ليس صعبا أن نأخذ إنسانا إلى الثقافة مرة. قد يفعلها الفضول، أو مناسبة جديدة، أو اسم لامع، أو مكان افتتح حديثا، أو صديق اقترح الخروج. الأصعب أن تصبح الثقافة بعد ذلك واحدة من الأشياء التي تخطر له حين يسأل نفسه: ماذا أفعل بوقتي؟
وما يفصل بين المرتين ليس الوقت وحده. في الأولى قد تكفي المصادفة، أما الثانية فتحتاج إلى رغبة. فالعودة، ليست الزيارة الأولى، إنما هي اللحظة التي تبدأ فيها العلاقة. لهذا لا تبدو وفرة الخيارات الثقافية في السعودية خلال الأعوام الماضية نهاية السؤال، إنما بدايته. مسارح ومعارض ومتاحف ومهرجانات ومكتبات وتجارب جديدة جعلت الوصول إلى الثقافة أقرب وأكثر تنوعا. غير أن كثرة الأبواب لا تعني بالضرورة أن الإنسان سيعود إلى أحدها.
وقد تبدأ علاقة الإنسان بالثقافة قبل أول زيارة يختارها بنفسه. يعرف الطفل موقع الكتاب في البيت، يسمع الحكاية، يرى من يقرأ، ويعتاد أن تكون المكتبة أو المتحف أو الفعالية واحدا من احتمالات يوم الأسرة. وما تفعله الأسرة في تلك السن أبسط من أن يحتاج إلى اسم: يصنع الألفة.
وما يراه الطفل جزء طبيعي من حياة الذين يحبهم يدخل بهدوء في قائمة الأشياء الممكنة في حياته أيضا. وتكشف تجارب أخرى كيف يمكن أن تبنى الألفة الثقافية منذ الطفولة. ففي فرنسا يبدأ الاهتمام بالعلاقة الثقافية منذ الطفولة المبكرة، بحضور واضح للأسرة، ثم تتغير طبيعة هذه العلاقة مع العمر حتى تصل إلى مساحة أوسع من الممارسة والاختيار المستقل. الفكرة الأهم ليست أن يبقى الإنسان في انتظار من يأخذه إلى الثقافة، بل أن يأتي وقت يذهب إليها باختياره، وبمفرده.
وفي إيطاليا تظهر مبادرات تجعل الكتاب والمتحف جزءا من تجربة الأسرة منذ الطفولة، وتجمع بين القراءة والزيارة والوقت المشترك. تكمن أهمية ذلك في أن يدخل المكان الثقافي ذاكرة الأسرة، وأن يصبح جزءا مما تفعله معا، لا مكانا تعرف اسمه من بعيد. فالفرق كبير بين معرفة أن المتحف موجود، وبين أن يصبح دخوله جزءا مألوفا من الحياة. ولا يكفي البيت وحده لصنع علاقة الإنسان بالثقافة. فلو كان البيت وحده يحدد المستقبل الثقافي للإنسان، لتحولت الثقافة إلى ميراث غير عادل. ولهذا تأتي المؤسسات الثقافية، بوصفها تستطيع أن توسع ما يراه الإنسان ممكنا: فن لم يعرفه، ومكان لم يدخله، وتجربة لم تمر في أسرته.
المؤسسات الثقافية تستطيع أن توسع ما يراه الإنسان ممكنا: فن لم يعرفه، ومكان لم يدخله، وتجربة لم تمر في أسرته
ومع ذلك، لا تستطيع المؤسسات الثقافية أن تصنع الرغبة بقرار. يمكن بناء مسرح، ولا يمكن بناء الاشتياق إليه بالطوب نفسه. ويمكن افتتاح متحف، لكن لا يمكن ضمان أن يطلب الزائر العودة.
ومع اتساع الخيارات الثقافية أمام الإنسان تتحول الوفرة من كثرة إلى إمكان للاختيار. فالثقافة ليست بابا واحدا ينبغي على الجميع أن يحبوه. قد لا يجد الإنسان نفسه في المسرح ويجدها في الموسيقى، أو في الرواية أو الفن أو التراث أو السينما. وكلما اتسعت الأبواب، زادت فرصة أن يعثر على بابه. وقيمة المرة الأولى في أن توسع احتمال المرة التالية. قد يبدأ الإنسان بكتاب ويصل إلى مسرح، أو يدخل من الموسيقى إلى التراث، أو يكتشف من معرض واحد عالما لم يكن يعرفه.
ولهذا لا يكفي أن تنجح المرة الأولى. فالجذب يزيل المسافة الأولى بين الإنسان والثقافة، أما التجديد فيمنع النجاح من أن يتحول إلى وصفة تكرر نفسها. وما جذب الإنسان أول مرة قد لا يكون ما يعيده في الثانية. فالموعد الثاني لا يحتاج دائما إلى نسخة أجمل من الموعد الأول، أحيانا يحتاج إلى شيء آخر تماما.
ولا تتشكل الرغبة في العودة من التجربة الثقافية وحدها. فللأصدقاء، ولمن نتبادل معهم الكتب والأفلام والأماكن والاقتراحات، دور في ما نختاره لاحقا. ومع الوقت تتغير الجهة التي تصنع الاختيار: يبدأ الإنسان في مكان اختارته أسرته، ثم يذهب إلى مكان اقترحه صديق، قبل أن يأتي يوم يكون الاقتراح منه، وعندها فقط تكون علاقته بالثقافة قد انتقلت من شيء يصل إليه إلى شيء يبحث عنه.
وحين يصير الاختيار شخصيا، يظهر معنى آخر للانتماء: أن يجد الإنسان في الثقافة شيئا يعرفه، ثم يجد فيها ما لا يعرفه أيضا. أن يرى جزءا من حكايته، ثم يطل منها على حكاية غيره. وبين الاثنين تتسع المساحة التي يستطيع فيها أن ينتمي دون أن ينغلق.
لهذا لا تصنع العلاقة الثقافية يد واحدة. البيت يغرس الألفة، والمؤسسات توسع العالم، والوفرة تمنح مساحة للاختيار، لكن شيئا واحدا يبقى خارج قدرة الجميع: أن يختار الإنسان بنفسه.
حين يصير الاختيار شخصيا، يظهر معنى آخر للانتماء: أن يجد الإنسان في الثقافة شيئا يعرفه، ثم يجد فيها ما لا يعرفه أيضا. أن يرى جزءا من حكايته، ثم يطل منها على حكاية غيره
وربما بلغ المشهد الثقافي السعودي مرحلة يصبح فيها السؤال أقرب إلى الإنسان نفسه: كيف تتحول الثقافة من شيء متاح أمامه إلى شيء يجد له مكانا في حياته؟ حتى يأتي يوم لا يعود فيه الإنسان في حاجة إلى من يقترح عليه الثقافة. يفتح الباب بنفسه. ويذهب إلى موعده الثاني.