أثر المكان وظلال الماضي في روايات سعودية معاصرة

سجل حي لعادات ونمط حياة وأحداث صارت تاريخا

أثر المكان وظلال الماضي في روايات سعودية معاصرة

حين نشر حمزة بوقري "سقيفة الصفا" في مطلع الثمانينات، لم يكن يستعيد مكة لأنها مدينة وقعت فيها أحداث تستحق أن تسجل وتوثق فحسب، إنما كان يكتب البيت والحارة، المدرسة والكتاتيب، الحرم والمهن والعادات ووجوه الناس في مدينة تتغير، هي التاريخ نفسه، أو جانبه الذي لا يظهر دائما حين تصبح السنوات والأحداث الكبرى عناوين للزمن. لم تكن "سقيفة الصفا" رواية تاريخية بالمعنى الخالص، لكن الذاكرة فيها سبقت التاريخ إلى التقاط حياة المكان، وكأنها فتحت مبكرا بابا ستعود منه روايات سعودية لاحقة اتخذت من التاريخ مرجعيتها، وسرديتها التخييلية.

تاريخ الإنسان العادي

منذ ذلك الباب، لم يعد السؤال مقتصرا على قدرة الرواية على استعادة الماضي، بل على ما تعيده معها حين تفعل ذلك. فالواقعة يمكن تثبيتها، وتاريخ المعركة قابل لمراجعته، واسم الحاكم أو الطريق سيرد إلى مصدره، لكن ماذا عن إنسان لم يكن يعرف، وهو يعيش يومه العادي، أن ذلك اليوم سيصبح بعد عقود جزءا من التاريخ؟

في رواية "سفر برلك" (2019) لمقبول العلوي، يصغر التاريخ حتى يصبح في حجم عين طفل. قرب بئر درويش في المدينة المنورة عام 1915، يسمع ذيب صفيرا ويرى ذلك الشيء الذي يشق الصحراء، قبل أن يصيح أحد الرجال: "القطار". نحن نعرف اسمه، ذيب لا يعرفه. والقطار الذي صار بالنسبة إلينا معلومة، يعود للحظات شيئا لم يره إنسان من قبل. ثم يجعل ذيب، المختطف والمباع والمرحل عبدا، التاريخ هنا يقع على جسد بعينه، فما تسميه الكتب تهجيرا يعرفه الطفل خوفا وجوعا واقتلاعا وطريقا إلى مكان آخر، وثقافة أخرى، وتاريخ ولادة جديدا.

الجسد نفسه يأخذنا إلى "السنبوك الأسود" (2025) لإبراهيم الوافي، لكن البحر هذه المرة هو الذي يفتح الحجاز. يصل الصبي المخطوف إلى ينبع النخل، حيث السوق والنخيل والخصف ومجاليد التمر والماشية، وفي زاوية من هذه الحياة سوق للعبيد يمتد طريقه إلى المدينة. المكان موثق بتفاصيله، والرواية لا تجعله خلفية للواقعة، ففيه يصبح الجسد سلعة، ثم تكشف الصكوك وجها أشد قسوة: أسماء أطفال ماتوا يمكن أن تبقى في الأوراق، يعاد تحريرها لتمنح أطفالا مخطوفين هويات ليست لهم. كأن النظام لم يكن يملك جسد الإنسان وحده، كان يستطيع أن ينتزع منه حتى اسمه. وحين يصل سالم بعد ذلك إلى دمشق، تبقى ينبع النخل في ذاكرته: المكان الذي عبره لم يبق خلفه تماما، بل مضى معه.

حياة تمضي في المكان، وطفل يرى التاريخ قبل أن يعرف اسمه، وصبي يدخل المكان مسلوبا ثم يحمله في ذاكرته بعد أن يغادره

هكذا يلتقي، من بعيد، زمن الوافي بزمني بوقري والعلوي. مكة والمدينة وينبع ليست مكانا واحدا في الروايات الثلاث، ولا الإنسان هو الإنسان، لكن الحجاز الذي تستطيع الوثيقة أن تؤرخ تحولاته باليوم والشهر والعام يظهر في الرواية من جهة أخرى: حياة تمضي في المكان، وطفل يرى التاريخ قبل أن يعرف اسمه، وصبي يدخل المكان مسلوبا ثم يحمله في ذاكرته بعد أن يغادره. التاريخ يؤرخ لتحول المكان، أما الرواية فتستطيع أن تحفظ تحول الإنسان داخله.

