ابحث عن المرأة... لماذا ننبهر بالملاحم العالمية ونهمل إرثنا العربي؟

دور النخب في إهمالها وتقليل شأنها

ابحث عن المرأة... لماذا ننبهر بالملاحم العالمية ونهمل إرثنا العربي؟

"يجلس الراوي عادة على كرسي صغير فوق المصطبة المبنية أمام المقهى، ويتوزع بعض مستمعيه على مصاطب البيوت المقابلة في الجانب الآخر من الشارع الضيق، بينما يجلس الباقون على كراس أو مقاعد صنعت من جريد النخل، وأكثرهم يحمل الغليون في يده، وبعضهم يرشف قهوته، والجميع في غاية الابتهاج ليس بالحكاية وحسب، بل أيضا بالأداء الحيوي والدرامي للسارد...".

في هذا الاقتباس من كتاب "عادات وتقاليد المصريين المحدثين" (1836) خلد المستشرق والمترجم البريطاني إدوارد وليام لاين (1801-1876) أحد المشاهد التي رآها في القاهرة، ولم يكن هذا المشهد مقتصرا فقط على القاهرة، بل شاع في معظم المدن والحواضر العربية، مشهد الحكواتي الشعبي الذي يجلس في المقهى ويتحلق حوله السامعون، وهو يروي لهم الحكايات والملاحم الشعبية العربية، كأبي زيد الهلالي والأميرة ذات الهمة وأبي الفوارس عنترة بن شداد، والظاهر بيبرس وحمزة البهلوان وحكايات "ألف ليلة وليلة"، وغيرها من الملاحم والقصص الشعبية العربية.

كانت المنمنمات التي تتناول حكايات عربية مثل ليلى والمجنون، والمقامات العربية، ورسوم أبطال الملاحم العربية على جدران البيوت في القاهرة ودمشق وغيرها من العواصم العربية، تتكامل مع فنون الحكي الشعبي في المقاهي لتقدم للناس صورة كاملة للحكاية والملحمة العربية في زمن لم يكن فيه مجلات أو تلفزيون أو شاشة سينما عملاقة تعرض هذه الحكاية في فيلم أو مسلسل، وفي زمن كانت أوروبا تبدأ في إعادة اكتشاف الملاحم اليونانية ودراستها أكاديميا وتناولها بالبحث والمناقشة في الجامعات والأروقة الأكاديمية.

أخذ الغرب تلك الملاحم، ولاسيما ملحمتا هوميروس، على محمل الجد، وتتبعها ومشى في مساراتها فنتج من تصديقه لها اكتشاف مدينة طروادة في منطقة حصارلك في تركيا، والعديد من النتاجات السينمائية التي تتوالي على دور السينما لتعيد سرد الملحمتين من زوايا ووجهات نظر مختلفة، وهذا الاختلاف بين تعامل العرب اليوم مع ملاحمهم، وبين تعامل الغرب مع ملاحمه يبعث على التساؤل: رغم امتلاكهم أكبر وأطول ملحمة في العالم، وهي ملحمة "سيرة الأميرة ذات الهمة"، لماذا يهمش العرب ملاحمهم، ولماذا لا نرى هذه الملاحم في إنتاجات تلفزيونية وسينمائية ضخمة تليق بروعتها، وتليق بالمشاهد العربي المتعطش فعلا لهذا النوع من الفن؟

يمكن القول إن جزءا من الإجابة يكمن في النساء، بالتحديد في الشخصيات النسائية في الملاحم العربية.

الحقيقة الغائبة لنساء السير الشعبية العربية

عبر التاريخ، ظلت الملاحم هي المضمار الأول للرجل، يسطر فيها بفروسيته وشجاعته حكايات البطولة، ويخوض عبر المسير والأسفار حروبا تشكل مصائر الأقوام وتصنع الأساطير. وعلى مر العصور، كانت قصص الرجال وحروبهم وحنكتهم السياسية هي المادة الأثيرة التي تجتمع عليها المجالس وتتلقفها الأذان بشغف وشوق، في العالم كله من شرقه الى غربه.

