"القصص" لأبو بكر شوقي... تاريخ صاخب على وقع بيانو

مرشح مصر إلى الأوسكار

ملصق فيلم "القصص"

"القصص" لأبو بكر شوقي... تاريخ صاخب على وقع بيانو

استهل غابرييل غارسيا ماركيز مذكراته "عشت لأروي"، بعبارة "ليست الحياة ما يعيشه المرء، بل ما يتذكره... وكيف يتذكره، ليرويه"، وهي تصلح لأن تكون مفتاحا للدخول إلى عوالم فيلم "القصص" للمخرج المصري النمساوي أبو بكر شوقي، الذي أطلق العنان للذاكرة المراوغة كي تخترع وتستعيد تاريخا مصريا صاخبا يمتد من "نكسة 67" حتى منتصف ثمانينات القرن الماضي.

لكن هذا الانهماك بجمع شظايا الماضي لا يقوده إلى كتب التاريخ، ولا إلى السرديات الجاهزة التي طالما حولت تلك الحقبة إلى دروس في الوطنية والأمجاد. فهو يختار مسارا أكثر تواضعا وحميمية وأقل ادعاء، إذ يكتفي بتدوين أرشيف عائلة، ليترك للتاريخ أن يتسلل إلى يومياتها، وما فعلته مصر المتغيرة بأفرادها.

ارتدادات

على هذا النحو، يترك شوقي الأحداث الكبرى في الخلفية، ثم يصغي إلى ارتداداتها في البيت والشارع والعائلة، ومن هذه المسافة تحديدا تتشكل خصوصية "القصص"، التي تنحاز الى الهامشي والبسيط، ليصبح الماضي أشبه بمفكرة وجدانية عائلية متناقضة، طائشة، عاطفية ومليئة بالفراغات التي لا يمكن ملؤها إلا بالخيال.

منذ اللقطات الأولى، لا يحتاج شوقي إلى حرب أو خطاب رئاسي أو واقعة حاسمة، وهو يرصد تفاصيل عائلة، مؤلفة من الأب راغب (أحمد كمال) والأم فيروز (نيللي كريم) وثلاثة أبناء، تعيش وسط الضجيج. ومن هذا البيت المكتظ تسيل الحكايات الدرامية والكوميدية، النابضة بالعفوية، والتي تقلب المعادلة التقليدية لفيلم الحقبة. فالتاريخ هنا لن يروى بلسان المنتصرين الصارم، بل يمنح الشخصيات الهامشية حق رواية نسختها الخاصة.

فصول زمنية متقطعة عن أشخاص غابوا، وأحلام عصية على التحقق، وأحداث سياسية بقيت في الخلفية

يعود شوقي، في فيلمه الروائي الثالث بعد "يوم الدين" و"هجان"، إلى قصة والديه، المصري أحمد والنمساوية ليز، اللذين بدأت علاقتهما بمراسلات بين القاهرة وفيينا في ستينات القرن الماضي.

 Ammar Abd RABBO / Red Sea Film Festival / AFP
الكاتب والمخرج المصري النمساوي أبو بكر شوقي

يوضح المخرج في حوار أنه أراد أن يصنع فيلما عن الطريقة التي التقى بها والداه، لكن المشروع اتسع أثناء الكتابة، وتحولت قصة الوالدين إلى نسخة متخيلة منها، ثم رفدت بحكايات الأعمام والعمات والجيران. بيد أن هذه الأصوات التي صاغت ذائقته وذاكرته لا تقوده إلى توثيق ماضي العائلة، وإنما إلى إعادة تخييل لذاكرة تراكمت عليها طبقات من الروي والتعديل والمبالغة والنسيان، حيث يصبح الزواج والعائلة والموسيقى وكرة القدم والحرب والسياسة وجوها متعددة لسؤال واحد: كيف يستطيع الإنسان أن يصنع حياة خاصة بينما التاريخ يصر على اقتحام حياته؟

من هنا يأتي عنوان الفيلم، البديهي والبسيط، "القصص"، الذي رشح لتمثيل مصر في جوائز "أوسكار" أفضل فيلم أجنبي. فالمقصود مجموعة حكايات صغيرة تتقاطع وتتباعد وتتداخل، بعضها شخصي وبعضها سياسي، بعضها ينتهي قبل أن يكتمل وبعضها يستمر رغم كل شيء، ليتحول الفيلم إلى فصول زمنية متقطعة عن أشخاص غابوا، وأحلام عصية على التحقق، وأحداث سياسية بقيت في الخلفية، وجمل عائلية أعيد سردها مرات لا تحصى.

