قد يبدو الربط بين موجة حر تضرب مزرعة أبقار وقطعة جبن موضوعة بعد أشهر على مائدة الطعام بعيدا بعض الشيء، لكن صناعة الجبن في حقيقتها سلسلة من التفاعلات تبدأ قبل دخول الحليب إلى المصنع بوقت طويل. فتركيب الحليب نفسه، من البروتينات والدهون إلى الأحماض والمركبات المتطايرة والميكروبات، يحدد بدرجات متفاوتة كيف سيتخثر، وكيف ستتماسك الخثرة، وأي كائنات دقيقة ستجد البيئة المناسبة للنمو أثناء النضج، وما المركبات التي ستتكون في النهاية وتعطي الجبن رائحته وطعمه. ومع ازدياد موجات الحرارة المرتبطة بتغير المناخ، بدأ سؤال جديد يشغل علماء الألبان: إذا تغير الحليب بسبب الحرارة، فهل يمكن أن تتغير معه نكهة الجبن؟
لا يعرف علماء الآثار على وجه اليقين أين ظهرت أول قطعة جبن أو من صنعها، كما لا يوجد دليل يؤكد الرواية الشهيرة عن راع قديم وضع الحليب داخل وعاء مصنوع من معدة حيوان، فاكتشف بالمصادفة أن الإنزيمات الموجودة في بطانتها فصلت الحليب إلى خثرة ومصل. لكن المؤكد أن البشر بدأوا معالجة الحليب منذ آلاف السنين. ففي شمال أوروبا، عثر على أوان فخارية مثقبة من الألفية السادسة قبل الميلاد، وأظهر التحليل الكيميائي للدهون العالقة بها وجود بقايا ألبان، مما قدم دليلا قويا على استخدامها في فصل الخثرة الغنية بالدهون عن مصل الحليب المحتوي على اللاكتوز، في خطوة تشبه بدرجة لافتة إحدى العمليات الأساس لصناعة الجبن الحديثة.
وبذلك لا يبدو الجبن اختراعا ظهر في لحظة واحدة، بقدر ما كان حصيلة رحلة طويلة تعلم خلالها الإنسان استغلال ظاهرة طبيعية كقابلية الحليب للتحول.
فالسكر يمكن أن تتغذى عليه البكتيريا، والبروتينات يمكن أن تتجمع في شبكة صلبة، والماء يمكن التخلص من جزء كبير منه، بينما تستطيع الإنزيمات والميكروبات، بمرور الوقت، تحويل مادة بيضاء شبه عديمة الرائحة إلى منتجات تختلف جذريا في القوام والطعم، من جبن طازج معتدل لا يحتاج إلا ساعات أو أيام، إلى أنواع صلبة معتقة لسنوات. ولهذا فإن قصة الجبن ليست مجرد قصة حفظ للحليب، وإنما تاريخ مبكر لتعلم الإنسان التحكم في الكيمياء والميكروبات من دون أن يعرف أسماءها العلمية.
نظام بيولوجي حي
على الرغم من التنوع الهائل بين أنواع الجبن، تقوم الصناعة في جوهرها على خطوات متشابهة، تبدأ بتخثير بروتينات الحليب، والتخلص من قدر من الماء ومصل الحليب، وإضافة الملح بدرجات مختلفة، من ثم إخضاع بعض الأنواع لفترة نضج قد تكون قصيرة أو تمتد سنوات. ويؤدي الكازين، وهو البروتين الرئيس في حليب الأبقار، دورا محوريا في تكوين الخثرة. ويستخدم صانعو الجبن المنفحة والحمض أو كليهما لتقليل استقرار بروتينات الكازين ودفعها إلى التجمع. ثم تتحول الكتلة الناتجة تدريجيا إلى وسط شديد التعقيد تتحكم فيه الرطوبة والملوحة والحموضة ودرجة الحرارة وتركيبة الدهون والبروتينات.