كانت سير النساء وأخبار مكرهن وذكائهن وحروبهن، من أمتع الحكايات التي يقبل الرجال العرب على سماعها

وفي العودة الى الحاضر، شاهد العالم منذ فترة قصيرة "أوديسة" كريستوفر نولان، الفيلم الذي اختلفت حوله الآراء، بين مؤيد ومعارض، لكن اتفق الجميع على صغر مساحة الدور الفاعل للنساء في تلك الملحمة قياسا بدور أوديسيوس، ولو عدنا الى الملحمة الأساس فسنجد أن السلبية صفة ميزت النساء في ملاحم هوميروس، في حين أن العكس تماما كان يحدث في الملاحم العربية، وفي الوقت الذي يتوقع فيه العالم أن تكون الملاحم العربية رجالية فقط، إذ لم تكن سير الرجال ورحلاتهم وحروبهم وحدها التي تروى في المقاهي، كانت سير النساء أيضا، وأخبار مكرهن وذكائهن وحروبهن، من أمتع الحكايات التي يقبل الرجال العرب على سماعها، حكايات نساء عربيات لا تقل غرابة وإثارة عن شخصيات دينيريس (أم التنانين)، وسيرسي لانستر في المسلسل الشهير "لعبة العروش" الذي تابع العرب أجزاءه بشغف قبل سنوات.

ملصق "ذات الهمة"

تناولت المستشرقة والباحثة الهولندية ريمكه كروك موضوع المرأة العربية كمحاربة وبطلة للملاحم العربية في ورقة بحثية من جزأين، جاءت بعنوان "المرأة المحاربة في الملاحم الشعبية العربية: قناصة بنت مزاحم وسيدات شجاعات أخريات"، ونشرت في مجلة "الأدب العربي" الصادرة عن "دار بريل"، في عامي 1993، 1994.

تتكون هذه الدراسة من جزأين كما أسفلنا، يركز الثاني منهما على قراءة تحليلية لقصة قناصة بنت مزاحم، إحدى شخصيات ملحمة سيرة الأميرة ذات الهمة، من واقع طبعة قديمة صدرت في القاهرة عام 1909. لكن ما يهمنا ويشد الانتباه أكثر هو الجزء الأول، الذي يفتح بابا جديدا لفهم دور المرأة في أدبنا الشعبي.

إذ تبدأ الباحثة هذا الجزء بتفنيد فكرة خاطئة ومستقرة في أذهان الكثيرين، وهي أن المرأة في التراث العربي القديم لم تظهر إلا في صورتين لا ثالث لهما: إما الصبية الحسناء الساحرة التي تستغل مكرها لإغواء الرجال، أو العجوز القبيحة الخبيثة التي لا هم لها إلا تدبير المكائد ونشر الخراب. وترى الكاتبة أن هذا الانطباع الظالم جاء بسبب اختصار التراث الشعبي كله في حكايات "ألف ليلة وليلة" فقط، مع أن "الليالي" نفسها تتضمن قصصا كثيرة تثبت عكس ذلك تماما، أبرزها قصة الأميرة بدور وحكاية حسن البصري.

من هذه النقطة، تضع الباحثة يدها على هدفها الأساس، وهو إعادة تسليط الضوء على نموذج أصيل ومهم في الحكايات الشعبية، وهو نموذج "المرأة المحاربة". وتحاول أن تشرح كيف أخذ الحكاؤون العرب هذه الفكرة العابرة للثقافات، وصاغوها بأسلوب ذكي وممتع داخل السير الشعبية و"ألف ليلة وليلة"، ليقدموا للجمهور العربي بطلات محاربات يجمعن بين الشجاعة والذكاء، وحتى الإغواء والشراسة، وبشكل يرضي شغف المستمعين ويناسب ذائقتهم.

