إسرائيل في ظل "أكتوبر الطويل"... حروب بلا حسم وترقب الانتخابات

مأزق استراتيجي

لينا جرادات
لينا جرادات

إسرائيل في ظل "أكتوبر الطويل"... حروب بلا حسم وترقب الانتخابات

بات من العبارات المستهلكة في إسرائيل القول إن البلاد "عالقة في 7 أكتوبر/تشرين الأول": عاجزة عن الانتقال إلى 8 أكتوبر، وعاجزة عن العودة إلى 6 أكتوبر. سيستغرق تجاوز ذلك اليوم وقتا، لكنه يتطلب أيضا محطات ترسم فاصلا بين ما قبله وما بعده. جاءت إحداها العام الماضي، حين أطلق سراح آخر الرهائن الإسرائيليين الأحياء من غزة، فتنفست البلاد الصعداء. وتقترب الآن محطة أخرى، هي الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر. السياسة الإسرائيلية معقدة، لكن هذه الانتخابات تدور في جوهرها حول سؤالين بسيطين: من يتحمل مسؤولية إخفاقات ذلك اليوم؟ ومن يستطيع ضمان أن لا تتكرر أهواله؟

قد تقدم حرب أكتوبر 1973 وما أعقبها نقطة مفيدة للمقارنة. ففي ذلك الشهر، أدى هجوم مفاجئ شنته مصر وسوريا إلى دفع إسرائيل نحو حافة كارثة عسكرية، قبل أن يستعيد جيشها توازنه ليغير مسار الحرب نحو اتفاقية سلام مع مصر. استغرق التعافي العسكري أسابيع، أما المحاسبة السياسية فاستغرقت سنوات.

وبعد عام، حملت لجنة خاصة، التي أنشئت للتحقيق في إخفاقات إسرائيل، كبار القادة العسكريين المسؤولية، فيما أعفت وزراء الحكومة. لكن الجمهور رفض هذا الفصل، واستقالت رئيسة الوزراء آنذاك غولدا مائير بعد أيام.

ومع ذلك، كان "حزب العمل" الذي تنتمي إليه قد فاز في الانتخابات التي أجريت في ديسمبر/كانون الأول 1973، بعدما أدت الحرب إلى تأجيلها. ولم يصدر الناخبون حكمهم إلا في مايو/أيار 1977، حين أنهى "الليكود" بزعامة مناحيم بيغن ما يقرب من ثلاثة عقود من حكم "حزب العمل". ويسمي الإسرائيليون ذلك "المهاباخ"، أي التحول السياسي الكبير.

ثم سنحت فرصة غير متوقعة للسلام. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 1977، زار الرئيس المصري أنور السادات القدس. وتلت ذلك اتفاقات كامب ديفيد عام 1978، ثم معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية عام 1979.

أ.ف.ب
الرئيس المصري الراحل أنور السادات يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك مناحيم بيغن في القدس، عندما توجه السادات جواً إلى إسرائيل، ليصبح أول زعيم عربي يزور إسرائيل علنا ، في 20 نوفمبر 1977

ويقدم هذا التسلسل مسارا محتملا: قد يقود هجوم مفاجئ إلى تعاف عسكري، ثم محاسبة سياسية، وأحيانا إلى انفتاح استراتيجي.

لكن المقارنة تتوقف هنا. فبعد ثلاث سنوات من 7 أكتوبر، لا تزال المحاسبة السياسية غير مؤكدة، فيما يبدو حدوث تحول إقليمي أبعد احتمالا. ولا يعني ذلك أن إسرائيل، بوصفها فاعلا جيوسياسيا، بقيت مشلولة أو أن البيئة المحيطة بها لم تتغير. فبعد ثلاث سنوات من أسوأ هجوم إرهابي تعرضت له إسرائيل، ينشط الجيش الإسرائيلي خارج حدود البلاد في ثلاث ساحات أخرى: غزة ولبنان وسوريا.