التلفزيون والبيانو

ومثلما تعمد شوقي الابتعاد عن الشعارات الكبرى، فإنه كذلك لا يصور مصر بوصفها خلفية سياحية أو بطاقة بريدية. فلا الأهرامات هي المدخل ولا النيل هو مركز الصورة. القاهرة التي نراها أضيق: شقة مزدحمة، وسوق فوضوية، وجيران بطبائع متباينة، ومباريات نادي الزمالك، وتلفزيون يبث خطابات الرئيس، وموسيقى عسكرية حماسية تنبعث في الخلفية. وتنجح كاميرا النمساوي فولفغانغ تالر في التقاط كل هذه الفوضى، فهو لا يبحث عن الازدحام والأبواب المفتوحة والحركة التي لا تهدأ، لا عن الصورة التذكارية، وحتى حين تكون الكاميرا ثابتة، تشعر أن الصورة مزدحمة بالحركة.

IMDb
من فيلم "القصص" (2025)

ولا يغفل "القصص" تداعيات النكسة وحرب أكتوبر 1973 على مصائر شخصياته، لكنه يختار لتمثيل الحرب مقترحا جماليا يتجنب الصورة المباشرة. لا تذهب العدسة إلى الجبهة، فالحرب تصل إلى البيت عبر التلفزيون والراديو. تأتي كصوت، كخبر، كغياب، كوجه تغيرت ملامحه، وككرسي أصبح فارغا. وحين يصل خبر استشهاد أحد أبناء العائلة، لا يحتاج الموت إلى مشهد معركة، يكفي أن تصل رسالة تعلن اللوعة.

وعلى هذا الغرار، تقتحم السياسة هدأة العائلة من خلال الخوف على الوظيفة، أما التعبئة الوطنية فتتحول إلى أغان وأناشيد تملأ المكان، والقرارات التي تصدر في القصور الرئاسية تجد طريقها، بعد وقت قصير، إلى مائدة العائلة. ولعل هذا يفسر حضور التلفزيون كعنصر درامي، فالشاشة الصغيرة نافذة تفرض رواية الدولة على الحياة الخاصة: خطابات الرؤساء والأغاني الوطنية والمباريات... تتجاور في الفضاء نفسه، بحيث يصبح من الصعب الفصل بين السياسة والثقافة والحياة اليومية.

إحدى الاستعارات البصرية الموفقة تكمن في التناقض بين البيانو، لبخافت الحضور، العميق الأثر، وبين التلفزيون الصاخب دوما 

ولعل إحدى الاستعارات البصرية الموفقة تكمن في التناقض بين البيانو، الخافت الحضور، العميق الأثر، كأنه ذاكرة تعزف على مهل، وهو التعبير الأوضح عن الرغبة في أن يكون للإنسان صوته الخاص وسط هذه الجوقة الجماعية المهيمنة، وبين التلفزيون الصاخب دوما بمبارياته وخطبه وأناشيده الحماسية.

يمنح المونتاج الفيلم سرعة تتناسب مع طبيعة حياة العائلة: الحوار متلاحق، القطع سريع، الأصوات متداخلة، في ترجمة لشعور العائلة نفسها، فهؤلاء الناس لا يعيشون في عالم هادئ ومرتب، كما الحال في فيينا مثلا، التي يسافر إليها البطل أحمد (أمير المصري) لملاقاة حبيبته ليز (فاليري باشنر)، ودراسة الموسيقى. إنهم يكافحون للتصالح مع كل هذا العبث. لكل شخص عاداته وخرافاته ومخاوفه وطريقته في تفسير سوء الحظ، ولعل ارتباط العائلة بنادي الزمالك يفسر هذا الجانب، فالنادي الذي يخسر باستمرار يصبح مرآة لعائلة اعتادت أن تتوقع الخيبة، لكنها تواصل التشجيع.

