الموهبة المحجوبة

الموهبة المحجوبة

ارتبط المسرح المدرسي في السعودية منذ مراحله المبكرة بالأنشطة التعليمية والمسابقات والبرامج التي أتاحت للطلاب الاقتراب من الخشبة وتجربة أشكال متعددة من التعبير. ومع التحولات التي يشهدها القطاع الثقافي، واتساع حضور المسرح والفنون الأدائية، يبدو أن السؤال لم يعد متعلقا بوجود المسرح في المدرسة بقدر ما أصبح متعلقا بما تستطيع المدرسة أن تراه من مواهب، وما إذا كان هذا الاكتشاف يفتح أمامها طريقا للاستمرار.

شهد المسرح المدرسي خلال السنوات الأخيرة عودة مهمة من خلال التعاون بين وزارتي التعليم والثقافة، ممثلة بهيئة المسرح والفنون الأدائية، وما صاحبه من تدريب للمعلمين وتنظيم للمشاركات والمسابقات. وهي خطوات أعادت للمسرح حضوره داخل البيئة التعليمية، لكن قيمة هذه التجربة لا تقاس بعدد العروض والمشاركين وحده، فهناك فرق بين نجاح النشاط في الوصول إلى الطلاب، ونجاحه في التعرف إلى الطالب الذي يملك موهبة تستحق أن تذهب أبعد من النشاط نفسه.

فالمدرسة هي المكان الذي يمر به المجتمع كله تقريبا في مرحلة مبكرة من العمر، وقبل أن تتحدد لدى الطالب خياراته المهنية، أو يعرف أحيانا أين تكمن موهبته. والمسرح هنا لا يعني التمثيل وحده، بل إن خلف الخشبة كاتبا ومخرجا، ومصمما للمشهد والإضاءة، ومتخصصين في الصوت والملابس والمكياج وإدارة الإنتاج. وقد تكشف تجربة مدرسية واحدة مواهب مختلفة تحتاج إليها الصناعات الثقافية لاحقا، بينما يظل أصحابها خارج الصورة لأننا اعتدنا البحث عن الممثل الذي يقف أمام الجمهور أكثر من بحثنا عمن يصنع العمل معه.

غير أن اكتشاف الموهبة لا يبدأ دائما من الطالب الأكثر حضورا أو جرأة، فالمسابقات والعروض قد تكشف المؤدي الجيد، لكنها لا تكشف بالضرورة كل ما في المدرسة من طاقات مسرحية. قد يكون الكاتب بين الطلاب الذين لا يرغبون في الوقوف على الخشبة، وقد تظهر موهبة المصمم أو المخرج في طريقة نظره إلى المشهد، لا في رغبته في الظهور على الخشبة. ولذلك فإن اتساع معنى الموهبة يقتضي اتساع أدوات اكتشافها، حتى لا يصبح الظهور شرطا أوليا لرؤية من يمكن أن يصنع المسرح لاحقا.

المسابقات والعروض قد تكشف المؤدي الجيد، لكنها لا تكشف بالضرورة كل ما في المدرسة من طاقات مسرحية

وليس ذلك بعيدا عن تاريخ الفن السعودي نفسه، فقد ظهرت موهبة الفنان الراحل: بكر الشدي مبكرا على مسرح المدرسة قبل أن تتسع تجربته في جامعة الملك سعود، وبدأ ناصر القصبي نشاطه المسرحي من الجامعة بعد تجربة مدرسية مبكرة. وفي جدة تطور نادي المسرح في "دار الحكمة" إلى مقرر رسمي لفنون المسرح، وقدمت طالباته أعمالا على مسرح الجامعة، فيما بدأ راشد الشمراني على مسرح المدرسة في المرحلة المتوسطة، ثم وجد في الجامعة بكر الشدي الذي تبنى موهبته. وبين الاكتشاف الأول وما يأتي بعده مسافة تبدو صغيرة في سيرة فنان، لكنها قد تكون المسافة كلها بين موهبة تمر عابرة وأخرى تجد طريقها.

وهنا تقع الحلقة التي تستحق النظر: ليس اكتشاف الموهبة في حد ذاته، وإنما ما يحدث لها بعد ذلك. فقد يبرز طالب في عرض أو مسابقة، ويحصل على تقدير أو جائزة، ثم يعود إلى حياته المدرسية، بينما تكون موهبته قد بلغت النقطة التي تتجاوز عندها إمكانات المدرسة ووظيفتها التعليمية.

ولا يعني ذلك تحويل المدارس إلى أكاديميات للفنون، ولا أن يصبح كل من يقف على خشبة مسرح مدرسي مشروع فنان محترف، وإنما أن يكون المسرح قادرا على كشف نواة ذلك الفنان حين تظهر. فالمدرسة ليست مطالبة بصناعة الفنان، وإنما بأن لا تفقد موهبته حين تكتشفها، وأن تكون لحظة اكتشافها أول الطريق لا آخره.

وتزداد أهمية هذه الحلقة لأن الصناعات الثقافية تستطيع أن تتوسع في المباني والمهرجانات والإنتاج أسرع من قدرتها على تكوين الإنسان الذي سيعمل داخلها. وهي مسألة لا تخص المسرح وحده، فكل صناعة إبداعية تتسع من نهايتها، من السوق والمؤسسات والمنصات، تحتاج في الوقت نفسه إلى أن تسأل عن بدايتها: من أين يأتي الكاتب والمخرج والمصمم والتقني والموسيقي القادم، ومن اكتشفه للمرة الأولى؟

المدرسة ليست مطالبة بصناعة الفنان، وإنما بأن لا تفقد موهبته حين تكتشفها، وأن تكون لحظة اكتشافها أول الطريق لا آخره

ومع اتساع الاستثمار والأسواق الجديدة للثقافة والفنون في السعودية، يصبح من الطبيعي، بعد مرحلة التأسيس والتوسع، أن تنتقل العين إلى الإنسان الذي سيمنح هذه المؤسسات محتواها. ولذلك قد لا نحتاج إلى مسرح احترافي في كل مدرسة بقدر حاجتنا إلى أن لا تمر موهبة حقيقية في أي مدرسة من دون أن تجد من يراها ويعرف أين تبدأ خطوتها التالية.

فالموهبة المحجوبة ليست موهبة غائبة، وإنما موهبة كانت موجودة طوال الوقت، ولم نرها في اللحظة التي كان يمكن أن تبدأ منها الحكاية.

font change

مقالات ذات صلة