قوة النساء كانت حاضرة وواضحة جدا في النصوص الأصلية للحكايات العربية، لكن هؤلاء الباحثين الأوروبيين عانوا نوعا من "العمى الفكري" الذي منعهم من رؤية هذه القوة

من ناحية أخرى، تسلط الباحثة الأميركية أماندا هانوش شتاينبرغ، التي  تشغل منصب أمينة الموارد البصرية للفن والعمارة الإسلامية في مكتبة الفنون الجميلة بجامعة هارفارد، وهي باحثة متخصصة في الأدب الشعبي العربي في القرون الوسطى، الضوء في مقالة لها، تحت عنوان (Reclaiming the Women of Arabic Popular Epics= استعادة نساء الملاحم الشعبية العربية)، في عام 2019، على حضور المرأة العربية في السير الشعبية والملاحم، إذ تقدم قراءة جديدة ومنصفة تعيد للمرأة العربية حقها في هذه الحكايات، فتؤكد الباحثة أن الشخصيات النسائية تملأ صفحات السير الشعبية بوضوح شديد، وخلافا للانطباع الشائع، ستجد المرأة حاضرة ومؤثرة في كل صفحة تقريبا من هذه الملاحم.

لا تتوقف القصة عند مجرد الوجود الفعلي للمرأة العربية في الملاحم والحكايات الشعبية العربية، بل تمتد إلى تنوع الأدوار وحيويتها، فالمرأة في السير العربية غير محصورة في قالب واحد ضيق، وإنما تقدم في صور متعددة بالغة الذكاء والتعقيد، فنحن نراها الملكة القوية، والأميرة الذكية، والمحتالة الماكرة، والتاجرة، والأم الرؤوم، والساحرة، والمحاربة. وهذا الحضور العريض يثبت أن الحكاء الشعبي لم يفكر يوما في إبعاد المرأة، بعكس الأدب النخبوي القديم الذي كان يتجاهل وجودها أو يتعامل مع ذكائها كحالة غريبة أو طريفة.

من هذا المنطلق، ترفض شتاينبرغ بشدة آراء بعض المستشرقين، مثل البريطاني مالكولم ليونز (1929 – 2019)، الذين ادعوا أن النساء في السير يبدأن دائما من موقف ضعيف ويفتقرن إلى العقل والدين. وترى الكاتبة أن قوة النساء كانت حاضرة وواضحة جدا في النصوص الأصلية للحكايات العربية، لكن هؤلاء الباحثين الأوروبيين عانوا نوعا من "العمى الفكري" الذي منعهم من رؤية هذه القوة وتقديرها كما ينبغي.

ورغم أن فكرة المرأة المحاربة التي تحمل السيف وتخوض المعارك تبدو مبهرة وجذابة للغاية، إلا أن الكاتبة ترى أن الجانب الأكثر إثارة للإعجاب هو الطرق الناعمة وغير العسكرية التي وصلت بها النساء إلى القوة والسيطرة في الحكايات، مثل استخدام الديبلوماسية، والذكاء الفطري، والدهاء، وإدارة العلاقات العائلية ببراعة.

لكن لو أن للنساء مثل هذا الحضور بجانب الرجال في الملاحم، وكان هذا الحضور مقبولا لدى السامع والقاص العربي. فكيف تجرأت الأوساط الأكاديمية الغربية على تغييبه وتقليل شأنه؟

