إيران في أوروبا... شبكات خفية وتهديدات عابرة للحدود

التهديد الإيراني لأوروبا لم يقتصر على ضباط استخبارات ومخططات إرهابية، بل بات منظومة مرنة عابرة للحدود تتداخل فيها شبكات إجرامية وجمعيات خيرية وشركات واجهة ووسطاء، ما يفرض تجاوز منظومات أمنية تقليدية

أ.ف.ب
أ.ف.ب
رجل يقود دراجة نارية قرب لوحة إعلانية تحمل صوراً لمؤسس "الثورة الإسلامية" و "المرشد" الراحل روح الله الخميني و"المرشد" الراحل علي خامنئي وابنه مجتبى خامنئي، طهران، 3 يوليو 2026

إيران في أوروبا... شبكات خفية وتهديدات عابرة للحدود

لم يعد التهديد الإيراني المحتمل لأوروبا يشبه صورة الإرهاب المألوفة التي كان عليها في العقود الماضية. فقد بات يتجلى اليوم في رجلين يراقبان سفارة، أو مجرِمين محليين شبان يتربصون قرب قاعدة عسكرية. وقد يظهر على شكل عصابة مأجورة تستهدف موقعا يهوديا، أو جمعية خيرية تنقل الأموال، أو تاجر للأعمال الفنية يسهّل الالتفاف على العقوبات، أو شركة تجارية تتولى شراء تقنيات مزدوجة الاستخدام.

وتكشف التطورات الأخيرة في بريطانيا بعض ملامح هذا التهديد. ففي 9 أكتوبر/تشرين الأول، دفع رجلان ببراءتهما أمام المحكمة الجنائية المركزية في لندن، في "أولد بيلي"، من اتهامات بتنفيذ عمليات مراقبة لأغراض عدائية لحساب أجهزة الاستخبارات الإيرانية.

وشملت الأهداف التي يُزعم أنهما راقباها السفارة والقنصلية الإسرائيليتين في لندن، وكنيس بيفيس ماركس، ومصالح إسرائيلية أو يهودية أخرى. وتتعلق الاتهامات بعمليات استطلاع جرت في يوليو/تموز وأغسطس/آب 2025، ولا تزال صحتها رهن ما ستسفر عنه المحاكمة.

والأكثر إثارة للقلق التحقيقُ الجاري في أنشطة مشبوهة في محيط قاعدة فيرفورد الجوية التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، والتي تستخدمها القوات الأميركية. فالسلطات البريطانية تحقق في مخطط إرهابي محتمل، بعدما رُصد رجال ملثمون وثلاث مركبات نقل صغيرة قرب القاعدة في 27 سبتمبر/أيلول.

وأفاد مسؤولون أميركيون لاحقا بأن معلومات استخباراتية أشارت إلى احتمال التخطيط لهجوم إيراني بطائرات مسيّرة، وسحبت الولايات المتحدة في أعقاب ذلك قاذفاتها من طراز "بي-1" من القاعدة. وتنفي إيران أي ضلوع لها في الأمر، فيما لا يزال التحقيق جاريا.

ولا تتوقف أهمية هذه الوقائع على احتمال كون إيران هي من يقف وراءها أم لا، بل تشير إلى تحول أعمق في الأساليب التي تستخدمها طهران لممارسة الضغط والإكراه خارج حدودها. ولم يعد ممكنا في الحقيقة اختزال الأنشطة المرتبطة بإيران في سلسلة من المخططات الإرهابية التي ينفذها ضباط استخبارات إيرانيون. فقد برزت منظومة مرنة عابرة للحدود، تتداخل فيها أنشطة أجهزة الدولة ووكلائها مع شبكات الجريمة المنظمة، والممولين، والجمعيات الخيرية، والمؤسسات التعليمية، والشركات الواجهة، والوسطاء المحليين.

من الدبلوماسيين إلى وسطاء يمكن الاستغناء عنهم

لإيران تاريخ طويل في تنفيذ عمليات عدائية خارج أراضيها، غير أن أساليبها تغيرت. ويقدم مخطط تفجير تجمع لشخصيات من المعارضة الإيرانية قرب باريس عام 2018 مثالا على النهج الذي اتبعته في مرحلة سابقة. فقد أُدين لاحقا أسد الله أسدي، الذي كان آنذاك دبلوماسيا إيرانيا معتمدا ومقيما في فيينا، لدوره في المخطط. وأظهرت ملاحقته قضائيا كلفة الاستعانة بمسؤولين يعملون تحت غطاء دبلوماسي لتنفيذ أنشطة إرهابية.

رويترز
عناصر من الشرطة يظهرون أمام مبنى المحكمة في أنتويرب ببلجيكا وقت محاكمة الدبلوماسي الإيراني أسد الله أسدي المتهم بالتخطيط لتفجير اجتماع لجماعة معارضة إيرانية في المنفى بفرنسا، في 27 نوفمبر 2020

ومنذ ذلك الحين، اتجهت إيران بصورة متزايدة إلى إسناد عملياتها إلى جهات من خارج أجهزتها الرسمية. فالمجرمون والوسطاء المحليون يسهل تجنيدهم، ويصعب إثبات صلتهم بالدولة الإيرانية بصورة قاطعة، ويمكن التخلي عنهم عند الحاجة. ويقدم ما جرى في السويد أحد أوضح الأمثلة على هذا النهج، إذ خلصت وزارة الخزانة الأميركية إلى أن شبكة "فوكستروت" الإجرامية هي التي نفذت هجوما على السفارة الإسرائيلية في استكهولم في يناير/كانون الثاني لحساب إيران.

