكبرى التي قامت على وعد التضامن العابر للحدود، الاختبار نفسه مرارا الذي تعيشه "بريكس"

وبعد عامين، عندما غزت ألمانيا الاتحاد السوفياتي، غيرت موسكو مسارها فجأة وتحالفت مع الولايات المتحدة وبريطانيا. وكشفت السياسة السوفياتية حقيقة بسيطة، هي أن عقيدة "الاشتراكية في بلد واحد" كانت تعني أن المصلحة الوطنية السوفياتية ستتغلب في نهاية المطاف على تضامن الطبقة العاملة الدولي. أما "الكومنترن" نفسه، وبعدما أفرغته هذه الحقيقة من مضمونه، فقد حله ستالين رسميا عام 1943.

ولم تنتج فكرة الوحدة الآسيوية استجابة إقليمية موحدة ضد الإمبريالية. فخلال الحرب العالمية الثانية، كانت الصين في مواجهة مع اليابان الإمبراطورية، وكان القوميون الهنود يناضلون ضد بريطانيا، والإندونيسيون ضد الهولنديين، وأبناء الهند الصينية ضد الفرنسيين واليابانيين معا. وكان بعضهم مستعدا لطلب دعم ياباني، بل وحتى ألماني، ضد القوى الاستعمارية الأوروبية، فيما سعى قوميون آخرون إلى الحصول على دعم غربي في مواجهة اليابان.

وسلكت القومية العربية مسارا مشابها. فقد بلغت رؤية الزعيم المصري جمال عبد الناصر لأمة عربية موحدة ذروتها مع قيام "الجمهورية العربية المتحدة"، التي جمعت مصر وسوريا في دولة مركزية واحدة عام 1958. لكن هذا الاتحاد انهار بعد نحو ثلاثة أعوام فقط. ولم يكن سبب ذلك الفشل هو الضغط الخارجي، بل الاستياء السوري من الهيمنة المصرية.

كذلك واجهت الحكومات العربية صعوبة في التحرك الجماعي إزاء القضية التي يفترض أنها تجسد تضامنها، وهي فلسطين. ويظل حظر النفط عام 1973 أكثر خطوات التعاون العربي أثرا، ومع ذلك ثبت أن تلك الوحدة كانت عابرة. ففي غضون أشهر، أخذ التحالف الذي توحد دعما للهجوم المصري-السوري على إسرائيل يتفكك تحت وطأة تباين المصالح الوطنية.

(أ.ف.ب)
قارب صغير يبحر قبالة بلدة الجير في رأس الخيمة قرب مضيق هرمز، بينما تظهر ناقلة نفط في الخلفية، 25 فبراير 2026

ثم جاءت ضربة كبرى أخرى لفكرة الوحدة السياسية العربية عام 1990، حين غزا العراق الكويت. فقد هاجمت دولة عربية دولة عربية أخرى، وانقسم العالم العربي بشدة حيال ذلك. ومنذ ذلك الحين، بقيت جامعة الدول العربية في موقع المتفرج إزاء أزمات المنطقة في معظم الأحيان.

الوحدة بين القاهرة ودمشق في منتصف القرن الماضي انهارت بعد 3 أعوام على إقامتها نتيجة الاستياء السوري من الهيمنة المصرية

وعززت الأحداث الأخيرة هذا النمط مرة أخرى. فلم تصدر استجابة عربية جماعية للحملة العسكرية الإسرائيلية العنيفة على غزة عقب هجوم "حماس" المروع على إسرائيل في أكتوبر/تشرين الأول 2023. وحافظت مصر والأردن على معاهدتي السلام مع إسرائيل. كما أبقت الإمارات العربية المتحدة والبحرين، اللتان أقامتا علاقات مع إسرائيل بموجب "اتفاقات أبراهام"، على تلك العلاقات. وبقي التضامن العربي مع فلسطين شعورا سياسيا قويا، لكنه نادرا ما تُرجم إلى أفعال حاسمة.