الرحلة الشاقة للملاحم العربية: كيف حوصرت السير الشعبية؟

تبدأ حكاية التغييب من العصر المملوكي - وهو العصر الذهبي لهذه السير – وهو العصر الذي شهد أيضا حربا كلامية وفقهية شرسة، تجلت في ما يعرف بـ"حرب المحتسب والفقهاء على الحكواتية" في القرن الرابع عشر الميلادي. فقد شن الفقيه الأصولي ابن الحاج العبدري، في كتابه الشهير "المدخل"، هجوما عنيفا ومفصلا على قراء السير الشعبية، مثل سيرة عنترة وذات الهمة، الذين كانوا يجمعون الناس في المقاهي وحتى المساجد. ولم يكتف بالهجوم بل طالب المحتسب (المسؤول عن النظام والأخلاق العامة* بضرورة منعهم ومعاقبتهم، بحجة أنهم يخلطون الجد بالهزل، ويفتنون العامة بقصص مكذوبة ومختلقة، فضلا عن تسببهم في اختلاط النساء بالرجال في مجالس الاستماع، إذ رأى العبدري في هذه الملاحم وسيلة لإفساد العقائد وتشتيت أذهان الناس عن قراءة القرآن والتفقه في الدين.

 Hussein FALEH / AFP
تمثالا شخصيتي "ألف ليلة وليلة"، شهرزاد وشهريار، في بغداد، 1 نوفمبر 2023

ولم يتوقف التضييق عند الحدود الفقهية والرقابية، فامتد إلى إقصاء لغوي من كبار مفكري العصر، فعلى الرغم من إشارة ابن خلدون في مقدمته إلى أهمية القصص الشعبي في شحذ الهمم، إلا أنه وأغلب رجال عصره رفضوا تماما تصنيف السير الملحمية ضمن الأدب الراقي أو ديوان العرب. ويعود السبب في هذا الرفض إلى أن هذه السير كانت تروى وتكتب بلغة هجينة تمزج بين العامية والفصحى ولا تلتزم قواعد النحو الصارمة والإعراب. وبالمعيار الثقافي للنخبة آنذاك، فإن أي نص لا يخضع للإعراب الكامل كان يعد نصا "ملحونا وسوقيا" لا يستحق عناء التدوين، مما حكم على هذه الملاحم بالبقاء حبيسة الطبقات الشعبية الدنيا، وساهم أيضا في ضياع أجزاء كبيرة منها لم تحفظها الذاكرة الشفهية.

أي نص لا يخضع للإعراب الكامل كان يعد نصا "ملحونا وسوقيا" لا يستحق عناء التدوين، مما حكم على هذه الملاحم بالبقاء حبيسة الطبقات الشعبية الدنيا، وساهم أيضا في ضياع أجزاء كبيرة منها

ومع استمرار هذا الرفض النخبوي، تعرضت الملاحم نفسها لعمليات تعديل وتطهير نصوصية تحت الضغوط الاجتماعية والدينية. فنرى مثلا سيرة "سيف بن ذي يزن"، التي امتلأت بالخوارق والساحرات القويات، كيف واجهت نظرة ريبة من النخبة الدينية التي اعتبرتها خرافات تصطدم مع العقيدة. أدى هذا الضغط إلى تعمد النساخ إدخال تعديلات هائلة على النص، عبر إقحام أدعية وتوجيهات دينية مكثفة على لسان الأبطال، وتخفيف سلطة الساحرات والنساء القويات، لتظهر البطولة وكأنها معركة دينية، مما جرد النص من جذوره الفولكلورية وأبعاده الجندرية الجريئة.

ومع امتداد هذه الضغوط عبر العصرين المملوكي والعثماني، تحول التضييق من مجرد فتاوى ومقص تحريري إلى قرارات إدارية وأمنية صارمة تمثلت في إغلاق المقاهي وحظر جلوس الحكواتية، ولم يكن السبب دينيا فقط، بل كان سياسيا وأمنيا بامتياز، إذ خشت السلطة من أن قراءة سير مثل "الظاهر بيبرس" أو "عنترة" - بما تحمله من ثورات ضد الظلم ومكائد وسياسة - قد تشحن عقول العامة وتدفعهم للتمرد والخروج على الحكام، فتم تشديد الرقابة على كل ما يقال على لسان الحكواتي.