ومع ذلك، يسود شعور بأن أيا من الحروب التي أعقبت 7 أكتوبر لم يحسم بالنصر. وأظهر استطلاع أجراه "معهد دراسات الأمن القومي" على مدى ثلاث سنوات أن 27 في المئة فقط من الإسرائيليين يعتقدون أن حملة غزة انتهت بانتصار، و38 في المئة فقط يرون أن إسرائيل انتصرت في لبنان، و23 في المئة فقط يعتبرون أنها حققت نصرا على إيران. أي إن هذه الحروب لا تزال، حتى في نظر الإسرائيليين، غير منتهية.

بعد ثلاث سنوات من 7 أكتوبر، لا تزال المحاسبة السياسية غير مؤكدة، فيما يبدو حدوث تحول إقليمي أبعد احتمالا. ولا يعني ذلك أن إسرائيل، بوصفها فاعلا جيوسياسيا، بقيت مشلولة أو أن البيئة المحيطة بها لم تتغير

خطوط جديدة ومشكلات قديمة

على الخريطة، تبدو إسرائيل منتصرة. ففي غزة، سكتت المدافع إلى حد كبير منذ وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025. وانتهت محنة الرهائن أخيرا في يناير/كانون الثاني 2026، حين أعيد آخر رفات. كما أضعفت إسرائيل إيران ووكيل إيران الرئيس، "حزب الله".

ومع ذلك، لم تنته أي من هذه الحروب. غزة هادئة، لكنها ليست في سلام. عند بدء وقف إطلاق النار، كان الجيش الإسرائيلي يسيطر على نحو 53 في المئة من قطاع غزة خلف ما يعرف بالخط الأصفر، وهو الحد الفاصل بين مواقعه وبقية القطاع. وبحلول يوليو/تموز، قال الجيش إنه يسيطر على نحو 60 في المئة، فيما رفعت بعض التقديرات النسبة إلى قرابة 70 في المئة.

وخلال زيارة إلى موقع عسكري في 2 سبتمبر/أيلول، أوضح نتنياهو موقفه قائلا: "نحن نسيطر على الأرض. ولسنا بصدد الانسحاب". وتشبه رؤية نتنياهو الوضع في الضفة الغربية، حيث تحتفظ إسرائيل بسيطرة أمنية شاملة بدلا من التوصل إلى حل سياسي.

لا يزال الطريق إلى تسوية سياسية ضيقا. ففي نهاية يوليو، وافقت "حماس" على خريطة طريق من 15 بندا اقترحها "مجلس السلام"، وتنص على نزع سلاح الحركة. لكن إسرائيل لم توقع عليها قط، وتقول إنها لن تنسحب إلا بعد أن تسلم "حماس" أسلحتها فعليا. ولم يسلم أي سلاح حتى الآن، ولم تنتشر قوة الاستقرار الدولية المقترحة، كما لم تتحقق خطة إعادة الإعمار البالغة قيمتها 2.45 مليار دولار، التي عرضت في الأمم المتحدة في 23 سبتمبر/أيلول.

رويترز
فلسطينيون يعبرون إلى الجانب الإسرائيلي من السياج الحدودي بين إسرائيل وغزة، بعدما تسلل مسلحون إلى مناطق في جنوب إسرائيل، في 7 أكتوبر 2023

والمشكلة تكمن في ترتيب الخطوات: تريد "حماس" أن تنسحب إسرائيل قبل أن تنزع سلاحها، فيما تريد إسرائيل نزع سلاح "حماس" قبل الانسحاب. وهذه "دبلوماسية القطة النافقة" في أوضح صورها. يعرف كل طرف أن الآخر لا ينوي تقديم تنازل حقيقي، ويسعى كل منهما إلى وضع "القطة النافقة"، أي جثة دبلوماسية ولدت ميتة، على عتبة الآخر وتحميله مسؤولية فشل المحادثات.

