مونيه ورينوار صديقان حفظا للانطباعية أجمل ما فيها

الفن باعتباره مناسبة سعيدة تجمع بين روحين هائمتين في مكان واحد

 Nationalmuseum
Nationalmuseum
"لا غرونويير"، لبيار أوغست رينوار، 1869

مونيه ورينوار صديقان حفظا للانطباعية أجمل ما فيها

"مونيه ورنوار: الرسم جنبا إلى جنب" هو عنوان المعرض الذي يقيمه بلندن متحف "ناشيونال غاليري"، ونتعرف من خلاله الى جزء مهم من تاريخ المدرسة الانطباعية الفرنسية التي كانت بمثابة الخطوة التمهيدية الأولى التي ألقاها الفن على طريق حداثته، وهي الطريق التي قادت في ما بعد إلى التحرر من المعادلات المثالية التي توصل إليها فنانو عصر النهضة في أيطاليا قبل أكثر من أربعة قرون.

طرحت الانطباعية سؤالا مهما هو ذاته السؤال الذي يجيب عنه المعرض. ما الذي يحدث على مستوى النتائج التصويرية لو وقف رسامان أمام مشهد طبيعي واحد، في ظل الفكرة الجوهرية التي انطلق منها الانطباعيون في تمردهم والتي تقوم على أن المشهد المرسوم ليس كتلة جامدة، يمكن رسمها في غيابها من خلال استحضارها من الذاكرة بل هي أشبه بالكائن الحي، تتغير مع كل لحظة نظر.

يجمع المعرض كلود مونيه (1840 ــ 1926) وبيار أوغست رينوار (1841 ــ 1919). أما لماذا هذان الرسامان دون سواهما من الانطباعيين؟ فلأنهما كانا صديقين في عمر واحد ولأنهما ارتبطا بعلاقات عائلية وثيقة وسافرا معا، ولأنهما، وهذا هو الأهم، رسما في بعض مراحل صداقتهما المشاهد ذاتها، كل منهما بأسلوبه وطريقته في النظر إلى العالم الخارجي، إذ توزعا ما بين مفهومي تكريس المشهد مستقلا بشفافيته البصرية وبين استخراج الحمولة الحسية والعاطفية من قلب ذلك المشهد.

رسما الشيء نفسه غير أن النتائج كانت مختلفة. ذلك اختلاف يؤكد صحة النظرية الانطباعية.

انتهيا إلى معادلة صار من بعدها الرسم يقرر مصير العالم البصري في سياق ما يقترحه الرسام من صياغات أسلوبية

يقوم المعرض أساسا على لوحتين، كلتاهما تحمل العنوان نفسه "مستحمات في لا غرينويير". الأولى لمونيه وتعرض في "ناشيونال غاليري" منذ 1979 أما الثانية فلرينوار وتعود ملكيتها للمتحف الوطني في ستوكهولم.

المهووس بالضوء والمحب للناس

في تاريخ الصداقات التي أنتجت فنا مثيرا، يرد ذكر صداقة فنسنت فان غوغ وبول غوغان بكل عصفها، وهي الصداقة التي انتهت في آرل الفرنسية حين أطلق فنسنت النار على صديقه ولم يصبه. وهناك صداقة أوغست رودان وكاميل كلوديل بكل ما انتابها من لحظات جنون وإبداع ومتاهات نفسية. أما بابلو بيكاسو وجورج براك ففي سنوات قليلة، نقلا الحداثة الفنية إلى الرؤية التكعيبية وذهب كل منهما بعدها في طريق. صداقة مونيه ورينوار كان لها مزاج ومذاق مختلفان، انتهيا إلى معادلة صار من بعدها الرسم يقرر مصير العالم البصري في سياق ما يقترحه الرسام من صياغات أسلوبية.

ولكن، ما هو الفرق الحقيقي بين مونيه ورينوار؟

بالتأكيد هناك فرق جوهري بين أسلوبي الرسامين. ذلك لا يحتاج إلى إيضاح. غير أن المعرض، وهو موجه إلى محبي الفن من زوار المتاحف، يقدم ذلك الاختلاف بطريقة تبسيطية مباشرة، من خلاله يمكن تلمس الطريق في اتجاه التحول الكبير الذي مثلته المدرسة الانطباعية في تاريخ الفن. رسم الفنانان المشهد ذاته. غير أنهما توصلا إلى نتائج بصرية مختلفة. كان المشهد سواه في اللوحتين، كأنهما لم ترسما بتأثير إلهام بصري واحد. 