ملصق فيلم "عنتر بن شداد"

وقد وصل هذا التضييق السياسي والأمني أوجه في أواخر القرن التاسع عشر، حيث توثق المقدمة التحليلية لسيرة الملك الظاهر بيبرس (حسب الرواية الشامية الصادرة عن المعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق) كيف ضيقت أجهزة المخابرات العثمانية على الحكواتية وقيدت قراءة السيرة، بسبب التفاف الجماهير حولها وتأجيج السرديات للحماسة السياسية والخلافات بين الزبائن. وهو ما جسده أيضا الكاتب والمسرحي السوري سعد الله ونوس في أعماله، ولا سيما مسرحيته "سهرة مع أبي خليل القباني"، موضحا كيف كانت السلطة العثمانية مع الفقهاء، تحاصر المقاهي التي تشكل "برلمانا شعبيا" خوفا من إيقاظ الوعي العام.

أدى هذا الإرث الطويل من التضييق والموقف المتدني من النخبة إلى استبعاد هذه الملاحم كليا من أرشيفات التدوين الرسمية، فلم تحظ تاريخيا برعاية المؤسسات أو دور الكتب الكبرى. ونتيجة لهذا الإهمال، يواجه الباحثون صعوبة بالغة في العثور على النصوص العربية الأصلية، التي كانت تطبع عبر القرون في مطابع شعبية رخيصة، وبدون تسجيل لتاريخ النشر، وبشكل عشوائي يصعب تتبعه جغرافيا.

أدى هذا الإرث الطويل من التضييق والموقف المتدني من النخبة إلى استبعاد هذه الملاحم كليا من أرشيفات التدوين الرسمية، فلم تحظ تاريخيا برعاية المؤسسات أو دور الكتب الكبرى

وهكذا تجرأ الغرب على السير العربية، والبداية كانت من مطبعة الترجمة الغربية التي مارست دور الرقيب من خلال الترجمة المنقحة، فتحكي أماندا شتاينبرغ في مقالتها عن حادثة مريبة، فعند جمع المخطوطات العربية للسير الشعبية (مثل سيرة ذات الهمة وسيرة سيف بن ذي يزن) ونقلها إلى المكتبات الأوروبية (مثل المكتبة الوطنية في باريس)، تعمد المستشرق والمترجم الفرنسي بول كازانوفا (1861- 1926) وبعض النساخ المأجورين حذف أجزاء كاملة تتحدث عن بطولات النساء المسلمات ضد البيزنطيين والصليبيين، وتلطيف العبارات التي تحمل هجوما عقديا أو سياسيا، ليعاد تقديمها الى الغرب على أنها "قصص خرافية بسيطة للعامة" خالية من أي ثقل فكري أو جندري، وطبعا هذه ليست الحادثة الوحيدة.

هل تنتصر السينما العربية للملاحم الشعبية وأكوانها الممتدة؟

إذا نظرنا إلى غالبية الأفلام الحديثة، فسنجدها تركز على بطل واحد يغير العالم بمفرده. لكن الملاحم العربية القديمة كانت تعمل بطريقة مختلفة تماما، تشبه ما يمكن تسميته بالعوالم الممتدة، فهي تضم شبكة ضخمة من الشخصيات المختلفة القبائل، والصراعات الكبرى بين الإمبراطوريات، والتحالفات الخفية، والحروب التي قد تتمدد وتنتقل من بلد إلى بلد. وتجاهل هذه الملاحم اليوم يحرم السينما والدراما العربية من فرصة الذهاب بعيدا لبناء عوالم درامية غنية وممتدة، ومن ناحية أخرى يزيد هذا التجاهل الاستمرار في حبس التراث في أعمال تاريخية تقريرية ومملة.