المشكلة تكمن في ترتيب الخطوات: تريد "حماس" أن تنسحب إسرائيل قبل أن تنزع سلاحها، فيما تريد إسرائيل نزع سلاح "حماس" قبل الانسحاب. وهذه "دبلوماسية القطة النافقة" في أوضح صورها. يعرف كل طرف أن الآخر لا ينوي تقديم تنازل حقيقي

يتكرر النمط نفسه على حدود إسرائيل الشمالية. فقد دخل "حزب الله" الحرب إلى جانب إيران في 2 مارس/آذار 2026، ودخلت إسرائيل جنوب لبنان مجددا. وأتاح وقف إطلاق النار في 16 أبريل/نيسان إجراء أول محادثات مباشرة بين إسرائيل ولبنان منذ عقود. واتخذت الحكومة اللبنانية خطوة كان يصعب تصورها في السابق، فحظرت الجناح العسكري لـ"حزب الله".

وانسحبت إسرائيل من ثلاث "مناطق تجريبية" محددة، ما سمح للجيش اللبناني بالدخول إليها، لكنها تقول إنها لن تمضي أبعد من ذلك قبل أن ينزع "حزب الله" سلاحه. وفي سوريا المجاورة، قال الرئيس أحمد الشرع في أواخر سبتمبر/أيلول إن الجانبين توصلا إلى "90 في المئة من الاتفاقات" بشأن ميثاق أمني، قبل أن تنسحب إسرائيل من المسار. وعلى الجبهتين، لم يفض الانفتاح الدبلوماسي بعد إلى تسوية دائمة.

ثم هناك إيران. جاءت المواجهة التي سعى إليها نتنياهو طوال عشرين عاما، لكنها لم تسفر عن نتيجة حاسمة. ففي 28 فبراير/شباط 2026، شنت إسرائيل والولايات المتحدة ضربات مشتركة أسفرت عن مقتل "المرشد الأعلى" الإيراني. لكن بعد انهيار مذكرة توسطت باكستان في إبرامها، انتقل الصراع إلى ناقلات النفط ومسارات الشحن حول مضيق هرمز. وبات قرار كيفية إنهاء الصراع وتوقيته خارج سيطرة إسرائيل إلى حد كبير.

تكشف هذه الجبهات مجتمعة عن عقيدة لم يعلنها أحد رسميا. والتباين صارخ: سعت إسرائيل في عهد بن غوريون إلى خوض حروب قصيرة تعقبها الدبلوماسية، فيما تميل إسرائيل في عهد نتنياهو على نحو متزايد إلى الاحتفاظ بالأرض بدلا من التوصل إلى تسوية دبلوماسية. وكل موضع تسيطر عليه إسرائيل يمنحها ميزة تكتيكية، لكنه يبقي قوات الاحتياط عالقة فيه، ويعرضها لصراع استنزافي، ويؤجل القرار السياسي الذي لا تستطيع القوة العسكرية اتخاذه.

انتقل الصراع إلى ناقلات النفط ومسارات الشحن حول مضيق هرمز. وبات قرار كيفية إنهاء الصراع وتوقيته خارج سيطرة إسرائيل إلى حد كبير

مساءلة مؤجلة

تؤجل خطوط الانتشار العسكرية الإسرائيلية السؤال عن كيفية انتهاء الحروب. أما الحكومة، فبذلت جهدا أكبر لتأجيل السؤال عمن ينبغي أن يحاسب على الكيفية التي بدأت بها.

أوضح ما تكشفه استطلاعات الرأي الأخيرة يتعلق بالثقة. فالإسرائيليون راضون عموما عن أداء الجيش، لكنهم شديدو الاستياء من قيادة الحكومة. وهم يميزون بين من خاضوا الحرب ومن قادوا البلاد خلالها. يريد ثلاثة من كل أربعة تشكيل لجنة تحقيق رسمية في الإخفاقات المحيطة بهجوم 7 أكتوبر، ويشمل ذلك غالبية الناخبين المؤيدين للائتلاف الحاكم.