ولم تحقق الوحدة الإسلامية نتائج أفضل بكثير. فتضم "منظمة التعاون الإسلامي" 57 دولة ذات غالبية مسلمة، وتصدر بيانات تزخر بتعابير الوحدة. لكن الواقع السياسي في العالم الإسلامي يروي قصة مختلفة. فقد خاضت إيران والعراق واحدة من أطول حروب القرن العشرين وأكثرها دموية. وتحولت ليبيا والسودان إلى ساحتي صراع لقوى متنافسة ذات غالبية مسلمة. كما خاضت السعودية وإيران تنافسا ممتدا عبر وكلاء في أنحاء المنطقة. واليوم دخل ذلك الصراع مرحلة جديدة مع احتدام مهاجمة إيران للدول الخليجية.

ولم تكن المنظمات الإقليمية التي قامت على التعاون العملي بعيدة عن هذه الحدود. فـ"رابطة دول جنوب شرق آسيا" (آسيان)، التي ينظر إليها على نطاق واسع بوصفها من أنجح التكتلات الإقليمية، تعمل وفق مبدأ الإجماع. غير أن هذه القاعدة نفسها تشل المنظمة في كثير من الأحيان. فقد واجهت الفلبين، وهي من الأعضاء المؤسسين في "آسيان"، ورئيسها الحالي، ضغطا صينيا شديدا في بحر الصين الجنوبي على مدى العقد الماضي. لكن آسيان لا تستطيع إدانة بكين جماعيا، بسبب الترابط الاقتصادي العميق بين المنطقة والصين، وبسبب الروابط الاستراتيجية الوثيقة التي تربط الصين بعضوين في المجموعة، هما كمبوديا ولاوس.

وفي أميركا اللاتينية يبرز مثال حديث آخر. فعندما تدخلت الولايات المتحدة في فنزويلا واحتجزت الرئيس نيكولاس مادورو في يناير/كانون الثاني، عقدت "جماعة دول أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي" اجتماعا طارئا. لكن الاجتماع انتهى من دون اتفاق، بعدما عارض الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي وعدة حكومات يمينية إدانة خطوة واشنطن.

(أ.ف.ب)
قادة ومسؤولون من روسيا والإمارات والهند والصين والبرازيل وجنوب أفريقيا وإندونيسيا وإثيوبيا ومصر وإيران يلتقطون صورة جماعية خلال قمة "بريكس" في ريو دي جانيرو، 6 يوليو 2025

وتبدو "بريكس" الآن وكأنها تسلك المسار نفسه. فقد كثفت الهند، بصفتها الرئيس الحالي، اتصالاتها بوزير الخارجية الإيراني خلال الأزمة، لا لتنظيم رد جماعي، بل لضمان سلامة الملاحة الهندية عبر مضيق هرمز.

منظمة "آسيان" لا تستطيع إدانة بكين جماعيا، بسبب الترابط الاقتصادي العميق بين المنطقة والصين

ويبقى النظام العالمي، في جوهره، مؤلفا من دول قومية ذات سيادة. وتخضع الحكومات للمساءلة أمام قواعدها الداخلية ذات المصالح الملموسة، أي الأمن والازدهار. ويمكن أن يلهم التضامن العابر للحدود خطابا سياسيا، لكن التضحية بالمصالح الوطنية من أجل أمن جماعي يقوم على فكرة "الكل من أجل واحد، وواحد من أجل الكل" تظل أمرا عسيرا.

لقد بُنيت جامعة الدول العربية و"آسيان" و"بريكس" و"الكومنترن" وجماعة "دول أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي" و"منظمة التعاون الإسلامي" جميعها على تطلعات مشتركة صيغت بأوسع العبارات الممكنة. لكن ذلك لا يكفي لإنتاج فعل موحد في خضم صراع كبير.

font change

مقالات ذات صلة