هاني شنودة الذي صب موسيقى العالم في مزاج مصري

أسهم في تأسيس هوية الموسيقى العربية الجديدة

هاني شنودة الذي صب موسيقى العالم في مزاج مصري

رحل الموسيقار المصري هاني شنودة عن ثلاثة وثمانين عاما، كرس جلها في خدمة مشروع صناعة مزاج مصري عالمي في الموسيقى والأغنية. وكان فاتح الطريق أمام كل ما نجح واستقر من بعده من أنماط ومشاريع، ومؤسسا لمشروعية موسيقات وتعابير ومغامرات فنية وتعبيرية ما كان لها أن تجد طريقها إلى النور لولا مغامراته التأسيسية.

ولعله من الإجحاف، مقاربة منجز الموسيقار الراحل بارتباطه بظهور أسماء نجوم مثل عمرو دياب ومحمد منير، لأن ذلك يحجب العناصر الأصلب والأكثر تماسكا في مشروعه، الذي كانت الأغنية نوعا من سياق تنفيذي له، وهو الحرص على إنتاج أعمال يتجلى فيها الامتزاج المتناسق بين أنماط مغايرة من الموسيقى، وصب كل ذلك في قلب مشروع لا يغادر محليته أبدا.

المتعدد

ولعل مصادر السمع والتربية الموسيقية المتعددة التي أتيحت له، منحته ذلك الانحياز إلى التعددية والخصب والتلاقح منذ طفولته. إذ إن الموسيقار المولود لأسرة قبطية في طنطا، طور ذائقته الموسيقية استنادا إلى مصادر شديدة الثراء والتنوع والاختلاف، تجمع بين الترانيم الكنسية وحلقات الذكر والموالد وأغنيات أم كلثوم التي كانت ترددها والدته، وعزف الفرق اليونانية في النوادي التي كانت منتشرة في صباه، وانتشار أعمال الفرق الموسيقية مثل "البيتلز" وموسيقى "الروك" و"الجاز".

عمل شنودة على توظيف كل تلك العناصر وتسييلها داخل مشروع تحديثي غربي الملامح مصري الهوية، فبدا الغربي في تجربته أقرب إلى المنتج المحلي الشعبي المألوف، لأن المصادر الغنية والغزيرة التي أدخلها في تكوين موسيقاه وأغنياته لم تكن قابلة للتفكيك وفصل عناصرها بعضها عن بعض وردها إلى أصل ما، ولكنها بدت دائما كتلة واحدة منسجمة متصلة مشحونة بدلالات إعادة الإنتاج والتمصير التي شكلت خصوصيته الفريدة، والتي فجرت مجال التجريب في المنطقة العربية، وأتاحت ظهور تيارات ومدارس لا تزال تشكل العناصر السمعية الأكثر ألفة من ناحية، والأكثر قدرة على الاستجابة الدائمة لمتطلبات التحديث وإعادة الإنتاج.

لذا كان عمله كله اختبارا دائما لإمكانات مجهولة، من بداياته مع الفرق الغربية في الستينات، وصولا إلى تأسيس فرقة "المصريين"، وصناعة بدايات محمد منير وعمرو دياب، وتطوير أغنيات أحمد عدوية، وتقديم نجاة بشكل جديد، وكتابة موسيقى الأفلام، وتأليف موسيقى بحتة، والاعتراف بتجارب شابة جديدة في سنواته الأخيرة.

طنطا: فضاء التعددية الرحب

الموسيقار المصري المولود عام 1943 في طنطا كان، وفق ما يردد دائما في مذكراته وتصريحاته، شخصا محظوظا، إذ أن تلك المدينة كانت تمثل، في رحابة عيشها ومصادر أصواتها وموسيقاها المتعددة، نموذجا لما سيكون عليه مشروعه.