أثر الزمن

وحين تنتهي حقبة زمنية، يبقى أثرها في الإنسان. وتلك هي المسافة التي يدخل منها حسين الأمير في "ظل العبيد" (2025)، فهو لا يضعنا أمام الإنسان وهو داخل نظام الرق فحسب، بل أمام ما يستطيع ذلك النظام أن يتركه بعد أن تنتهي صورته المباشرة. قد تختفي المؤسسة ويبقى شيء من لغتها، ويموت صاحب الوصية ويبقى صوته قادرا على إدارة قرار من جاء بعده. ومع الاعترافات المتعاقبة لا تعود الذاكرة خزينة واحدة، إنما يتوزع الماضي بين أفواه عدة، ويصبح اختلاف من يتذكر جزءا مما نتذكره. هنا يكون التاريخ قد عبر الإنسان وبقي شيء منه فيه.

غلاف "ظل العبيد"

ولا يبقى الماضي في الإنسان بما وقع له أو عليه وحده، بل بما تخيله أيضا. فعند رجاء عالم في "مسرى يا رقيب" (1997) يذهب المكان إلى ما وراء ذاكرته التاريخية. فوادي عبقر، الذي حمله المخيال العربي طويلا إلى عالم الجن والشعر، لا تستعيده الرواية لتبحث عما يثبت وجوده على الخريطة، إنما لتبني منه مكانا يستطيع الخيال أن يواصل فيه ما بدأته الحكاية التراثية القديمة. وكأن الرواية تعيد الماضي إلى زمن لم تكن فيه الحدود واضحة بين ما يعرفه الإنسان وما يتخيله. هنا لا تصبح الأسطورة تاريخا، لكنها تحفظ جانبا من تاريخ المخيلة التي صنعتها ورددتها، ومنحت المكان حياة تجاوزت ما تستطيع الجغرافيا وحدها الاحتفاظ به.

وما تصنعه المخيلة بالمكان قد تصنعه بحياة جماعة كاملة. في "ساق الغراب - الهربة" (2008) ليحيى إمقاسم، لا تبقى حكاية "صادقية"، التي تقول جماعتها إن الجن اختطفوها ثم أعادوها، خرافة للتسلية، بقدر ما تمنح صاحبتها معرفة وهيبة ومكانا في صناعة القرار. تحفظ الرواية حولها ما هو أوسع: عالما له طريقته في الأرض والعمل والحب والشجاعة وتأثير المرأة وسلطة القبيلة، وله لغته وأهازيجه وأعرافه والطريقة التي يفسر بها ما يعرف وما يعجز عن معرفته. وحين تقترب سلطة الدولة ويتصدع ذلك العالم، لا يتغير من يحكم فقط، تتغير معه مصادر اليقين والعلاقات ونظام الحياة نفسه. هنا لا تحفظ الرواية حادثة من تاريخ الجنوب بقدر ما تمسك عالما في اللحظة التي كان يغادر فيها الحياة إلى التاريخ.

ثم إن الحياة لا تحفظ زمنها بالمعتقدات والحكايات وحدها. يكفي أحيانا أن يكون للسيل اسم. في "غواصو الأحقاف" (2016) لأمل الفاران، السيل الذي يضرب "العقيق" له اسم: "قشاش"، يهدم البيوت والمزارع، ثم يأتي الجراد إلى ما أبقاه الماء. الكارثة تكشف الناس أكثر مما تصف نفسها: من يتجاوز خصومة، ومن يبقى أسيرها، ومن تظهر شهامته حين يصبح البيت مهددا. وتحت شجرة السمر "مريفة" تتلى العهود بين الجماعات المتخاصمة. كل هذه الأشياء والرمزيات لا تؤرخ للزمن، لكنها تمنحه حواسه، فالتفصيل الصغير لا يكتسب قيمته لمجرد وجوده، وإنما بما يفعله في حياة أصحابه.

