العراق بين انسحابين... الأميركي والتركي

إعادة تشكيل النفوذ السياسي التركي في العراق

رويترز
رويترز
مقاتل من حزب العمال الكردستاني يقف حارساً خلال عملية نزع السلاح في جبال قنديل بالعراق، 26 أكتوبر 2025

العراق بين انسحابين... الأميركي والتركي

تثير الاتفاقية الأخيرة التي توصلت إليها الحكومة الاتحادية العراقية مع تركيا، والقاضية بسحب الأخيرة لجميع قواتها وتجهيزاتها العسكرية من قاعدة زليكان العسكرية بالقرب من بلدة بعشيقة شمال شرقي مدينة الموصل، هواجس إقليم كردستان، وإن كانت غير مُعلنة؛ لأنها ستعيد خلط ملفات أمنية وسياسية شديدة الحساسية بالنسبة للإقليم، متزامنة مع انسحاب القوات الأميركية من الإقليم وعموم العراق. في وقت كشف مصدر سياسي عراقي رفيع معلومات خاصة لـ"المجلة"، قال فيها إن القرار التركي بسحب القوات جاء كتتويج لترتيبات خاصة أقرها الطرفان، تتضمن جوانب اقتصادية وأمنية وسياسية، من بينها منح القوات التركية المنسحبة الإذن بالاستقرار المؤقت في منطقة حدودية بين البلدين، غالباً ستكون إحدى القواعد التي سينسحب مقاتلو "حزب العمال الكردستاني" منها. وإعادة الاعتبار لشخصيات سياسية عراقية مقربة من تركيا.

صفقة متكاملة

قاعدة زليكان العسكرية التركية تقع بين مدينتي أربيل والموصل، شُيدت في أواسط عام 2015، بموافقة إقليم كردستان، لكن دون الحصول على موافقة رسمية من الحكومة الاتحادية العراقية وقتئذ، وإن بغض نظر منها. وهي تضم قرابة 4000 جندي تركي، والمئات من الدبابات وأنظمة الرادار ومراكز الدعم اللوجستي والتدريب العسكري.

آنذاك، أصرت تركيا على إقامة وتثبيت قاعدتها العسكرية هذه لسببين رئيسين: فتنظيم "داعش" كان يحتل معظم محافظة نينوى (الموصل) العراقية، والجيش العراقي بمساندة فصائل "الحشد الشعبي" كان يخوض مواجهات دامية ضده، أخذت طابعاً طائفياً في أكثر من موقعة، بالذات في البلدات والمُدن ذات الغالبية التركمانية، مثل تلعفر، التي شهدت أعتى المواجهات الطائفية، وكانت تركيا تريد ضبط ذلك. كذلك لأن فصائل كردية مقربة من "حزب العمال الكردستاني" صارت تسيطر على مناطق واسعة من غرب المحافظة، بالذات المناطق الإيزيدية في ناحية سنجار، وصارت الحدود بين مناطق نفوذها في سوريا وما يقابلها من أراضٍ عراقية مفتوحة تماماً، ما كان يثير حساسية شديدة لدى تركيا.

لأكثر من عشر سنوات، بقيت القاعدة مصدراً لتوترات سياسية داخلية في العراق، بالذات بين الفصائل المقربة من إيران، التي كانت تعتبرها احتلالاً للأراضي العراقية وإخلالاً بسيادتها. لأجل ذلك قصفتها أكثر من مرة، خصوصاً أثناء مراحل التوتر الإيراني/التركي. طوال الشهور المنصرمة، صارت هذه الفصائل تعتبر إخلاء تركيا لهذه القاعدة بمثابة شرط أولي لقبولها بنزعها لسلاحها. كذلك كانت محل تنازع سياسي بين الأحزاب العراقية، المنقسمة على أساس المحاور الإقليمية. لكن تركيا بقيت متمسكة باستمرار بقاء قواتها في تلك القاعدة، حفاظاً على ما كانت تسميه "الأمن القومي".

أ.ف.ب
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال لقائه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي على هامش الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في 23 سبتمبر 2026

الاتفاق الأخير الذي أُعلن بعد لقاء الرئيس رجب طيب أردوغان مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، على هامش الاجتماعات الأخيرة للأمم المتحدة، يقضي بإخلاء القوات التركية للقاعدة حسب جدول زمني واضح، وإن غير معلن. لكن مصدراً سياسياً عراقياً رفيعاً كشف في حديث خاص لـ"المجلة" عن بعض تفاصيل صفقة كاملة، تفاوض الطرفان بشأنها طوال الأسابيع الماضية بعيداً عن الأضواء، تشكل موافقة تركيا على إخلاء القاعدة العسكرية تتويجاً لها.