وقد شكل ذلك الفضاء الذي يحتضن مجموعة مختلفة من الموسيقات والأصوات بتآلف وانسجام وتناغم، المصدر الخاص والحميم لكامل تجربة شنودة، ونموذجا يردد أصداء مفهوم اللقاء كما صاغه ميلان كونديرا، الذي كان يؤمن أن العمل الفني لا يولد من عبقرية مستقلة ومعزولة، بل من خلال اللقاء المتمثل في لحظة تقاطع بين عوالم وتجارب لا تربطها ببعضها أي صلة سابقة. فالفنان لا يكرر ما يتلقاه، ولكنه يدمجه داخل مشروعه، فينتج من اللقاء عمل جديد وطازج. ويتجلى ذلك بوضوح في ما تميز به شنودة من قدرة على الجمع بين الشرقي والجاز والإيقاع الشعبي والدرامز الحديث.

كان عمله كله اختبارا دائما لإمكانات مجهولة، من بداياته مع الفرق الغربية في الستينات، وصولا إلى تأسيس فرقة "المصريين"

فكان نتاجه الذي يبدو للمتلقي فطريا ومباشرا، وليد دراسة أكاديمية تخصصية. فبعدما اكتشف في مرحلة مبكرة من صباه ميله الموسيقي، بعدما كان يرى وفق تصريحات له، أنه ليس مهتما بالموسيقى، التحق بكلية التربية الموسيقية وتخرج منها عام 1966، وواصل دراسته في الكونسرفاتوار، مما سمح له ببناء مشروعه على عناصر صلبة، وفهم وظائف الآلات والتكوين الهارموني، وكيف تبنى العلاقات بين كل عناصر العمل الموسيقي.

وانطلاقا من تلك المعرفة، عرف كيف يقيم علاقات متوازنة داخل أعماله بدقة تجمع الحدس بالمعرفة، فأدخل الآلات الغربية إلى الأغنية الشعبية من دون أن تسيطر عليها، بقدر ما تمثل جزءا أصيلا من تكوينها، وأدخل الهارموني في نسيج الأغنية المصرية من دون غربنتها، ووسع توظيف الإيقاعات النوبية مع محمد منير من دون إفقادها علاقتها بأصولها.

كان من أكثر صناع الموسيقى عناية بالتوزيع الموسيقي، فلم يتعامل معه كنوع من الإضافة التقنية للعمل، ولكن كعملية إعادة تأليف كاملة، تساهم في تمكين شخصيته وتثبيتها. وبذلك فتح الباب واسعا أمام حضور ودور الموزعين الموسيقيين الذين كانوا يعاملون بنوع من التهميش. مع شنودة دخل الموزع الموسيقي إلى صلب العمل كمؤلف ثان أو كشريك في التأليف، وصارت أسماء الموزعين تكتب على الإصدارات الموسيقية والغنائية إلى جانب الملحن والمطرب والشاعر.

ولعل الأورغ، الذي كان يصفه بأنه الصديق الأهم في حياته، كونه أتاح له اختبار الهارموني والإيقاع والطبقات الصوتية في وقت واحد، يشكل علامة بارزة على المشهدية التي رافقته في السبعينات، والتي تحولت لاحقا إلى موضة عامة وموجة عارمة اجتاحت الثمانينات. فقد رافقه في حفلات الفنادق والنوادي، ومثل عنوان البدايات للمطربين الذين عمل معهم، وكان ظهوره عازفا خلفهم على الأورغ أو البيانو علامة جودة يلتقطها الجمهور وتمنح المغني شرعية وشعبية، كما في ظهوره الشهير مع عمرو دياب في أغنية "الزمن"، التي تعتبر أول أغنية  مصورة له، والتي تستعاد بكثافة في الفترة الأخيرة في الحفلات التي شارك فيها، كعنوان على رسوخ تجربته وأنها كانت تأسيسية لكل ما جاء بعدها. ولد كل ذلك في طنطا، وانطلق منها ليغزو مصر، ويشكل عنوانا لمراحل وتجارب ومشاريع تمثل، في كل انبثاق جديد، الحديث والجديد.