 The National Gallery
"مستحمات في لا غرونويير"، كلود مونيه، 1869

كان مونيه في تلك المرحلة قد بدأ يميل نحو الهوس بالضوء الذي سيميز مسيرته الفنية، ففرشاته عريضة ومجزأة تحول سطح الماء إلى ألوان متغيرة ومتلألئة وغالبا ما تخلو لوحاته من الناس. أما رينوار فانجذب إلى الناس. ضربات فرشاة أقصر وأدفأ تبرز الباريسيين الأنيقين المجتمعين على الجزيرة الصغيرة في وسط المشهد وتتمتع اللوحة بأكملها بجو أكثر رقة وإشراقا.

عام 1869 رسم الفنانان لوحتيهما وكانا التقيا عام 1862 في مرسم المعلم السويسري شارل غليير بباريس. دعا غليير إلى العودة إلى المواضيع الكلاسيكية المرسومة على الطريقة التقليدية للقرن الثامن عشر، وهي الطريقة التي لاقت رواجا كبيرا في صالون باريس ولم يكن لهذا التشجيع أثر يذكر على تلاميذه. كان رينوار نحيفا وعصبيا، ويعمل بهدوء وتركيز في ركنه، مندهشا من الذوق الأريستقراطي الذي تميز به مونيه البورجوازي. كتب جان وهو نجل رينوار والمخرج السينمائي المرموق: "أذهل مونيه غليير العجوز. في الواقع انبهر الجميع، ليس فقط ببراعته الفنية بل أيضا بأسلوبه الراقي. شعر الطلاب الآخرون بالغيرة من مظهر مونيه الأنيق وأطلقوا عليه سخرية لقب 'الأنيق'. أما والدي، الذي كان دائما متواضعا في اختيار ملابسه، فقد سر بالأناقة الباهرة لصديقه الجديد".

 AFP
زائر أمام لوحة "زنابق الماء" لكلود مونيه في متحف سابانجي في إسطنبول، 8 أكتوبر 2012

مناسبة للثناء على البهجة بأسلوبين

أحب كلود مونيه الضوء قبل كل شيء آخر واعتبره أساس البناء في لوحاته. يمكن اعتبار أعماله الفنية بحثا دؤوبا، يكاد يكون علميا في كيفية تحويل الضوء والجو لمظهر الموضوع. رسام أجواء اشتهر برسمه المشاهد نفسها، أكوام القش وأشجار الحور وكاتدرائية روان في أوقات مختلفة من النهار نفسه وفي فصول مختلفة ولا يمل من التكرار، ذلك لأنه في حقيقة ما كان يفعل، لا يجد نفسه أمام المشهد ذاته. فهو إذن لم يكرر. أتاح له هذا الفعل المتسلسل والتراكمي أن يثبت أن الموضوع "الحقيقي" ليس الشيء الذي يرسم بل الضوء الذي يحيط به. تتغير صفات الشيء بتغيير كمية الضوء ونوعه حسب أوقات النهار والفصول.

أخلص مونيه ورينوار إذن إلى مبادئ الانطباعية وتقنياتها غير أنهما كانا مختلفين في الأسلوب

تهيمن الطبيعة على لوحاته، سواحل وعرة وأنهار هادئة وبركة زنابق الماء في منزله بجيفيرني التي خصها بأعظم لوحاته وأكبرها حجما وهي مأثرته التي مهدت للفن التجريدي. أما البشر عندما يظهرون فغالبا ما يكونون شخصيات صغيرة مندمجة في المشهد، مهمتهم إبراز الحجم لا أن يكونوا محور التركيز. بالنسبة إلى مونيه، كانت الطبيعة هي البطل الأسمى، مصدر إلهام لا ينضب وراحة روحية. ويعد تفانيه في تصوير تقلباتها العابرة حجر الزاوية في إرثه الفني، وهو موضوع صار من ركائز علاقة الرسام بما يراه بعيدا عن المنظور الواقعي.