وفي استطلاع أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في مطلع سبتمبر/أيلول، قال 68 في المئة من المشاركين اليهود إن هجمات 7 أكتوبر ستكون عاملا محوريا في تصويتهم.

بعد الهجوم المفاجئ عام 1973، كان من المتعذر مقاومة مثل هذا المطلب. أما هذه المرة، فقد قاومه نتنياهو. عرقل تشكيل لجنة تحقيق رسمية، واقترح بديلا صيغ وفق اعتبارات سياسية يوسع نطاق التحقيق ليعود إلى عملية أوسلو للسلام والانسحاب الإسرائيلي من غزة، ثم ترك حتى هذا المقترح يتعثر. وأحجمت المحكمة العليا عن التدخل عشية الانتخابات، فتركت المسألة للحكومة المقبلة.

أ.ف.ب
صورة أرشيفية مؤرخة في 4 نوفمبر 1974 تُظهر رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة غولدا مائير وهي تقرأ كلمة استقالتها أمام الكنيست الإسرائيلي في تل أبيب

في الوقت نفسه، يعيد كل كشف جديد طرح السؤال عن أداء نتنياهو القيادي قبل ذلك اليوم المشؤوم ويوم وقوعه. وزادت التقارير عن تحذيرات أجنبية حدة الخلاف بشأن مسؤوليته. فقد أفادت "هآرتس" و"نيويورك تايمز" بأن رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد حذره في سبتمبر/أيلول 2023 من عملية كبيرة لـ"حماس"، لكنه لم ينبه رؤساء أجهزته الأمنية. كما نشرت "ذا أتلانتيك" و"وول ستريت جورنال"، كل على حدة، تقارير عن تحذيرات من رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر.

لا تزال هذه المزاعم محل خلاف. ومن السذاجة افتراض أن توقيتها، قبيل انتخابات حاسمة، جاء مصادفة. ينفي نتنياهو تلقي أي من التحذيرين، فيما امتنعت الإمارات عن تأكيد وقوع المحادثة. وبحسب التقارير، خلا التحذير الذي وصفته "ذا أتلانتيك" من تفاصيل عملياتية، وهذا فارق حاسم بين توقع التصعيد ومعرفة توقيت هجوم وحجمه وأهدافه. لكن من الواضح أيضا أن الثقة بين المؤسسة العسكرية والقيادة السياسية كانت قد تآكلت بشدة قبل 7 أكتوبر، إلى حد أن نتنياهو رفض لقاء مسؤولين أمنيين في أكثر من مناسبة قبيل الحرب.

كما تشير الجهود المبذولة لتفادي إنشاء لجنة مستقلة إلى نقص في الشفافية ومحاولة لتجنب المحاسبة عن أحد أسوأ الأيام في تاريخ إسرائيل.

الفارق مع عام 1973 صارخ. حينها، رفض الجمهور أن يتحمل القادة العسكريون وحدهم المسؤولية. أما الآن، فقد أقر كبار القادة بمسؤوليتهم واستقال كثيرون منهم، فيما بقي القادة السياسيون في مناصبهم.

وقد نجح التأجيل جزئيا كاستراتيجية: يقترب نتنياهو من الانتخابات من دون نتائج لجنة يستطيع الناخبون الاحتكام إليها. ونقلت هذه الاستراتيجية المحاسبة من غرفة التحقيق إلى ساحة الحملة الانتخابية. وهذا على الأرجح أفضل سيناريو لنتنياهو، الذي يعتقد أن فرصته في إقناع الإسرائيليين أفضل من فرصته في إقناع لجنة تحقيق.