الحكاية الناجية

الحكاية نفسها قد تكون ما نجا. في "عقدة الحدار" لخليف الغالب، ينتقل الماضي من المكان إلى الحكاية. وحين تقف في أصل العمل "سالفة" عن رجل دفعه الفقر إلى أن يبيع نفسه، يتدخل السرد لاستعادة ما حدث. كان يكفي للسالفة أن تحفظ أن رجلا باع نفسه، لكن الرواية احتاجت إلى أن تسأل كيف يصل إنسان إلى اللحظة التي يصبح فيها جسده آخر ما يملك. فالواقعة قطعت طريقها من حياة إلى ألسنة وذاكرة تاريخية ثم إلى تخييل أعاد بناء عالمها. لا تحفظ الرواية ما حدث وحده، بل الطريق الذي سلكته الحكاية إلينا.

كل هذه الأشياء والرمزيات لا تؤرخ للزمن، لكنها تمنحه حواسه، فالتفصيل الصغير لا يكتسب قيمته لمجرد وجوده، وإنما بما يفعله في حياة أصحابه

وقد تصل الحكاية ناقصة. عند أميمة الخميس في "عمة آل مشرق" (2024) تأتي قصة الجازي إلى الحفيد فواز بعد قرن ناقصة، ولذلك تبدأ رحلة البحث. أصوات تحاول آلة تسجيل قديمة الاحتفاظ بها، يصل بعضها مشوشا، ثم يأتي حفيد بالكاميرا والفيلم لإعادة بناء ما انقطع. وكأن كل جيل لا يرث الماضي نفسه، بل يرث أداة جديدة يحاول بها الوصول إليه. وكلما أضافت الروائية وسيلة لحفظ الجازي، كشفت في الوقت نفسه عجز الوسيلة عن إعادتها كاملة، فالتسجيل يحتفظ بصوت مشوش، والكاميرا تأتي بعد غياب صاحبة الصورة. أدوات الحفظ هنا لا تهزم الفقد، بل تمنحه شكلا وشاهدا على ما سبق.

ومن الأداة التي تحاول حفظ الإنسان إلى الإنسان الذي يحمل معرفة لم تكتب، تدخل بدرية البشر في "سر الزعفرانة" (2023) التاريخ من البيت. الجراد والجدري والتحولات موجودة، لكنه يدخل قهوة تحمس، وقماشا يلمس ويخاط، ومجلس نساء، وعلاجا شعبيا. تتعلم نفلة من زعفرانة المملوكة العلاج بالأعشاب والحكاية معا، وفي هذا الانتقال الصغير تختل تراتبية أكبر، فالمعرفة لا تسير دائما في اتجاه السلطة. أحدهما يحاول إبقاء الجسد، والأخرى تبقي شيئا مما عاشه أصحابه، وحين يضع الجدري الأول أمام عجزه، يبقى للثانية عمر قد يتجاوز عمرهم.

قراءة الزمن

والجسد ذاته الذي يحاول العلاج إبقاءه يصبح في "دموع الرمل" (2023) لشتيوي الغيثي موضعا آخر لقراءة الزمن. شوكة تدخل قدم رجل فتسقطه، امرأة تلد، أغنام تثغو، خيل تصهل، وبارود تقترب رائحته من الحواس. وخلف نوير وعائلتها تمر تحولات تأسيس الدولة السعودية الثالثة وآل رشيد وتمرد الإخوان. وتشتد الرواية حين لا تتوقف الشخصيات لتشرح التاريخ الذي وقع عليها، فلا نذهب إليها لكي نأخذ منها ما حدث، بل لنقترب من الكيفية التي مضت بها الحياة بينما كان يحدث. الصحراء هنا لا تدخل من باب الرمل وحده، تدخل من الجلد أيضا.

