لا يستيقظ أحد عادة وهو يفكر أن الأشياء التي يستخدمها كل يوم قد تحتاج، بعد عقود، إلى من يشرحها. إناء في المطبخ، أداة في المزرعة، باب قديم، عبارة يقولها البائع لزبونه، أو شيء صغير يعرف أهل البيت أين يوضع وكيف يستخدم. تبدو هذه التفاصيل واضحة إلى درجة لا تستحق التوقف عندها.
لكن الوضوح نفسه قد يكون سببا في اختفائها. فكثير مما نسميه اليوم "تراثا" لم يعشه أصحابه بهذه الصفة. كان بيتا وسوقا ومهنة وطعاما وعلاقة بين الناس. لم يكن أحد مطالبا بأن يشرح لماذا صنعت أداة على هيئة دون أخرى، أو لماذا يوضع شيء في مكان بعينه، لأن الذين يعيشون حوله يعرفون ذلك من غير شرح. ثم تتغير الحياة، ويبقى الشيء أحيانا وتختفي المعرفة التي كانت تحيط به.
قد تصل أداة زراعية قديمة إلى متحف، وتحفظ جيدا، ويسجل اسمها ومكانها وزمنها. لكن رجلا استخدمها سنوات ربما يعرف لماذا يتآكل جزء منها قبل غيره، وكيف كان يمسكها، وما الذي يغيره فيها حين تتغير الأرض. وقد ترى امرأة إناء قديما فتعرف من أثر النار في قاعه شيئا لا تقوله بطاقة التعريف. وهنا لا يصبح السؤال: هل حفظنا الشيء؟ بل: ماذا بقي مما كان الناس يعرفونه عنه؟
في السعودية يبدو السؤال قريبا، فأشياء كثيرة قطعت خلال حياة أجيال حاضرة مسافة سريعة من الاستعمال اليومي إلى الذاكرة. ما كان جزءا عاديا من البيت أو السوق أو البحر أو المزرعة أصبح مادة للجمع والعرض والتوثيق. وبعض من عرفوا تلك الأشياء قبل أن تصبح تراثا ما زالوا بيننا. وربما كانت سرعة التحول نفسها تجعل هذه المعرفة أكثر هشاشة، فالشيء قد يغادر الاستعمال بينما لا يزال من عرفه حاضرا.
الاختلاف لا يجعل الذاكرة عديمة القيمة، بل يجعلها مادة تسمع وتقارن وتراجع إلى جوار الوثيقة
وهذه فرصة لا تخلو من مشكلة. فالذاكرة ليست وثيقة جاهزة. الإنسان ينسى ويخلط، وقد يتذكر تجربة أسرته ويظنها عادة عامة، وقد يختلف اثنان في اسم الشيء نفسه أو طريقة استعماله. لكن الاختلاف لا يجعل الذاكرة عديمة القيمة، بل يجعلها مادة تسمع وتقارن وتراجع إلى جوار الوثيقة والقطعة. فالوثيقة تستطيع أن تنتظر الباحث، أما صاحب الذاكرة فلا يستطيع.
وربما لهذا لا تكون الخسارة دائما في الأشياء التي ضاعت. قد تكون في الأشياء التي بقيت، بينما رحل بالتدريج من يعرف تفاصيلها. فالقطعة تستطيع أن تعيش في صندوق أو متحف زمنا أطول من الإنسان الذي يعرف لماذا صنعت هكذا، وما اسم جزء صغير فيها، وكيف كانت تدخل في الحياة.
لكن المسألة تبدأ قبل المتحف أساسا. فالإنسان لا يصور عادة الشيء الذي يراه كل صباح كما يصور حدثا استثنائيا، ولا يسجل أصوات شارعه لأنه يظن أنها ستختفي، ولا يكتب كيف يستخدم أداة يعرف الجميع استخدامها. الاستثناء يطلب أن نتذكره، أما العادي فيطمئن إلى أنه سيعود غدا.
ولهذا قد يكون أكثر ما يصعب على المستقبل فهمه هو ما لم يحتج حاضرنا إلى شرحه.
ولا يعني ذلك أن تتحول الحياة كلها إلى أرشيف، أو أن كل شيء يستحق أن يبقى. فمحاولة حفظ كل تفصيل قد تنتج مواد أكثر مما تنتج معرفة. لكن بين حفظ كل شيء وترك العادي تختفي منطقة لا تظهر قيمتها إلا متأخرة: هي تلك التفاصيل التي لا تبدو مهمة منفردة، لكنها حين تجتمع تشرح كيف كانت الحياة تعمل.
وقد تكشف صورة قديمة ذلك بوضوح. يلتقط المصور سوقا أو مناسبة، ثم يأتي شخص بعد عقود فلا يسأل عما قصده المصور، بل عن شيء دخل الصورة بالمصادفة: ما تلك الأداة؟ لماذا يقف الناس بهذه الطريقة؟ ماذا تعني العبارة فوق الدكان؟ وما الذي كان يحدث خارج حدود الصورة؟
ربما يبدأ حفظ التراث حين يكون ما يزال حياة، وما يزال بيننا من يعرف ماذا كانت تعنيه هذه الحياة
وفجأة يصبح الهامش مركزا. وربما يكون هذا معنى آخر للمتحف الحي: أن لا تكون المعرفة بالشيء قد انتهت لحظة حفظه. فالإنسان الذي عاش معه قد يحمل جزءا من تفسيره، والزائر نفسه قد يدخل أحيانا وفي ذاكرته سؤال أو اسم أو استعمال قديم لم يكن له سجل. لا يؤخذ قوله بوصفه حقيقة نهائية، لكنه قد يفتح بابا للتحقق لم يكن مفتوحا قبله. عندها لا يعود الماضي مجموعة أشياء نجت من الزمن فقط، بل علاقة بين ما بقي منها ومن بقي ممن عرفها.