الواضح أيضا أن الثقة بين المؤسسة العسكرية والقيادة السياسية كانت قد تآكلت بشدة قبل 7 أكتوبر، إلى حد أن نتنياهو رفض لقاء مسؤولين أمنيين في أكثر من مناسبة قبيل الحرب. كما تشير الجهود المبذولة لتفادي إنشاء لجنة مستقلة إلى نقص في الشفافية ومحاولة لتجنب المحاسبة عن أحد أسوأ الأيام في تاريخ إسرائيل

قرارات تتخذ في مكان آخر

ثمة كلفة لا تحظى بكثير من النقاش لاستراتيجية التأجيل الإسرائيلية الحالية: تراجع قدرة إسرائيل على التحكم في مسار الأحداث. فمحاولة معالجة قضايا استراتيجية بإجراءات تكتيكية أفقدتها زمام المبادرة وقلصت سيطرتها على ما سيأتي.

خاضت إسرائيل الحرب ضد إيران إلى جانب الولايات المتحدة. وتقود واشنطن الآن مسار وقف إطلاق النار في غزة، والمحادثات بشأن لبنان، والجهود الرامية إلى إنهاء المواجهة في هرمز. والإسرائيليون يلحظون هذا التحول: يقول نصفهم إن للإدارة الأميركية نفوذا في القرارات الأمنية الإسرائيلية يفوق نفوذ حكومتهم.

وحين لا تقدم إسرائيل خطة لمستقبل غزة، فلا يمكنها أن تشتكي إذا أخذ آخرون زمام المبادرة. وحين تترك شروط إنهاء حرب إيران معلقة، تمنح واشنطن وطهران مساحة أوسع للتفاوض على تلك الشروط بنفسيهما.

ويقوم هذا الاعتماد على قاعدة سياسية تضيق باطراد. فعلى الرغم من أن كثيرا من النقاش يتركز على المساعدات والأسلحة، فإن اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة ازداد أساسا في المجال الدبلوماسي. لم يسبق أن اعتمدت إسرائيل إلى هذا الحد على رئيس أميركي واحد في وقت لا تحظى فيه إلا بهذا القدر المحدود من التأييد بين الأميركيين عموما.

وللمرة الأولى منذ جيل، تظهر مؤشرات إلى أن الأميركيين لم يعودوا يتعاطفون مع الإسرائيليين أكثر من الفلسطينيين. وبين الديمقراطيين والأميركيين الأصغر سنا، مال الميزان بدرجة أكبر ضد إسرائيل. وصار تحالفها مع الولايات المتحدة يعتمد أكثر فأكثر على حزب واحد. وهذه قاعدة هشة لاستراتيجية أمنية تقوم على القوة الأميركية.

أما أوروبا، فبدأت تنتقل من الانتقاد إلى إجراءات عقابية، ويكبح هذا التوجه أساسا موقف ألمانيا وإيطاليا. إسرائيل ليست دولة منبوذة، لكن شركاءها يعيدون النظر في شروط علاقاتهم بها. والدعم الذي كان يؤخذ في السابق باعتباره أمرا مسلما به صار أكثر ارتباطا بشروط.

ويبقى أكبر مكسب دبلوماسي محتمل، وهو التطبيع مع السعودية، معلقا أيضا على خيار تواصل إسرائيل تأجيله. فلا تزال الرياض تشترط وجود مسار موثوق نحو إقامة دولة فلسطينية. وينقسم الإسرائيليون بعمق بشأن مستقبل الفلسطينيين، ولا يحظى أي خيار بتأييد يقترب من الأغلبية. وهذا الانقسام يترك إسرائيل من دون عرض واضح تضعه على الطاولة. وكلما طال تأجيل إسرائيل تقديم عرض كهذا، ازداد دور الآخرين في صياغة الشروط.