من الفرق الغربية إلى الشارع المصري

كانت قاهرة الستينات تشهد تحولات اجتماعية وسياسية وثقافية عريضة، إذ تسببت سياسات التأميم برحيل الجاليات الأجنبية التي كان أبناؤها يشكلون الفرق التي تقدم الأغنيات الغربية في الملاهي. تسبب ذلك بفراغ في الساحة الفنية ساهم في ظهور مجموعة من الفنانين المصريين الذين أخذوا على عاتقهم سد هذا النقص، وكان شنودة أحد الذين برزوا في تلك الفترة إلى جانب أسماء مثل نبيل شديد صعب وهراير شهرزيان، قبل أن يصبح أحد أفراد فرقة "القطط الصغار" التي شارك فيها، في مراحل مختلفة، عمر خورشيد وعزت أبو عوف وعمر خيرت ونزيه المصري.

تجربة الفرق التي كانت جديدة، تمثل التحولات المستجدة، فهي لا تنطلق من النجم الفرد، بل من مشروع جماعي تعاوني منضبط يقوم على الانسجام والتفاهم والتعاون، يلعب فيه كل فرد دوره المحدد. وقد عملت تلك الفرق على استعادة الأغنيات العالمية وتقليد أنواع مختلفة من الروك والبوب والموسيقى الراقصة، وأعادت توطيد علاقة الشباب بالموسيقى العالمية وأنواعها، بعدما كان استيراد الأسطوانات الأجنبية قد بات ممنوعا، فكانت العروض التي تقدمها الفرق تعويضا مناسبا عن غياب الأسطوانات. وكان شنودة في تلك المرحلة جزءا من تيار موسيقي يجد نفسه مطالبا بإنتاج موسيقى جديدة أكثر إيقاعية، وتتناسب مع السرعة، وتبتعد عن نماذج الأغنية الكلاسيكية في موضوعاتها وتركيبها وبنائها.

مع شنودة دخل الموزع الموسيقي إلى صلب العمل كمؤلف ثان أو كشريك في التأليف

ولكن النشاط اقتصر في تلك المرحلة على إعادة تقديم الأعمال المعروفة بمهارة واقتدار، غير أن سؤال المعنى والجدوى بدأ يفرض نفسه، وخصوصا بعدما جاء نجيب محفوظ إلى الإسكندرية لسماع الفرقة، وطرح عليهم سؤالا عن سبب عدم تقديمهم أغنيات عربية من تأليفهم، واصفا ما يقدمونه بأنه "زوبعة في فنجان"، لأن تأثيرهم يقتصر على دائرة ضيقة للغاية، كما أنهم لا يستطيعون تحويل معرفتهم الموسيقية إلى مشروع خاص. وكان لرأي محفوظ الأثر الكبير في البحث عن إمكان تأسيس فرقة محلية مصرية توظف صيغا موسيقية حديثة لبناء أغنيات بكلمات وتعابير تردد أصداء المجتمع المصري.

Wikidata
الموسيقار والملحن المصري هاني شنودة

وكان للقاء شنودة مع عبد الحليم أثر بارز في نضوج ملامح مشروع تشكيل فرقة مصرية حديثة. فالعندليب الأسمر حرص على حضور حفلات الفرقة وملاحظة عزف شنودة على الأورغ، وقد أهدى اليه آلة أورغ حديثة، واتفق معه على تشكيل فرقة ترافقه في جولاته الخارجية كبديل من الأوركسترا الضخمة. وشاركت الفرقة في إحدى حفلات عبد الحليم في نادي الجزيرة عام 1976، ولكن الرحيل الدرامي للعندليب في العام التالي قضى على ذلك المشروع. غير أن تلك التجربة أبرزت أمرين: أولهما اعتراف واحد من رموز المرحلة الكلاسيكية بضرورة التجديد والحاجة إلى نبرة موسيقية مختلفة، والثاني أن إنشاء مشروع تحديثي مصري الطابع قد بات ضروريا.

