تثير الاتفاقية الأخيرة التي توصلت إليها الحكومة الاتحادية العراقية مع تركيا، والقاضية بسحب الأخيرة لجميع قواتها وتجهيزاتها العسكرية من قاعدة زليكان العسكرية بالقرب من بلدة بعشيقة شمال شرقي مدينة الموصل، هواجس إقليم كردستان، وإن كانت غير مُعلنة؛ لأنها ستعيد خلط ملفات أمنية وسياسية شديدة الحساسية بالنسبة للإقليم، متزامنة مع انسحاب القوات الأميركية من الإقليم وعموم العراق. في وقت كشف مصدر سياسي عراقي رفيع معلومات خاصة لـ"المجلة"، قال فيها إن القرار التركي بسحب القوات جاء كتتويج لترتيبات خاصة أقرها الطرفان، تتضمن جوانب اقتصادية وأمنية وسياسية، من بينها منح القوات التركية المنسحبة الإذن بالاستقرار المؤقت في منطقة حدودية بين البلدين، غالباً ستكون إحدى القواعد التي سينسحب مقاتلو "حزب العمال الكردستاني" منها. وإعادة الاعتبار لشخصيات سياسية عراقية مقربة من تركيا.
صفقة متكاملة
قاعدة زليكان العسكرية التركية تقع بين مدينتي أربيل والموصل، شُيدت في أواسط عام 2015، بموافقة إقليم كردستان، لكن دون الحصول على موافقة رسمية من الحكومة الاتحادية العراقية وقتئذ، وإن بغض نظر منها. وهي تضم قرابة 4000 جندي تركي، والمئات من الدبابات وأنظمة الرادار ومراكز الدعم اللوجستي والتدريب العسكري.
آنذاك، أصرت تركيا على إقامة وتثبيت قاعدتها العسكرية هذه لسببين رئيسين: فتنظيم "داعش" كان يحتل معظم محافظة نينوى (الموصل) العراقية، والجيش العراقي بمساندة فصائل "الحشد الشعبي" كان يخوض مواجهات دامية ضده، أخذت طابعاً طائفياً في أكثر من موقعة، بالذات في البلدات والمُدن ذات الغالبية التركمانية، مثل تلعفر، التي شهدت أعتى المواجهات الطائفية، وكانت تركيا تريد ضبط ذلك. كذلك لأن فصائل كردية مقربة من "حزب العمال الكردستاني" صارت تسيطر على مناطق واسعة من غرب المحافظة، بالذات المناطق الإيزيدية في ناحية سنجار، وصارت الحدود بين مناطق نفوذها في سوريا وما يقابلها من أراضٍ عراقية مفتوحة تماماً، ما كان يثير حساسية شديدة لدى تركيا.
لأكثر من عشر سنوات، بقيت القاعدة مصدراً لتوترات سياسية داخلية في العراق، بالذات بين الفصائل المقربة من إيران، التي كانت تعتبرها احتلالاً للأراضي العراقية وإخلالاً بسيادتها. لأجل ذلك قصفتها أكثر من مرة، خصوصاً أثناء مراحل التوتر الإيراني/التركي. طوال الشهور المنصرمة، صارت هذه الفصائل تعتبر إخلاء تركيا لهذه القاعدة بمثابة شرط أولي لقبولها بنزعها لسلاحها. كذلك كانت محل تنازع سياسي بين الأحزاب العراقية، المنقسمة على أساس المحاور الإقليمية. لكن تركيا بقيت متمسكة باستمرار بقاء قواتها في تلك القاعدة، حفاظاً على ما كانت تسميه "الأمن القومي".

الاتفاق الأخير الذي أُعلن بعد لقاء الرئيس رجب طيب أردوغان مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، على هامش الاجتماعات الأخيرة للأمم المتحدة، يقضي بإخلاء القوات التركية للقاعدة حسب جدول زمني واضح، وإن غير معلن. لكن مصدراً سياسياً عراقياً رفيعاً كشف في حديث خاص لـ"المجلة" عن بعض تفاصيل صفقة كاملة، تفاوض الطرفان بشأنها طوال الأسابيع الماضية بعيداً عن الأضواء، تشكل موافقة تركيا على إخلاء القاعدة العسكرية تتويجاً لها.
فالحكومة الاتحادية العراقية قدمت رؤيتها السياسية للطرف التركي خلال أكثر من زيارة وجولة تفاوض قادها وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، الذي أكد أن بقاء القوات التركية في مرحلة ما بعد انسحاب القوات الأميركية سيشكل معضلة أمنية صعبة، ما دفع تركيا للموافقة على إخلاء قواتها، لكن شريطة قبول العراق ببعض الترتيبات الخاصة.