تلتقي كل هذه المسارات عند الانتخابات المقبلة. تتجه إسرائيل إلى اقتراع 27 أكتوبر فيما لا يزال 7 أكتوبر يشكل المحور السياسي للبلاد. وتظهر استطلاعات الرأي بلدا منقسما بالتساوي تقريبا

اقتراع حاسم

تلتقي كل هذه المسارات عند الانتخابات المقبلة. تتجه إسرائيل إلى اقتراع 27 أكتوبر فيما لا يزال 7 أكتوبر يشكل المحور السياسي للبلاد. وتظهر استطلاعات الرأي بلدا منقسما بالتساوي تقريبا.

لكن الأكثر دلالة من تقارب السباق هو ما يدور حوله: المحاسبة أكثر من الاستراتيجية. فالخصوم الرئيسون لنتنياهو، غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، من الصقور في قضايا الأمن. ويركزون في تحديهم له على إخفاق 7 أكتوبر والإعفاءات من الخدمة العسكرية، أكثر من النهج الأمني الحالي لإسرائيل واستراتيجيتها الأوسع. ويختلف الإسرائيليون بحدة حول من يستحق الثقة، أكثر من اختلافهم حول ما ينبغي فعله. ثمة إجماع أمني واسع وأزمة قيادة واضحة، فيما يكاد يغيب النقاش حول افتقار البلاد إلى رؤية استراتيجية.

أ.ف.ب
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يُظهر ورقة اقتراعه قبل الإدلاء بصوته في مركز اقتراع بالقدس، في الانتخابات العامة الإسرائيلية التاسعة عشرة، في 22 يناير 2013

وهذا ما يميز هذه الانتخابات عن التحول السياسي الكبير عام 1977، حين أنهى مناحيم بيغن عقودا من حكم "حزب العمل"، ثم عقد السلام مع مصر. وقد لا يؤدي تغيير الحكومة عام 2026 إلى تحول مماثل في الاتجاه. تقدم المعارضة قيادة مختلفة، ومن المؤكد أن تغير القيادة قد يفتح مجالا لضبط الاستراتيجية على نحو أدق. ومع ذلك، لم توضح المعارضة بعد كيف تختلف استراتيجيتها فعليا عن الاستراتيجية التي سيتركها نتنياهو وراءه.

النتيجة المباشرة الأكثر ترجيحا للانتخابات ليست قيام حكومة جديدة، وإنما دخول الأحزاب في مفاوضات مطولة لتشكيلها. فلا يبدو أن أيا من المعسكرين قادر على تأمين أغلبية برلمانية بمفرده. وستسعى الأحزاب الحريدية إلى حماية الإعفاءات من الخدمة العسكرية، فيما قد تمتلك الأحزاب العربية أصواتا حاسمة، مع أن أحزابا أخرى لا تزال تتردد في التحالف معها علنا. وقد يصبح التحقيق في 7 أكتوبر، والتجنيد العسكري، وطلب العفو الذي قدمه نتنياهو، أوراق مساومة.

وبعيدا عن هذه المفاوضات، بات جانب كبير من المسار واضحا بالفعل. يرجح أن تبقى خطوط الانتشار العسكرية الإسرائيلية بعد الانتخابات. ولا يرجح أن تنسحب أي حكومة محتملة ما دامت "حماس" و"حزب الله" مسلحين. ويكمن الخطر في أن تتحول مناطق أمنية مؤقتة إلى حدود دائمة من دون قرار صريح بذلك. كما يرجح أن تنتهي حرب إيران بالتفاوض لا بالاستسلام، على أن تؤدي الولايات المتحدة دورا أكبر من إسرائيل في صياغة شروط إنهائها.

بعد ثلاث سنوات من 7 أكتوبر، استعادت إسرائيل قدرتها على بث الخوف في أعدائها، لكنها لم تستعد قدرتها على منح مواطنيها الثقة في المستقبل. قد تغير الانتخابات من يقود البلاد، لكن إنهاء "أكتوبرها" الطويل سيتطلب حكومة مستعدة لتحمل مسؤولية الماضي واختيار مسار يتجاوزه.

font change

مقالات ذات صلة