وقد اجتمعت كل تلك المعطيات والظروف العامة والخبرات والآراء لتجعل من إطلاق شنودة لفرقة "المصريين" في العام 1977 الحدث الأبرز في تاريخ الموسيقى العربية الحديثة في مرحلة ما بعد الكلاسيكية، لأنه جعل موسيقى العالم تنطق بلهجة مصرية وبروح مصرية لا يفهمها المصري وحده، ولكنها تخاطب مزاجا واسعا يتجاوز حدود المحلية إلى المنطقة العربية والعالم. وليس أدل على ذلك من أن إعادة طبع أسطوانات تضم نخبة من أغاني الفرقة عبر المنتج الموسيقي "حبيبي فانك" حققت شعبية كبيرة في أوساط عربية، وكذلك في أوساط غربية، وجد أصحابها أنفسهم منسجمين مع روح العمل.

فرقة المصريين: موسيقى العالم بلهجة مصرية

ظهرت فرقة "المصريين" في العام 1977، الذي شهد رحيل عبد الحليم حافظ، آخر رموز الكلاسيكية، وبدا المشهد إعلانا لضرورة قيام مرحلة جديدة يتغير فيها التركيز على دور المطرب الفرد، والأوركسترا الضخمة، والأغاني الطويلة، ونوعية العلاقات بين النجوم والجماهير. لم تظهر "المصريين" بوصفها قطيعة مع المراحل السابقة، بقدر ما كانت استجابة لضرورات جديدة في التعبير الموسيقي، وفي الحياة نفسها، وفي التصورات الاجتماعية والسياسية، فكانت استجابة لواقع أنتج تسارع إيقاع الحياة المدينية، والانفتاح على ثقافات العالم وموسيقاها، وبروز طبقة وسطى تحمل تمثلات جديدة عن الحب والزواج والعلاقات والشأن العام.

استقت الفرقة اسمها من مقال الكاتب محمد قابيل، حمل عنوان "المصريون قادمون"، يتحدث فيه عن الأجيال الجديدة من الفرق والموسيقيين، فاعتبر هاني شنودة أن العبارة تحمل ترميزا دقيقا لروح مشروعه الساعي إلى بناء فرقة مصرية توظف الخطاب المصري وحكايات المجتمع المصري باستخدام موسيقى حديثة. وهكذا كان تاريخ 8 ديسمبر/ كانون الأول 1977 لحظة ولادة الفرقة، التي أرخت لظهورها في أغنية تحمل عنوان "8 ديسمبر"، وكأنها وثيقة صوتية.

ولعل التسمية تحمل في ذاتها نزعة إلى إعادة كل المزاج الطاغي على مشهدية الفرقة إلى حالة مصرية. فمن يسمع أعمالها وينظر إلى الآلات الغربية التي تستخدمها قد يعتقد أنها تدافع عن مزاج غربي خالص وتتبناه، ولكن الاسم كان يعيد المتلقي دائما إلى مغزى المشروع ويحدد طبيعته، وكذلك فعلت الكلمات والموضوعات التي ابتعدت عن مناطق الانفعال العاطفي لصالح سرد حكايات متحركة عن المدينة والأحوال والزواج والعلاقات، في إطار يتمصرن فيه الغيتار الكهربائي والأورغ والدرامز والبناء الهارموني.

كان للقاء شنودة مع عبد الحليم أثر بارز في نضوج ملامح مشروع تشكيل فرقة مصرية حديثة

ضمت الفرقة، إبان انطلاقتها الأولى، هاني شنودة على آلات المفاتيح، تحسين يلمظ على الغيتار، هاني الأزهري على "الدرامز"، وممدوح قاسم بصوته الغنائي العميق، وكانت إيمان يونس الصوت النسائي الرئيسي، إلى جانب محمد هندي، الذي عرف لاحقا باسم عمر جوهر ثم عمر فتحي. وانضمت منى عزيز في مرحلة لاحقة بعد مغادرة إيمان يونس، وباتت من أبرز الوجوه النسائية المرتبطة بذاكرة الفرقة، وخصوصا في أغنيات مثل "ماشية السنيورة".

