قبل عام، وقف الرئيس السوري أحمد الشرع على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. كانت أهمية المشاركة في وجوده. سوريا الخارجة من حكم بشار الأسد وعقود العزلة عادت إلى المنصة الدولية.
يعود الشرع هذا الأسبوع للمرة الثانية، لكن بسوريا مختلفة وأسئلة مختلفة. في العام الماضي كان التحدي سياسياً. الاعتراف بـ"سوريا الجديدة"، ورفع العقوبات وفتح الأبواب المغلقة. اليوم أصبح التحدي اقتصادياً. كيف يلمس السوري نتائج هذا الانفتاح في حياته؟
السؤال طرحه الشارع قبل أن تطرحه اجتماعات نيويورك. شهدت مناطق سوريا احتجاجات على ارتفاع أسعار المحروقات. وفي بلد تتسع فيه دائرة الفقر، لا يبقى ارتفاع سعر الديزل والبنزين قراراً اقتصادياً؛ بل ينتقل إلى النقل والغذاء والتدفئة والإنتاج.
حتى الجدل حول حفلة أصالة نصري لم يكن فنياً فقط. من حق السوريين استعادة حياتهم الطبيعية بعد سنوات الحرب، بما فيها الحفلات والثقافة. لكن عندما تتسع دائرة الفقر وترتفع أسعار الطاقة، تتحول حفلة كبيرة إلى نقاش عن الأولويات، وعن المسافة بين صورة "سوريا الجديدة" والواقع المعيشي للسوريين.
وهنا يأتي مؤتمر إعمار سوريا والرهان على الاستثمارات الخارجية، وفي مقدمتها الخليجية. ومنذ سقوط الأسد، كانت السعودية من أبرز الدول التي تعاملت مع استقرار سوريا باعتباره مصلحة عربية، وليس مجرد ملف سوري. دعمت انفتاح دمشق على العالم، ودفعت باتجاه رفع العقوبات وتخفيف الأعباء الاقتصادية، وشجعت الانتقال من العزلة إلى الاستثمار والإعمار.
لكن الرياض التي تراهن عليها دمشق تواجه محاولات اعتداءات إرهابية. الحوثيون يهددون السعودية بصواريخ ومسيّرات، وتوسعهم على الساحل اليمني واقترابهم من باب المندب يضيفان خطراً على أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم. وفي الجهة الأخرى، يتعرض أمن الطاقة لضغوط هرمز والمواجهة مع إيران.
وهنا تصبح المسافة بين اليمن وسوريا أقصر مما تبدو. فكل محاولة حوثية، وكل تهديد إيراني عبر وكلائها لباب المندب أو خطوط الطاقة، يرفع كلفة الاقتصاد الإقليمي ويعيد ترتيب الأولويات. وهذه الكلفة تصل إلى سوريا أيضاً.
ارتفاع أسعار الطاقة يضغط على الاقتصاد ويزيد كلفة المعيشة. واعتداء صاروخي على بُعد آلاف الكيلومترات من دمشق يمكن أن تصل شظاياه الاقتصادية إلى الجيب السوري.
لكنّ هناك جانباً آخر من التجربة السورية يستحق التوقف عنده. أحد أهم الاختبارات التي خاضتها "سوريا الجديدة" منذ نهاية 2024، كان محاولة إنهاء الفصائلية وإعادة السلاح إلى الدولة. أعيدت هيكلة الجيش، ودُمجت فصائل في مؤسساته، ومضت دمشق في مسار دمج "قسد"، بهدف الوصول إلى جيش واحد وقرار عسكري واحد، بدلاً من جيوش وميليشيات تتقاسم الأرض والسلاح والولاءات.
لم تُحلّ كل المشكلات، ولم تكتمل كل مراحل الدمج، لكن الاتجاه واضح. لا تستقر دولة بوجود بنادق متعددة وقرارات متعددة للحرب والسلم. وهنا أيضاً تصبح المسافة بين دمشق واليمن قصيرة. ما يجري في اليمن يقدم الصورة المعاكسة. فبدلاً من احتكار الدولة للسلاح، استطاعت الميليشيات الحوثية بناء قوة عسكرية موازية للدولة، ثم استخدام هذه القوة للسيطرة على الأرض وفرض الأمر الواقع، قبل أن يتجاوز خطرها حدود اليمن إلى الجوار براً وبحراً.
التجربة السورية تقدم درساً مهماً هنا. لا يكفي احتواء الميليشيات أو التعايش معها إلى ما لا نهاية
وعندما تستطيع ميليشيا مسلحة تهديد دولة مجاورة وأماكن مقدسة، واستهداف منشآت وخطوط للطاقة، والتأثير في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، يصبح بناء الدولة اليمنية واستعادة قرارها جزءاً من أمن المنطقة والاقتصاد العالمي. لذلك فإن دعم الدولة والشرعية اليمنية لم يعد شأناً يمنياً فقط.
التجربة السورية تقدم درساً مهماً هنا. لا يكفي احتواء الميليشيات أو التعايش معها إلى ما لا نهاية. المطلوب دعم بناء مؤسسات الدولة وتقوية الجيش وتوحيد البندقية، بحيث يصبح قرار الحرب والسلم في يد الدولة. وهذا ما تحتاج إليه سوريا لاستكمال انتقالها، وما يحتاج إليه اليمن للخروج من حربه. وكما رفعت واشنطن غطاءها عن "قسد" يجب أن ترفعه عن الحوثي.
لا تحتاج سوريا وحدها إلى الاستقرار. تحتاج المنطقة أيضاً إلى استعادة معادلة افتقدتها طويلاً: دولة أقوى، وجيش واحد، وبندقية واحدة
قبل عام، ذهب الشرع إلى نيويورك وفي حقيبته سؤال الاعتراف السياسي. هذه المرة يحمل سؤالاً أصعب. كيف يتحول الاعتراف إلى استثمار، والاستثمار إلى وظائف، والانفتاح إلى تحسن يلمسه السوري في حياته؟
الإجابة ليست في دمشق وحدها. فسوريا تراهن على محيط عربي لمساعدتها على التعافي وإعادة الإعمار. لكن هذا المحيط يحتاج إلى حماية دوله ومصادر طاقته وممراته البحرية من تهديد الميليشيات.
لذلك، لا تحتاج سوريا وحدها إلى الاستقرار. تحتاج المنطقة أيضاً إلى استعادة وصفة الاستقرار. دولة أقوى، وجيش واحد، وبندقية واحدة. ومن سوريا إلى اليمن، لا يكفي أن تصبح الدولة أقوى. الحل يبدأ بإضعاف الميليشيات... وليس العكس.