ولعل قوة الرواية التاريخية لا تبدأ حين تعرف الماضي جيدا فقط، بل حين تستطيع أن تنسى بعض ما يعرفه الحاضر عنه. فالكاتب يعرف ما انتهت إليه الواقعة، أما الشخصية فتعيشها وهي لا تعرف بعد إلى أين تمضي. وبين المعرفتين يقع واحد من أصعب امتحانات السرد التاريخي: ألا تحمل الشخصية أكثر مما كان زمنها وموقعها يتيحان لها أن تعرف. وحين يعيد إليها السرد جهلها بالمستقبل، يعود الماضي حياة لا درسا.

غلاف "التغريبة النجدية"

لهذا تبدأ "التغريبة النجدية: العقيلات" (2024) لمحمد المزيني قبل الطريق: من بيت لم يعد يكفي أهله، ومن الجوع وذاكرة الوباء، ومن امرأة حامل ورجل لا يعرف ما ينتظره خلف الأفق. المدن التي بلغها العقيلات يستطيع التاريخ أن يحصيها، أما ما يصعب إحصاؤه فهو مقدار نجد الذي ظل يمشي معهم بعدما غادروها. الخريطة تعرف أين ذهب الرجل، أما الرواية فتسأل عما تركه وراءه، وعما بقي منه وهو يبتعد.

قوة الرواية التاريخية لا تبدأ حين تعرف الماضي جيدا فقط، بل حين تستطيع أن تنسى بعض ما يعرفه الحاضر عنه. فالكاتب يعرف ما انتهت إليه الواقعة، أما الشخصية فتعيشها وهي لا تعرف بعد إلى أين تمضي

أحيانا لا يحتاج المكان إلى أن يمشي مع صاحبه، يكفي أن يضع اسمه عليه. في "أوراق هجر" لأحمد السبيت، سمى الكاتب بطله "هجر"، ثم أخرجه من هجر إلى الرياض ومكة وجدة. كأن المكان، قبل أن تبدأ الرحلة، وضع اسمه على صاحبه. وكلما ابتعد الرجل جغرافيا، تعذر على السرد أن يفصله عنه، حتى يصبح الخروج من المكان هو ما يكشف مقدار بقائه فيه.

معرفة كاملة

وقد تسافر مع الإنسان معرفة كاملة. في "فيلق الإبل" (2025) لأحمد السماري، كانت الإبل في حياة مناور رزقا وطريقا ومعرفة، ثم تعبر إلى أميركا وتصبح جزءا من مشروع عسكري في صحراء أخرى. الحيوان لم يسافر وحده، سافر معه رجل يعرف كيف يقوده ويقرأ عطشه، معرفة لم تكن تحتاج في نجد إلى أن تكتب لأنها كانت جزءا من الحياة. والمفارقة أن المشروع الأميركي استطاع استيراد الإبل، بينما احتاجت الرواية إلى استعادة الرجل الذي يعرفها، فالوثيقة تنقل الحيوان بين قارتين، أما المعرفة التي جعلت وجوده ممكنا هناك فلا تسافر في سجل الشحن.

وبين معرفة الإنسان بما يراه ومحاولته تفسير ما لا يراه، تأتي "سادن" لجريدي المنصوري (2024). فالغار الذي ينتظر عنده جهار "سقوة" الشعر، والجن الذين تفسر بهم الجماعة أصوات الليل، والحكايات التي تتناقلها المجالس، لا تحتاج إلى أن تصبح وقائع تاريخية كي يكون أثرها حقيقيا فيمن خافها أو صدقها أو ذهب إلى المكان تحت تأثيرها. هنا يحمل المكان أسطورته، ثم تعود الأسطورة لتشارك في صنع صورة أهله عنه. وبين ما يستطيع المرجع إثباته وما أبقته الرواية الشفهية، يبقى شيء آخر من الماضي: الطريقة التي فسر بها الإنسان ما لم يعرفه، وما عاشه وهو يعتقد أن عالمه يتسع لما لا يراه.