"فرقة المصريين"

ويكشف منطق شنودة في اختيار الأصوات المشاركة في تجربة الفرقة عن وعي حاد بخصوصية اللحظة وطبيعتها. فقد كان المنتج الشهير عاطف منتصر، الذي واكب تجربة الفرقة، يسخر من صوت ممدوح قاسم، ويرى أنه لا يصلح، ولكن شنودة لم يكن يبحث عن مطرب جماهيري، بل كان ينحاز إلى المرونة والقدرة على أداء أنواع مختلفة، وكان يراهن على تكوين صوت قاسم، الذي يمكن أن يطوع ويستجيب لمناطق تعبيرية جديدة بقدر كبير من التلاؤم، ويمكن كذلك أن يخلق مفارقات وصدمات إيجابية. وقد صادقت تجربته في أغنية "ما تحسبوش يا بنات" على رؤية شنودة، إذ إن ظهور صوت رجالي جدي يغني مقطعا مرحا حول الزواج خلق بصمة صوتية لا تزال تستعاد باستمرار.

وقد توفرت للفرقة عناصر نجاح مسبق مع تبني صلاح جاهين لتجربتها، فلم يكتف بكتابة كلمات بعض أغانيها، ولكنه تبنى المشروع، وعرف شنودة إلى إيمان يونس، فوصف بأنه الأب الروحي للفرقة. دخل جاهين إلى التجربة متخلصا من كلاسيكيته ومن ثقل تجربته في الكتابة لكبار نجوم الأغنية الكلاسيكية ونجوم الاستعراض، وبدا راغبا في تجديد لغته عبر هذا المشروع، فكتب للفرقة أغنيات تتكامل مع طبيعتها، مستخدما لغة يومية، وباحثا عن مفارقات لطيفة ساخرة ونقدية، وراصدا أحوال شخصيات حقيقية، ومنبها إلى أنماط علاقات شائعة، وأحوال تطال روح الشارع والعائلة والعلاقات العاطفية وإيقاع الحياة المدينية المتسارع.

وقد شجع تبني جاهين للمشروع عددا من الشعراء الذين كانوا رواد الأغنية الكلاسيكية على المشاركة في كتابة أغنيات للفرقة، فكتب لها عمر بطيشة وعبد الرحيم منصور، ولكن المفارقة اللافتة أن النسق التعبيري الجديد للفرقة ولد لغة جديدة داخل لغتهم، مغايرة تماما لكل نتاجهم السابق، وموضوعاتهم السابقة، وتراكيبهم القديمة.

أصدرت الفرقة ألبومها الأول "بحبك... لا" في العام 1978، بعد عام من تأسيسها، وحملت الأغنيات ملامح التجديد مباشرة في أغنيات "بحبك لا" و"بتبكي ليه" و"8 ديسمبر" وعنوان الألبوم، الذي يعود إلى إحدى أغنياته، شكل خروجا على تيمة العاطفة والحب المتكررة المسيطرة على الغناء الكلاسيكي والسائد، فحمل طابع خلخلة اليقين، وساءل الحب، وعرضه بوصفه منتجا يخضع لما يعتري الزمن من اضطرابات، وأدخله في دوامة من التردد والشك والحيرة والرفض وإعادة النظر. وكانت أغنيات الألبوم قصيرة ومكثفة، وتعتمد على الإيقاع والهارموني والتناغم بين الأصوات، وقصدت الابتعاد عن التطويل في المقدمات والنزوع التطريبي. صدر العمل عن شركة "صوت الحب"، معلنا ولادة نموذج استثنائي في تجربة "البوب" المصري.