ميلودراما

الفيلم الذي يستلهم مادته من طبقات الذاكرة لا ينجو من المنحى الميلودرامي: دموع، فراق، مرض، حرب، موت، عودة، حب، موسيقى، أحلام مؤجلة، مفاجآت، ثم انتصارات صغيرة... ولكن هل يمكن اعتبار ذلك من عيوب الفيلم؟ ليس كذلك بالضبط، فالميلودراما تمنح الفيلم دفئا يبعده عن التقشف الفني، إن جاز التعبير، كما أن الذاكرة لا تستعيد الحياة بحرفيتها، بل تضفي عليها الكثير من المبالغة والنكات والأساطير والمصادفات التي تبدو غير قابلة للتصديق.

IMDb
مشهد من فيلم "القصص"

وفي موازاة هذه الميلودراما، ثمة تداخل معقد في الخط السردي، فهو فيلم عن الحب، والموسيقى، والهجرة، والأسرة، والطبقة، والحرب، والسياسة، وكرة القدم، والهوية، ومصر، والأبناء، والآباء، والنجاح، والفشل. كل هذه العناوين تقتحم الشاشة دفعة واحدة، وكلما بدأ خط درامي في اكتساب وزنه، ينتقل الفيلم إلى خط آخر. ورغم أن هذه البنية تمنح الفيلم حيوية، فإنها تحرمه أحيانا من العمق الذي كان يمكن أن ينشأ لو بقي طويلا داخل جرح واحد، ليصبح الفيلم أقرب إلى "ألبوم عائلي ضخم" يعرض صوره كيفما اتفق.

وربما كان شريط الصوت أحد أكثر العناصر تعبيرا عن الطريقة التي أنجز بها شوقي فيلمه. فهو يتخلى، تقريبا، عن فكرة الموسيقى التصويرية التقليدية، فلا توجد موسيقى تضاف من الخارج لإضفاء الشعور المناسب، وإنما يأتي الصوت من صخب المحيط نفسه، من الأبواب التي تفتح وتغلق، ومن حركة البيت، ومن الشرفات المتلاصقة، وأصوات الشارع، والأجهزة التي تعمل في الخلفية، وبهذا يصبح الصوت جزءا من نسيج الصورة الحسي، يملأ الفراغات التي تتركها الكاميرا.

لقطة من فيلم "القصص"

ورغم أن المخرج لم يستعن بنجوم مكرسين، فإن الأداء التمثيلي جاء متناغما، عبر أداء أمير المصري الذي التقط بهدوئه تناقضات شاب يريد أن يعيش شغفه بالموسيقى فيما تفرض عليه الأسرة والبلد مسارات أخرى، أما نيللي كريم فتمنح الشخصية، بقدر لافت من العفوية، حضورا مركبا يجمع بين الحنان والصلابة، كأي أم تحاول حماية عائلتها وسط تقلبات السنوات، فيما يضيف أحمد كمال، في دور الأب، ثقلا لشخصية تحاول التوفيق بين ما تريده الأسرة وما يفرضه الزمن.

يوظف شوقي السينما ليسجل شيئا آخر غير ما تخبرنا به كتب التاريخ: الإصغاء إلى صوت بيانو في شقة صغيرة، بينما البلاد كلها تصغي إلى صوت آخر 

وحين تنتهي الحكاية، لا يبقى في البال خطاب لجمال عبد الناصر، وتختفي كذلك مشاهد كامب ديفيد وتتوارى صورة اغتيال السادات. ما يبقى هو البيت، والبيانو، والرسائل، وأصوات العائلة، ومباريات كرة قدم، وحياة عادية تحاول أن تجد مكانا لها وسط تاريخ غير عادي. وهذا ما يسجل لفيلم أبي بكر شوقي الذي يوظف السينما ليسجل شيئا آخر غير ما تخبرنا به كتب التاريخ: الإصغاء إلى صوت بيانو في شقة صغيرة، بينما البلاد كلها تصغي إلى صوت آخر مختلف: ضجيج يصم الآذان.

font change