فالحكومة الاتحادية العراقية قدمت رؤيتها السياسية للطرف التركي خلال أكثر من زيارة وجولة تفاوض قادها وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، الذي أكد أن بقاء القوات التركية في مرحلة ما بعد انسحاب القوات الأميركية سيشكل معضلة أمنية صعبة، ما دفع تركيا للموافقة على إخلاء قواتها، لكن شريطة قبول العراق ببعض الترتيبات الخاصة.

حسب التسريبات، ستقوم الحكومة العراقية بتطبيع الأوضاع السياسية والإدارية والأمنية في منطقة سنجار

فحسب المصدر، ستستقر القوات التركية المنسحبة على دفعات في قواعد عسكرية أصغر حجماً داخل الأراضي العراقية، غالباً ستكون القواعد العسكرية التي انسحب منها مقاتلو "حزب العمال الكردستاني" بالقرب من الحدود التركية. فتركيا تطلب مدة زمنية كافية لمراقبة الوضع الأمني في محافظة نينوى (الموصل) خلال مرحلة عملية السلام التي تنفذها مع "العمال الكردستاني".

كذلك توصل الطرفان إلى توافقات غير معلنة تقضي برفع الضغوط التي كانت تمارسها الفصائل المسلحة المقربة من إيران على القوى السياسية العراقية "السُنية" المقربة من تركيا، والسماح لها بالعمل النشط في عموم محافظ نينوى (الموصل).

وأضاف المصدر أن تفكيك الفصائل المقربة من "حزب العمال الكردستاني"، والتي تسيطر أمنياً وعسكرياً على أجزاء واسعة من غرب المحافظة، هي الجزء الثالث من الصفقة. حيث تعهدت الحكومة الاتحادية بتكثيف جهودها لإدماج مقاتلي تلك الفصائل ضمن صفوف الأجهزة الأمنية والشرطية في تلك المنطقة، وبتنسيب الباقين منهم إلى فصائل "الحشد الشعبي".  

ثلاثة هواجس كردية

لكن إخلاء قاعدة زليكان يثير مخاوف سياسية وأمنية واضحة لدى إقليم كردستان العراق، لأنه يُخل بالاستقرار الأمني والعسكري في منطقة واسعة، محيطة جغرافياً ومتداخلة سياسياً وسكانياً مع الإقليم. خصوصاً وأنه يتزامن مع انسحاب القوات الأميركية من عموم العراق، بما في ذلك الإقليم.

رويترز
جندي تركي يقوم بدورية على طريق تحيط به الجبال الوعرة في مقاطعة شرناق بجنوب شرق تركيا، على الحدود مع العراق، في 3 نوفمبر 2007

إذ لا يعرف الإقليم الجهة التي ستملأ الفراغ في المنطقة التي ستنسحب منها تركيا عسكرياً وسياسياً. فالإقليم الذي تعرض طوال السنوات الماضية لهجمات جوية متتالية، قالت سلطاته المحلية إن الكثير منها انطلقت من مناطق سهل نينوى، شمال شرقي مدينة الموصل. لكن وجود القاعدة العسكرية التركية كان بمثابة حائط الصد الذي يمنع تلك الفصائل من الاقتراب أكثر من حدود الإقليم، بالذات من العاصمة أربيل. وهو ما لم يعد متوافراً. كذلك لأن هذا الانسحاب سيكون بمثابة إخلال بالتوازن الأمني والعسكري الإقليمي، بين إيران وتركيا، وهو توازن اعتمدت كردستان عليه كثيراً لحماية أمنها الداخلي.

إلى جانب ذلك، فإن الترتيبات السياسية والأمنية المحيطة بالاتفاق الأخير بين الدولتين لا تراعي رؤية الإقليم لمنطقة سنجار، ذات الأغلبية السكانية الإيزيدية، والتي تُعتبر جزءا من المناطق المتنازع عليها. فحسب التسريبات الصادرة عن مسؤولي البلدين، فإن الحكومة العراقية ستقوم بتطبيع الأوضاع السياسية والإدارية والأمنية في منطقة سنجار، فالجيش العراقي سيفكك الفصائل التي تقول تركيا إنها مقربة من "حزب العمال الكردستاني"، ووزارة الداخلية العراقية ستعيد سيطرة الحكومة الاتحادية على تلك المنطقة. وهي تفاصيل تتباين مع ما اتفق عليه إقليم كردستان مع الحكومة الاتحادية في عام 2020، عبر "اتفاقية سنجار". التي تتضمن شراكة الطرفين المتكاملة في إدارة المنطقة، أمنياً واقتصادياً وسياسياً، إلى حين تطبيق آليات المادة 140 من الدستور العراقي.