وخلال أحد عشر عاما أصدرت الفرقة خمسة ألبومات أخرى، هي "حرية" عام 1979، و"بنات كتير" عام 1980، و"ابدأ من جديد" 1981، و"ماشية السنيورة" عام 1985، ثم "حظ العدالة" عام 1988. وقد وظفت فيها أنواعا موسيقية مختلفة مثل "الجاز" و"الفانك" و"الديسكو" و"الروك"، في إطار يصر دائما على إبراز خصوصيته المصرية.

إطلاق شنودة لفرقة "المصريين" في العام 1977 كان الحدث الأبرز في تاريخ الموسيقى العربية الحديثة في مرحلة ما بعد الكلاسيكية

وشكلت تجربة أغنية "ما تحسبوش يا بنات إن الجواز راحة" علامة لافتة في مسيرة الفرقة. وقد استل هاني شنودة مطلعها من عبارة كان قد سمعها في طنطا، وعمل جاهين على تطوير الفكرة في أغنية تعالج موضوع الزواج وتضعه داخل مصهر الحياة اليومية. سحبت كلمات جاهين الهالة السحرية والحلمية التي كانت تحيط بالزواج، وردته إلى الواقع، وانتقدت شبكة الأوهام التي تحيط به، ورسمت له صورة تربطه بالمسؤولية. وأثار هذا التعبير عن موضوع عمومي بنبرة مختلفة عما ترسخ في الأذهان حوله قلق السلطات الرقابية والدينية، فأثار الأزهر مشكلة حول الأغنية، ولكنه لم يلبث أن تقبلها.

بحثت الفرقة عن أغنية لا تلتقط في السكون، ولكن في الحركة، تتناغم في بنيتها وإيقاعها مع الحركة الدائمة وتلتقط من خلالها الواقع. فالمتلقي لا يحتاج إلى طقوس ليتفاهم معها، ولكنه يتلقاها في سياق عمله وحياته اليومية. وتغيير نموذج التلقي التقليدي صنع تأريخا جديدا للوقائع والمدينة، يقوم على التقاط الهش والآيل إلى التلاشي، وإعادة تعريف الصلب والمتماسك والذاكرة، والتقاط المستجد والطارئ. وبذلك بدا كل شيء حيا ومتجددا وقادرا على توليد المعنى بشكل مستمر، وعلى بث رسائل تقارب السياسة والنضال من دون أن تغرق في الإيديولوجيا. فالأغنيات التي قاربت الجديد في عالم المرأة، مثل "ماشية السنيورة" و"بنات كتير" و"ما تحسبوش يا بنات" وغيرها، عرضت أحوال المرأة في قلب المجال العام، وأبرزت النساء ككيانات مستقلة تمتلك خطابا خاصا وطموحات مستقلة وقادرة على الدفاع عن صورتها وصناعتها. وفي أغنيات مثل "حرية" و"ابدأ من جديد" خرج المجال التعبيري من مناطق الانفعال الوجداني والتفجع العاطفي إلى التعبير عن هموم مستجدة وأسئلة كبرى من دون التحول إلى غناء مؤدلج.

وكان الصوت النسائي أساسيا في تجربة الفرقة مع إيمان يونس ومنى عزيز، ولم يقدم كخلفية لصوت رجالي، ولكن داخل تركيبة حوارية تجاوبت فيها الأصوات النسائية مع أصوات ممدوح قاسم وعمر فتحي، داخل منطق شنودة القائم على تطويع المختلف وتحويله إلى تآلف وتجانس.

ولكن التجربة لم تعمر طويلا، وقد بدأت عناصر تفككها تظهر مع مغادرة عمر فتحي، الذي قرر إيجاد طريقه الخاص، وبظاهرة تكررت مع الفرقة في خسارة أصواتها النسائية تباعا عبر الزواج، كما أن رحيل الشاعر صلاح جاهين، الذي عد والدها الروحي في العام 1986، كان صادما. تراكمت عناصر التفكك، وتوقف النشاط كليا في عام 1988، الذي شهد ظهور ألبوم "حظ العدالة"، وفي رصيد الفرقة ستة ألبومات وتاريخ امتد لأحد عشر عاما.

