قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت التيارات الإسلامية على اختلافاتها تشترك في الكثير من المواقف، وكان المخيال السياسي لـ"الإخوان المسلمين" مسيطراً على أغلب المهتمين منهم بالقضايا السياسية حتى من هو خارج الإطار التنظيمي للجماعة.
مرت تجربة الثورات التي جمعت كثيراً منهم على معاداة الأنظمة السياسية في بلدانهم، وكان منها ما هو سيئ للغاية كنظام بشار الأسد، رغم أن كثيرين منهم حاولوا تسطيح الرؤية وادعاء تساوي الدول العربية جميعاً في فلك "الأنظمة العربية" أو أحياناً يسمونها "النظام العربي" كافتراض مسبق بأنها جميعاً في حال واحدة.
ورغم وصول "الإخوان" في مصر إلى سُدة الحكم، فإنهم كانوا يحتجون أمام أتباعهم بأن الدولة المصرية ليست في أيديهم بتمامها حتى ينفذوا برامجهم. بمعنى أنهم بشكل ما، بقوا في إطار المعارضة حتى وهم في السلطة. هذا الموقف يعني أنهم تنصلوا سلفاً من تبعات المسؤولية في إدارة الدولة، كالتكفل بحمايتها ورعاية مصالح المواطنين.
وما إن دهمت أخبار هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول، آذان كثير منهم حتى سارعوا إلى تمجيد ما حدث، وداعبت المقاطع المنقولة مخيلة أكثرهم عن التحرير والفتح، أو ملاحم آخر الزمان. لكنها الحرب التي طالت، فتآكلت الصورة الحماسية لصالح أخرى سوداء قاتمة، لطخت الدماء جنباته. كانت هذه الحرب تُحرك قطع الدومينو في المنطقة، فمن غزة إلى لبنان إلى قصف إيران لدول الخليج، إلى تجدد المعارك في اليمن. وخلال هذه الرحلة سقط النظام السوري وصار أحمد الشرع رئيساً للجمهورية العربية السورية. وأثناء هذه الحوادث المتسارعة كانت الأفكار التي تسقط ولا تصمد، وتلك التي تبنى وتستجد في التيارات الإسلامية على اختلافها أعظم مما يُعترف به، وغالباً ما اعتادت تلك التيارات على التكتم وعدم المصارحة بالمراجعات علناً لكن هذا لا يقلل من حقيقة وجود التغير الفكري وتأثيره.
لقد اعتادت المخيلة القديمة على ثنائية واضحة في الصراحة، ترجع في أصلها إلى كتابات سيد قطب التي عبر فيها عن العصبة المؤمنة والأخرى الجاهلية. وقريباً منه كانت طريقة الخميني في الحديث عن المستضعفين في وجه المستكبرين، وبقيت هذه الثنائية في خطابات أسامة بن لادن بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001، وهو يتحدث عن انقسام العالَم إلى فسطاطين؛ إيمان لا نفاق فيه، وكفر لا إيمان فيه.
فما إن جاءت حرب غزة حتى تابعها كثيرون بهذه العقلية لكنها لم تعد تجدي، فهم يرون أن بشار الأسد الذي كان جزءاً من محور إيران يسقط وأن سوريا الجديدة ليس في مصلحتها أن تكون تابعة لظلال السياسة السابقة التي رسمها بشار الأسد. لقد حسب كثيرون أن سوريا ستتحول إلى حالة أفغانستان في التسعينات حين نسيها العالَم وانشغل بأحداث كبرى كانهيار الاتحاد السوفياتي وحرب الخليج. لكن هذا لم يحدث، إذ تصدرت سوريا قائمة الأخبار العالمية، ورفضت أن تصبح ملاذاً لمهاجمة الدول العربية التي حرص الرئيس الجديد على علاقات ودية معها، وخرج بلقاء مع ولي العهد السعودي الأمير محمد سلمان الذي جمعه مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
وفي أثناء ذلك كانت تكلفة الحرب في غزة قد تجاوزت المتوقع لكثير من المتحمسين لها، فبعد أشهر من الحماسة التي تنافس إذاعة "صوت العرب" في الستينات بدأت أصوات تشمل قيادات في حركة "حماس" مثل موسى أبو مرزوق تتحدث عن معارضة الهجوم لو أنهم علموا بعواقب ذلك على غزة. وخلافاً لتطمينات بعض من يقدمون أنفسهم على أنهم "خبراء عسكريون"، كانت إسرائيل تحتل القطاع وتحيل مناطق آهلة إلى صحراء قاحلة بالقصف. فبعد الخطابات الرنانة وافقت "حماس" على خطة ترمب المتضمنة نزع سلاحها، وسلمت جثَث الرهائن لديها.