على النقيض من ذلك، كان رينوار مفتونا بالمشهد الإنساني. حضور البشر في لوحاته كان مدعاة للغبطة والجمال الفاتن والحياة الاجتماعية الحميمة. وإذا كان قد برع في رسم المناظر الطبيعية كسواه من الرسامين الإنطباعيين، فإن أشهر أعماله تعج بالناس، يضحكون ويرقصون ويستمتعون بلحظات هادئة. روائعه ليست مجرد لوحات، هي احتفالات نابضة بالحياة الباريسية، تفيض بالدفء والمودة والثناء على الحياة الرخية.

امتلك رينوار قدرة فريدة على تجسيد نعومة البشرة وإشراقها، مستخدما في كثير من الأحيان ضربات فرشاة خفيفة ولوحة ألوان دافئة من الوردي والأحمر. رسم أصدقاءه وعائلته ومقتني لوحاته برقة مدهشة أضفت عليهم قدرا من الحيوية والصدق والطيبة، وهو ما كان سببا لحب غير متوقع. بالنسبة إلى رينوار، كان الفن مناسبة لإشاعة الحب والبهجة والجمال. لذلك انصب تركيزه على الجوانب الحسية والمبهجة للعالم، مما جعل لوحاته أشبه بقصائد تثني على متع الحياة البسيطة. أخلص مونيه ورينوار إذن إلى مبادئ الانطباعية وتقنياتها غير أنهما كانا مختلفين في الأسلوب.

 Grand Palais RMN (Musée d'Orsay) / Mathieu Rabeau
"رقصة في مولان دو لا غاليت"، بيار أوغست رينوار، 1876

خيال الفرشاة في تمرده

"قلت لنفسي ما يفعلونه هنا سخيف. كان رينوار وسيسلي زميليّ في المرسم، فأخذتهما معي. وقلت هيا بنا نرسم في الهواء الطلق"، ذلك ما كتبه مونيه ليؤرخ تحولا عظيما في تاريخ الفن كان أساسه العلاقة الحسية المباشرة بالطبيعة.

ومن أجل تسليط الضوء على شخصية مونيه مقارنة بشخصية رينوار، نذكر هنا ملاحظة وردت في أحد كتب تشارلز ماونت وهو أول كاتب سيرة لمونيه يقول فيها: "كان رينوار يجبر مونيه على مرافقته إلى متحف اللوفر وكان مونيه عنيدا الى درجة أنه بمجرد دخوله لم يكن ينظر إلا إلى المناظر الطبيعية، معربا عن انزعاجه الشديد من جميع اللوحات الأخرى".

 AFP
صورة للروائي إميل زولا فوق نسخة من الصفحة الأولى لصحيفة "لورور" الصادرة في 13 يناير 1898، والتي نشر فيها دفاعه الشهير عن ألفريد دريفوس بعنوان "إني أتهم"

ما كانا فيه استمرا عليه طوال سنوات صداقتهما التي شهدت مدا وجزرا بسبب مواقفهما المختلفة من القضايا العامة. فعلى سبيل المثل تعرضت صداقتهما لضربة عنيفة حين أختلفا في موقفهما من قضية الضابط دريفوس الذي أتهم عام 1894 بالعمالة للألمان. تعاطف مونيه مع الضابط اليهودي متأثرا بمقال الروائي أميل زولا "أنا أتهم"، فيما اتخذ رينوار موقفا متشددا منه. ولكنهما سرعان ما استعادا صداقتهما.

تعاطف مونيه مع الضابط اليهودي دريفوس متأثرا بمقال الروائي أميل زولا فيما اتخذ رينوار موقفا متشددا منه

حين نرى لوحتي مونيه ورينوار ننسى كل الوقائع الجانبية التي اخترقت حياتهما المشتركة وهما صديقان، لنفكر في حقيقة واحدة: الفن باعتباره مناسبة سعيدة تجمع بين روحين هائمتين في مكان واحد، لم يكن لهما سوى مناسبة للخلاص من قيود الواقع والمضي بخيال الفرشاة إلى أقصاه.

font change