ولكن، على الرغم من توقف الفرقة، فإن صدى تجربتها تردد في الزمن والتحولات، وبدا مؤسسا لكل ما تلاه. فتحولت فكرتها إلى قواعد جديدة تمثلت في حلول الفرق الصغيرة مكان الأوركسترات الكبيرة، وبروز دور الموزع الموسيقي، والبناء الهارموني، والآلات الكهربائية، كما تغيرت كلمات الأغنية بشكل ملحوظ، واتجهت نحو مجالات اجتماعية وهموم ثقافية ووجودية لم تقع سابقا في دوائر اهتمام الشعراء.

الموسيقى الصافية

تكشف تجربة شنودة مع التأليف الموسيقي، سواء الموسيقى الآلية البحتة أو موسيقى الأفلام، عن الجانب الأعمق في تجربته وهويته الفنية. لم يكن يرى أنه ملحن غنائي بقدر ما كان ينظر إلى نفسه كموسيقار وجد في الأغنية مجالا للتعبير عن مشروعه الموسيقي. وكان تأليف الموسيقى الآلية بالنسبة إليه المجال الأكثر رحابة، الذي يتيح للفكرة الموسيقية التحرك بقدر كبير من الحرية، وبشكل يستقل عن الكلام والأصوات الغنائية. من هنا حرص دائما على تأليف عدد من المقطوعات الموسيقية البحتة، وكان أبرزها سلسلة اللونغات التي قدمها بوصفها اختبارا تجريبيا لأفكاره الموسيقية.

توفرت للفرقة عناصر نجاح مسبق مع تبني صلاح جاهين لتجربتها، فلم يكتف بكتابة كلمات بعض أغانيها، بل تبنى المشروع

وقد روى في مذكراته عن تأثره بتجربة بيتهوفن في بناء العمل الموسيقي، وبشكل خاص البناء الثلاثي الذي يعتمد على عرض الفكرة والانتقال بعد ذلك إلى قسم آخر مختلف، قبل العودة إليها بشكل جديد. استوعب شنودة منطق البناء ولم ينسخه، ولكنه استفاد منه في تركيب موسيقاه الخاصة، وحرص على تطبيقه على قوالب شرقية مثل اللونغا.

وكان الراحل حريصا على تسمية مؤلفات اللونغا بأسماء سنوات مثل «لونغا 79» و«لونغا 85» وغيرها. وقد كتبت تلك الأعمال وظهرت في وقت كانت النظرة إلى التأليف الموسيقي البحت دونية، وأسيرة منطق يتعامل معه كمنتج فرعي وثانوي يحيا تحت ظلال الغناء، ولكن شنودة أصر على إبراز التأليف الموسيقي البحت بوصفه عملا يستقل عن الغناء ويحمل بناءه الخاص. وقد نجح هذا الإصرار في إخراج التأليف الموسيقي البحت من أسر النظرات الضيقة، فالكثير من أعماله، مثل «لونغا 79»، عاشت في الذاكرة، ووجدت لها حياة رحبة في استعادات كثيرة وتوظيفات متعددة في أعمال عالمية مثل مسلسل "رامي" للنجم العالمي المصري الأصل رامي يوسف.

