طالب وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهر بسحب الجنسية من مخرجي فيلم "نازا"، يوفال أبراهام وراشيل زور. جرى ذلك من دون أن يكون الفيلم قد عرض أمام الجمهور الإسرائيلي. ووصف زوهر صانعيه بالخيانة، فيما ذهب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى اعتباره جزءا من تحريض عالمي ضد اليهود. ولم تبق المواقف في حدود السلطة السياسية، بل وصلت أصداؤها إلى الشارع والفضاء العام الإسرائيلي، وأنتجت مواقف متطرفة شملت نشر معلومات شخصية عن المخرجين والتحريض على ملاحقتهما وتهديدهما بالعنف.
هذا التهديد بسحب الجنسية على خلفية اتخاذ موقف إنساني وأخلاقي من الإبادة يعني أن الإسرائيلي، ما لم يكن ملتزما بالإبادة وصانعا لها ومساهمـا في شرعنتها، لن يستطيع أن يكون إسرائيليا. سيجري عليه، بصورة أو بأخرى، ما يجري على الفلسطينيين. سيصبح فلسطينيا ومحاصرا بالتعريف الذي لا يرى في الفلسطيني سوى كائن لا تستقيم العلاقة معه خارج الفعل الإبادي.
وعملية الانتقال من إسرائيلي إلى فلسطيني ليست مجرد فعل رمزي أو معنوي. هي عملية محو للصفات التي تسمح للمواطن بأن يكون منتميا إلى الجماعة. فهي ليست مجرد إهانة أو تبخيس، وإنما إدماج نهائي في مجال الإبادة. وعليه، فإن توسيع مجال الاستباحة ليطول التعبير الاعتراضي الإسرائيلي يعني أن المسألة لم تعد مرتبطة بالحرب ولا بمفصل السابع من أكتوبر/تشرين الأول، الذي اتخذ منطلقا لشرعنة الإبادة، بعد أن تحولت إلى مكون أصيل للهوية الإسرائيلية وعنوان تأسيسي للثقافة العامة التي تحكم توجهات المجتمع وتقيس نزوعاته وميوله.
تقول استطلاعات الرأي، بما لا يدع مجالا كبيرا للشك، إن الإبادة صارت نوعا من السيكولوجيا العميقة التي تطبع ما يجري في سرائر الإسرائيليين. ولا تكمن خطورة الأرقام في أنها تكشف ما تضمره السرائر وحده، بل في أنها تكشف زوال المسافة بين المضمر والمعلن.
التهديد الذي يفجره الفيلم في وجه هذا الواقع العمومي، يكمن في أنه يعيد الفلسطيني إلى موقع الإنسان والضحية، ويمنع ما حدث من أن يصبح عابرا
يقول الاستطلاع الذي أجراه الباحث تمير سوريك من جامعة ولاية بنسلفانيا، وتولت جمع بياناته شركة الاستطلاعات الإسرائيلية "جيوكارتوغرافي"، يومي 10 و11 مارس/آذار 2025، إن 82 في المئة من اليهود الإسرائيليين يؤيدون، بدرجات متفاوتة، طرد سكان غزة إلى دول أخرى. كما وافق 47 في المئة على أن يتصرف الجيش الإسرائيلي، عندما يحتل مدينة معادية، بالطريقة التي توردها الرواية التوراتية عن سلوك بني إسرائيل في أريحا، أي قتل جميع سكانها.
تفصح أرقام الدراسة عن أن النزوع الاستئصالي الإبادي لم يعد خطاب يمين متطرف، بل تحول إلى سياق قومي جامع وعنوان حاسم للشرعية يتبناه قسم واسع من المجتمع الإسرائيلي. لم تعد المنافسة السياسية تدور بين مؤيد للإبادة ورافض لها. صارت بين من يستطيع تقديم النسخة الأكثر كمالا منها. ويستدعي هذا السياق ما أطلق عليه النازيون، إبان الإبادة التي نفذوها ضد اليهود خلال الحرب العالمية الثانية، اسم "الحل النهائي"، وهي الإبادة التي شكلت عنوانا مؤسسا للمظلومية الإسرائيلية.
أما التهديد الذي يفجره الفيلم في وجه هذا الواقع العمومي، فيكمن في أنه يعيد الفلسطيني إلى موقع الإنسان والضحية، ويمنع ما حدث من أن يصبح عابرا. كما يحارب التعبير عن القتل بلغة الأرقام والإحصاءات والبيانات والأخبار العاجلة، ويتيح للفلسطيني حيزا في اللغة والوجود.
يحتاج المحو إلى إخراج ضحاياه من حيز القيمة، وتجريدهم من الحق في امتلاك الملامح والصفات. وقد اجتهدت الآلة الإعلامية الإسرائيلية في جعل مفردة الفلسطيني خالية من المعنى، بعدما عملت، في مرحلة سابقة، على ربطها بالإرهاب.
اكتشفت تلك الآلة أن بقاء الفلسطيني محتفظا بأي صفة تتيح إنتاج معنى ما، حتى لو كان معنى سلبيا، يمنحه ملامح وصفات، ويفتح أمامه منفذا للنجاة من الإبادة الشاملة. لذلك اجتهدت في إخراجه من أي علاقة بالمعنى، وتحويله إلى كائن لا يحضر إلا من خلال الإبادة. هنا تحديدا تكمن خطورة فيلم "نازا"، الذي ينتشل كيان الفلسطيني من برودة اصطلاح عسكري لا يرى فيه سوى "ضرر جانبي"، كما تعني التسمية العبرية، ويعيده إلى مكانه في الحضور والتاريخ والمكان.
اختارت إسرائيل الخروج على القيم الغربية التي طالما زعمت الانتماء إليها. فتمكين حضور الإبادة بوصفها ناظما للهوية فرض عليها صراعا مع مؤسسات القانون الدولي والمنظمات الإنسانية والحقوقية، ومع قطاعات متزايدة من الرأي العام الغربي.
تخلت إسرائيل عن علاقتها بالحداثة والقيم الغربية، وارتدت إلى مجال خرافي إبادي حولها إلى دولة مدانة في قطاعات واسعة من العالم
لم تعد رواية "الجيش الأكثر أخلاقية في العالم" قابلة للتسويق في الميدان العالمي بعد خروج الوقائع الدامغة إلى العلن. واللافت أن جزءا من هذه الوقائع ظهر عبر تسجيلات نشرها جنود إسرائيليون بأنفسهم، في تعبير عن ثقتهم بأنهم لن يخضعوا للمحاسبة، وأن أفعالهم ستذوب في تأويلات تتناسب مع ما تأسس في المخيال العام عن دولة تنتمي إلى قيم الغرب والحداثة، وتتبنى ثقافة العلم والديمقراطية وحقوق الإنسان.
من أجل الإبادة، تخلت إسرائيل عن علاقتها بالحداثة والقيم الغربية، وارتدت إلى مجال خرافي إبادي حولها إلى دولة مدانة في قطاعات واسعة من العالم، تتبنى البربرية صيغة تأسيسية للدولة والمجتمع، والإبادة اسما وعنوانا. وهذا يعني أنها صارت شكلا من أشكال الأزمات الدائمة التي يستحيل أن تناط بها الحلول. أما موقعها المستمد من تمثيل ثقافي يجعلها تستعلي على محيطها بوصفها دولة الحداثة والعلم والديمقراطية، فقد سقط، وباتت هي نفسها مشكلة سياسية وثقافية وأخلاقية لا بد من حلها لتنتظم شؤون المنطقة والعالم.