هذا التجاهل تؤكده الباحثة والمترجمة الألمانية المتخصصة في التراث العربي كلاوديا أوت في أبحاثها وترجماتها للمخطوطات الملحمية، إذ ترى في رسالة نيلها لدرجة الدكتوراه المعنونة بـ"تحولات الملحمة: سيرة المجاهدين/ سيرة الأميرة ذات الهمة بين الشفاهية والتدوين" أن العرب أهملوا جزءا كبيرا من أرشيفهم الملحمي وتركوه في أدراج المكتبات دون تحقيق أو اقتباس فني، بينما انكب المستشرقون على دراسته، وهي تشدد في ورقة بحثية أخرى معنونة بـ"من المقاهي إلى المخطوطة: الراوي وجمهوره في مخطوطات الملحمة العربية" على أن السيرة الشعبية العربية سبقت هوليوود بقرون، عبر خلق "أكوان درامية ممتدة" كانت تغذي مخيلة الجمهور وتعيش معهم عبر الأجيال.

KHALED DESOUKI / AFP
موظف مصري يضع نسخا من كتاب "ألف ليلة وليلة" على رف في مكتبة بالقاهرة

ويعود هذا التجاهل في جوهره إلى عدم فهم نوعية هذا الأدب، وربما السبب عقدة الأكاديميا والنقد التاريخي والأدبي الصارم للأعمال السينمائية التاريخية، أو لتلك المستوحاة من الأعمال الأدبية، إذ لم تكتب السير الشعبية لتوثيق التاريخ بحذافيره، بل كانت نوعا من الخيال الملحمي الذي يمزج السحر والفروسية بالواقع السياسي. ويتعامل صناع الأفلام والدراما اليوم معها إما كمستند تاريخي صلب فيحبطون من مبالغاتها، أو يتجاهلونها باعتبارها خرافات بلا قيمة. والحل يكمن في رؤيتها من زاوية جديدة باعتبارها فانتازيا تاريخية عربية بها جانب من الصوابية.

صناع الأفلام والدراما اليوم يتعاملون مع السير الشعبية إما كمستند تاريخي صلب فيحبطون من مبالغاتها، أو يتجاهلونها باعتبارها خرافات بلا قيمة

في سنة 2000 قدمت لنا الدراما السورية معالجة درامية رائعة لقصة "الزير سالم" في مسلسل يحمل الاسم نفسه، ولا يزال حاضرا في الذاكرة العربية حتى اللحظة.

IMDb
زهير عبد الكريم وسلوم حداد في مسلسل "الزير سالم" (2000)

 ولا يمكن إنكار بعض المحاولات الدرامية المصرية لإنتاج "ألف ليلة وليلة"، ربما أفضلها هو مسلسل "جودر" الذي عرض في شهر رمضان 2024/ 2025 على جزأين، لكن من بعد أفلام "وا إسلاماه" وعنترة بن شداد (1961)، والناصر صلاح الدين (1963)، أهملت السينما العربية الملاحم والسير الشعبية، في الوقت الذي يقع فيه صانع السينما العربي في فخ الاستشراق الذاتي، فهو أولا ينظر الى الملحمة العربية بعيون أميركية، فيقارن بينها وبين الغربية وهما شتان، ثم أنه يسعى وراء اقتباس المسلسلات التاريخية التركية (مسلسل "سراي عابدين" كان قريبا في كثير من تفاصيله لمسلسل "القرن العظيم")، أو تناول التفاصيل العادية العربية بصورة غربية (جاءت بعض لقطات فيلم "أسد" المصري بطقوس ومشاهد تبدو تغريبية وبعيدة تماما عن الواقع)، أو أنه يقع في فخ تمجيد التجربة الأميركية التي تكرر تناول حرب طروادة ورحلة عودة أوديسيوس بين فترة وأخرى، في حين أنه يغفل كنزا ملحميا يمكن أن ينهل منه لسنوات دون تكرار، ويخشى الاقتراب منه، والأسباب بالفعل غير مفهومة، وغير مبررة.

فهل يمكن أن ينتصر صناع السينما اليوم للظلم الذي وقع على الملاحم العربية، على أيدي العلماء وأهل النخب العرب على مر العصور؟

font change