  Hassan/Getty Images
الموسيقار والموزع الموسيقي المصري هاني شنودة خلال افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي الدولي

وتتجلى الشخصية نفسها في موسيقى الأفلام التي كتبها لعشرات الأعمال السينمائية، وافتتحها عام 1979 بفيلم "ولا عزاء للسيدات"، بطولة فاتن حمامة وإخراج هنري بركات. وتوالت أعماله في أفلام بارزة لعادل إمام مثل "المشبوه" و"المولد" و"الحريف" و"شمس الزناتي" و"الغول". وكان يتحدث دائما أنه يحاول فهم ثيمة الفيلم وموازاتها موسيقيا، ولكن الأيام برهنت على أن عمل شنودة يتجاوز تأويله الخاص له، والسياقات التي يدرجه فيها، لأن موسيقى الأفلام عرفت حياة مستقلة عن ارتباطها بالأفلام التي وضعت من أجلها، فاستعملت واستعيدت خارج ما وضعت له، ولم تبق محصورة في الدلالة على أحداث الأفلام.

والسبب في ذلك قد يعود إلى منطق بنائها، الذي يكرر العناصر الثابتة في مشروع شنودة، لناحية التحديث، والجمع بين الإيقاع الشعبي والآلات الكهربائية، والبناء الهارموني. من هنا راجت تلك الموسيقى، وعزفت واستعيدت بشكل متكرر، مستفيدة من علاقات الألفة التي نجح شنودة في بنائها وتمتينها مع المستمع المصري والعربي، وحتى العالمي. بدا تأليفه طازجا على الدوام، ومألوفا وأليفا كذلك، بعد فترة من تراكم التلقي ونضوج المشروع الذي فتح الباب أمام شرعنة تلقي الموسيقى الصافية المنفصلة تماما عن الغناء، وهو ما كان الموسيقار عبد الوهاب قد نصحه بعكسه، لأنه كان يعرف تماما مدى حب الناس للصوت البشري والغناء. وكان الموسيقار الأشهر قد أشار على شنودة بتضمين موسيقاه عناصر صوتية بشرية، مثل ترداد كلمات معينة أو كورال، ولكن شنودة أصر على خصوصية مشروعه في التأليف الموسيقي المحض، وراهن على نجاحه ضمن المنطق الذي كان يؤمن به حول أن الفرق بين العبقرية والجنون يكمن في النجاح.

 لقد نجح شنودة في تطويع الأذن العربية لتلقي الموسيقى البحتة، ومنحها شعبيتها الخاصة ومنطق تلقيها المستقل، وهو أمر ساهم في توسيع  تلقي الأعمال الموسيقية البحتة التي يمكن رصدها في شعبية أعمال زياد الرحباني الموسيقية الصافية، مثل مقطوعات "ميس الريم" و"آثار على الرمال" و"أبو علي".

نجح شنودة في تطويع الأذن العربية لتلقي الموسيقى البحتة، ومنحها شعبيتها الخاصة ومنطق تلقيها المستقل، وهو أمر ساهم في توسيع تلقي الأعمال الموسيقية البحتة

لم يبحث الموسيقار الراحل عن نجاح تقليدي ولا عن ريادة في مجاله، ولكنه كان يحرص على أن يصف نفسه بأنه صاحب الطلقة الأولى، بمعنى صناعة الطريق التي تجري التحولات اللاحقة كلها عبره. ولعل هذا التعبير يلخص مسار شنودة ويقدمه بشكله الأصدق والأدق، فكل ما كان مجرد مغامرات متهورة، من تأسيس فرقة "المصريين"، والتوزيع الموسيقي، وإدخال الهارموني وموسيقى العالم إلى قلب الغناء المصري، وتقديم أصوات جديدة شابة مثل محمد منير وعمرو دياب، بات اليوم بمثابة تقاليد فنية راسخة. وقد ارتضى أن يحمل هم البدايات وأعباءها، وحافظ على التجدد الدائم، كما في إعادة إطلاق أغنية نجاة "بحلم معاك" قبل فترة وجيزة من رحيله بأصوات زياد ظاظا وتينا، وبروح متجددة، وتوزيع لافت يصل الخواتيم بالبدايات، صانعا دائرة محكمة من التأثير المستمر الذي مصّر موسيقى العالم، وحدّث الأذن العربية، ومكنها من استقبال الجديد والمختلف.

font change