كانت قاعدة زليكان بمثابة أساس للالتزام التركي بالتدخل في حال حدوث أي إخلال بأشكال التوازن السياسي، وهو ما كان يستفيد منه الإقليم لدرجة كبيرة

كان إقليم كردستان يعتمد على الضغوط التي قد تمارسها تركيا والولايات المتحدة على الحكومة الاتحادية العراقية بغية الالتزام بتلك الاتفاقية، لأن حساسية الأوضاع الأمنية في منطقة سنجار تمس الأمن القومي للبلدين، ونفوذهما العسكري كان يسمح لهما بالضغط على الحكومة الاتحادية العراقية، وهو أمر لم يعد متوفراً في الحاضر.

مع هذين الأمرين، فإن المسار السياسي الذي جاءت الاتفاقية ضمنه يقضي بزيادة الرعاية والنفوذ السياسي التركي في العراق، ولصالح أحزاب وحساسيات سياسية عراقية بذاتها. وبذا سيكون في العراقي جبهتان سياسيتان مستندتان لنفوذ الإقليم (الإيراني والتركي)، بينما ليس للقوى الكردية أي دعم إقليمي. هذه الرعاية التي ستتجاوز ذلك لتكون حضوراً وتعاوناً اقتصادياً وتنموياً بين تركيا والحكومة الاتحادية العراقية، متجاوزاً إقليم كردستان. فافتتاح مطار الموصل المدني وزيادة مستويات تجارة الترانزيت بين الدولتين، مروراً عبر الأراضي السورية، يُهمش كردستان اقتصادياً.

عنصر الاستقرار الوحيد

يشرح الكاتب والباحث في الشؤون الأمنية زياد حمه ما يسميه المحيط القلق الذي يسور الإقليم من كُل حدب، والذي تتخلله تركيا كجهة نفوذ وضبط وحيدة. ويضيف في حديث مع "المجلة": "ثمة أربع جهات متاخمة للإقليم، تعاني كل واحدة منها من أزمات قد تؤثر على وجودها. فـ(حزب العمال الكردستاني) والفصائل المسلحة العراقية والنظام الإيراني وبقايا مجموعات (داعش) تحيط بإقليم كردستان. وكل واحدة من هذه الجماعات تشعر بأن تحولات جذرية ستحدث في المنطقة خلال المستقبل المنظور، بناء على مجريات الحرب الإيرانية-الأميركية، وانسحاب الأخيرة من مختلف مناطق العراق. ولأجل ذلك هي جهات مستعدة للمناورة وإعادة خلط الأوراق في أي وقت".

رويترز
تمثال أزيح عنه الستار في كركوك تكريماً لقوات البيشمركة - القوة القتالية الرئيسية في إقليم كردستان العراق - في كركوك، العراق، 23 سبتمبر 2017

يتابع الباحث حمه حديثه قائلاً: "يعتقد إقليم كردستان أن كل واحد من هذه الأطراف قد تستهدفه خلال المستقبل المنظور، لأنها ترى فيه الجهة الأقل تمتعاً بالحماية الإقليمية والدولية، وحتى من الحكومة الاتحادية العراقية نفسها. قبالة ذلك، فإن الإقليم كان يجد في تركيا حليفاً موضوعياً، من منطق كونها الدولة التي تريد الحفاظ على أمنها القومي من خلال توطيد الاستقرار الأمني، وعدم السماح للقوى الراديكالية بخلط الأوراق. كان التعاون الاقتصادي والسياسي وحتى الأمني بين تركيا والإقليم يسمح للأخير بخلق مساحة تحرك، قادرة على حماية نفسه من التوترات المحيطة به. كانت قاعدة زليكان بمثابة أساس للالتزام التركي بالتدخل في حال حدوث أي إخلال بأشكال التوازن السياسي، سواء على مستوى العلاقات الإقليمية أو الحساسيات الطائفية أو الجماعات المسلحة. وهو ما كان يستفيد منه الإقليم لدرجة كبيرة".

font change

مقالات ذات صلة