ذلك الإنسان نفسه، الذي لا يعرف ما سيختاره التاريخ من حياته، يظهر في "الحفائر.. حفرة الجبل" (2024) لخالد النمازي حين تضع الرواية أبطالها في مواجهة الحدث الأكبر. تاريخ الإدريسي ومعركة الحفائر نأخذه من المؤرخ، أما امتحان السرد ففيما يقع تحته: ثلاثة أجيال، ومحاكم ومدارس ومعيشة تتبدل. كلما تراجع الحدث قليلا ظهرت الحياة التي لا تحمل أسماء المعارك، وكلما بقي وحده في المقدمة اقتربت الرواية من الكتاب الذي أرادت أن تبدأ بعد صفحته الأولى.

مكان يبقى بعد أهله، وسالفة تنجو في عائلة، وطفل يرى القطار قبل أن يعرف اسمه، وصك لمملوك يعيش أطول من صاحبه، وقهوة تحمس في بيت يدخله الوباء، وشوكة تعرف قدم رجل في الصحراء، وصوت يصل مشوشا بعد غياب أصحابه، وناقة تحمل معها معرفة إنسان إلى صحراء أخرى.

لم يكتب جميع هؤلاء الروائيين زمنا واحدا، ولا عادوا إلى التاريخ من الباب نفسه، لكن اجتماع أعمالهم يكشف ما لا تقوله رواية منفردة: كأن الرواية السعودية كانت، على سنوات متباعدة، تجمع سيرة أخرى للماضي، لا سيرة أحداثه، بل سيرة الإنسان والمكان والذاكرة. فما حفظه أحدهم في جسد، أبقاه آخر في مكان، وما تركته الوثيقة عند أحدهم حملته الذاكرة عند الآخر.

غلاف "سقيفة الصفا"

تاريخنا قصة

وفي السنوات الأخيرة اتخذ هذا المسار صورة مؤسسية أيضا مع مبادرة "تاريخنا قصة". لم تبدأ الرواية التاريخية السعودية من المبادرة، فالمسار أقدم منها، لكنها جعلت الاشتغال على التاريخ فعلا مقصودا ومدعوما، وفتحت مساحة أخرى للعلاقة بين المرجع والتخييل. فالمؤسسة تستطيع أن تفتح الأرشيف، لكن ما يفعله الخيال بعد فتحه هو الامتحان الحقيقي: قد يدخل المرجع الرواية معلومة كما خرج من مصدره، وقد يذوب في عالمها حتى يعود زمنا يعيش فيه الإنسان.

لعل المفارقة أن كثيرا مما التقطته هذه الروايات لم يكن، حين عاشه أصحابه، "تراثا" ولا "ذاكرة". كان مجرد حياة. فالذين صاروا أسماء في الذاكرة كانوا، قبل ذلك كله، أناسا يعيشون يومهم

ويصبح الامتحان أدق حين تقترب الرواية من التاريخ السياسي وشخصياته، فالشخصية السياسية ليست واقعة أخرى في الأرشيف، ولا ينبغي لكي تصبح إنسانا في الرواية أن تفقد مقامها في التاريخ. فالكاتب يعرف ما انتهت إليه حياتها والصورة التي استقرت لها بعد عقود، بينما هي داخل الرواية لا تعرف ما سيأتي. وكلما اقترب الروائي من "أنا" تلك الشخصية، ازدادت مسؤوليته تجاه حقيقتها وما كان زمنها يتيح لها أن تعرف وما لم تكن قد عرفته بعد، واتسعت في الوقت نفسه مساحة التخييل القادر على استعادة صوتها الإنساني وما قد تجمده الصورة الواحدة.

ولعل المفارقة أن كثيرا مما التقطته هذه الروايات لم يكن، حين عاشه أصحابه، "تراثا" ولا "ذاكرة". كان مجرد حياة. فالذين صاروا أسماء في الذاكرة كانوا، قبل ذلك كله، أناسا يعيشون يومهم، يخافون ويحبون ويرحلون، ولا يعرفون ماذا سيبقى منهم بعدهم.

font change