وكانت الدعاية عن الانتصار لغزة من محور إيران تتحول إلى رماد مع صواريخ إيران التي تضرب دول الخليج فتقتل أبرياء لا علاقة لهم بأي حدثٍ سياسي. وهو ما كان له تأثيرٌ كبير على رموز هذه التيارات ودعاتها، فبعد أن كان فايز الكندري السجين السابق في غوانتانامو متحمساً لحرب غزة وموقف "حماس" خرج بتصريح يقول فيه، إن فلسطين قضية مهمة لكنها ليست البوصلة، فأثار بذلك نقمة أنصار المحور الإيراني، كذلك الدكتور عبدالله النفيسي الذي افتتح حرب غزة بالتصريحات العاطفية ثم استجمع نفسه، وقال إن قرار الحرب اتخذه ثلاثة أشخاص في "حماس" دون باقي المكتب السياسي، في إشارة إلى انفرادهم بالقرار وهو ما كان ينقده من قبل على جماعة "الإخوان" كما في كتابه "الحركة الإسلامية... ثغرات في الطريق".
مع أن البعض أبقى على خطابه الشعبوي في حديثه عن الحالة العربية فإنه لم يستطع تمالك نفسه ليمرر الادعاء بانتصار غزة الذي نادى به بعض قيادات "حماس"
ورغم أن البعض ليس محسوباً على هذه التيارات، إلا أنهم مؤثرون فيها عبر آلة إعلامية يتحكم بدفتها فتغذي جمهورها بما رسمه من خطاب، ومع أن البعض أبقى على خطابه الشعبوي في حديثه عن الحالة العربية فإنه لم يستطع تمالك نفسه ليمرر الادعاء بانتصار غزة الذي نادى به بعض قيادات "حماس" مثل أسامة حمدان، فقال إنه لا يمكن الجمع بين طلب التعاطف من العالَم والحديث عن انتصار، فإما هذا وإما ذاك في حديث أذيع بالصوت والصورة.
هذه النماذج لم تكن فردية، بل شملت مؤسسات منها "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" مع الحرب في اليمن، ومثل نشر علي قرة داغي بياناً ثم حذفه ذروة هذا الارتباك، مع انقسام الرأي بين الأعضاء هل يقفون مع الحوثي كبقاء على الثنائية السابقة على حرب غزة، أو أن الأمور قد تذهب إلى مراعاة التعقيد الذي فرضه المشهد السوري، بعدم اختزال التحليل إلى تسطيح مثل تصوير الحرب بين إسرائيل وخصمها. فهناك شعوب قد تكون مقموعة، وهناك أطماع لإيران، وهناك حقوق مهدرة لم يكن الإغضاء عنها للدعاية الأيديولوجية، إنها تجربة مكثفة عصفت بمختلف الأفكار المحسوبة على تيارات "الإسلام السياسي"، وكان آخرها محاولة رفع الخلاف السلفي الأشعري فوق سقفه العلمي، فخرج المفتي السوري بتوضيحات ناضجة معلناً قبوله بالسلفيين فهم جزء من نسيج المجتمع السوري.
فهل أنضجت تلك الأحداث تلك التيارات وجعلتها تتجاوز الثنائيات المختزلة، وتستشعر المسؤولية السياسية التي تتطلبها إدارة بلد وتعقيد المشهد السياسي الذي يحتاج إلى موازنة كبيرة، ونظرة بعيدة المدى ترصد العواقب والتبعات ولا تكتفي بالشعارات الدعائية؟
من السابق لأوانه الحديث عن مراجعة شاملة، لكن المرصود وجود تجربة لها تبعاتها، تلك التبعات وصلت إلى القواعد الشعبية التي تحرص تلك التيارات على إرضائها، وشعرت بأنها قد تخسر السوريين مرة، أو الفلسطينيين مرة، أو الخليجيين، لكن الملاحظ وهو ما فات كثيراً من المراقبين، أن جماعات ما سمي "الإسلام السياسي" اليوم لم يعد يتحرك بصفته قوة منفصلة تسعى إلى السلطة، بقدر ما هو تيارات تعيش تحت دول، أو تقودها دول، ففي الحالة السورية هناك نظام سياسي لا يُرصد وجود تكتلات تصارعه، وفي الحالة التركية يوجد نشطاء محسوبون على "الإخوان" يعيشون في تركيا لكنهم تحت مظلة دولة، وهو ما يشير إلى أن تلك التيارات افتقدت الثقة بأدواتها وأنها لم تعد تتعامل مع نفسها كبديل مستقل للمنطقة، لقد أضحت أكثر واقعية عما كانت عليه قبل حرب غزة.