اتجهت إيران بصورة متزايدة إلى إسناد عملياتها إلى جهات من خارج أجهزتها الرسمية. فالمجرمون والوسطاء المحليون يسهل تجنيدهم، ويصعب إثبات صلتهم بالدولة الإيرانية بصورة قاطعة

وذهبت الحكومة البريطانية إلى مدى أبعد في تحميل إيران المسؤولية علنا عن هذا النمط من العمليات. ففي يوليو/تموز، فرضت عقوبات على جماعة "الحركة الإسلامية لأصحاب اليمين"، المعروفة أيضا بالاختصارين "IMCR" و"HAYI"، بعدما أعلنت مسؤوليتها عن سبع هجمات استهدفت مواقع يهودية وإسرائيلية ومؤسسات إعلامية ناطقة بالفارسية في بريطانيا. وتقدر الحكومة البريطانية أن عناصر من "فيلق القدس" التابع لـ"الحرس الثوري" الإيراني يقفون وراء الجماعة، وأنهم وجهوا هجماتها في أنحاء أوروبا "على نحو يكاد يكون مؤكدا".

ومن هنا تكتسب التحقيقات في حادثة فيرفورد أهمية خاصة. فإذا ثبت وجود صلة إيرانية، فإن ذلك سيكشف قدرة أي دولة على تسخير عناصر محلية محدودة الخبرة والإمكانات، وتحويلها إلى أدوات تستطيع دفع قوة عسكرية كبرى إلى تعديل انتشار أصولها الاستراتيجية. ويمكن لإيران أيضا الاستعانة بمثل هؤلاء العناصر المأجورين لتوجيه رسائل تهديد محدودة الشدة إلى الولايات المتحدة.

البنية التحتية وراء الهجمات

غير أن التركيز على محاولات العنف وحدها يغفل جانبا كبيرا من التهديد. فالمنظومة الأوسع التي تقف وراء هذه الأنشطة تستطيع تجنيد الأفراد عبر المنصات الدينية والتعليمية، وجمع الأموال من خلال الجمعيات الخيرية، وترويج الروايات عبر المؤسسات الإعلامية، وتحويل الأموال بواسطة الشركات التجارية، وشراء المعدات عبر شبكات تجارية تعمل بصورة مشروعة.

رويترز
الشرطة تؤمّن محيط "مركز الثقافة الإسلامية في فرانكفورت" بعد أن حظرت وزارة الداخلية الألمانية "المركز الإسلامي في هامبورغ" والمنظمات التابعة له بدعوى سعيه لتحقيق أهداف متطرفة، ألمانيا، في 24 يوليو 2024

وتقدم "جامعة المصطفى العالمية" الإيرانية مثالا على الدور الذي يمكن أن تؤديه مؤسسات تبدو مدنية في ظاهرها في عمليات التجنيد ضمن هذه المنظومة. فقد اتهمت وزارة الخزانة الأميركية الجامعة، التي يمتد نشاطها إلى بلدان عدة، بأن "فيلق القدس" التابع لـ"الحرس الثوري" الإيراني يستخدمها لتجنيد أفراد للعمل في عمليات استخباراتية وميليشيات خارج إيران.

وأظهر إغلاق السلطات الألمانية المركز الإسلامي في هامبورغ عام2024  وجها آخر لهذه البنية المؤسسية، إذ اعتبرته الحكومة الألمانية مؤسسة بارزة مرتبطة بإيران وتقدم الدعم أيضا إلى "حزب الله".

وتنتقل الأموال عبر قنوات لا تقل تنوعا. ففي ديسمبر/كانون الأول 2025، اعتقلت السلطات الإيطالية تسعة أشخاص للاشتباه في تحويل نحو سبعة ملايين يورو عبر جمعيات خيرية إلى جهات مرتبطة بحركة "حماس".

وفي بريطانيا، استعانت شبكة الالتفاف على العقوبات المرتبطة بناظم أحمد، أحد ممولي "حزب الله"، بسوق الأعمال الفنية الدولية. واستهدفت السلطات الأميركية أيضا منصات لتداول العملات المشفرة مسجلة في المملكة المتحدة، متهمة إياها بمعالجة حجم هائل من المعاملات المرتبطة بمحافظ رقمية على صلة بـ"الحرس الثوري" الإيراني. وبرزت بلجيكا في شبكات التمويل التجاري المرتبطة بـ"حزب الله"، وسويسرا في ترتيبات تجارة النفط الإيراني واستخدام الشركات الواجهة، وإسبانيا في تحقيقات تتعلق بشراء مكونات الطائرات المسيّرة لصالح "الحزب".

وقد تبدو هذه القضايا، إذا نُظر إلى كل منها على حدة، ملفات متفرقة تتعلق بتنظيم عمل الجمعيات الخيرية، أو العقوبات، أو الجرائم المالية، أو ضوابط التصدير. غير أن النظر إليها مجتمعة يكشف عن بنية تحتية مترابطة تتيح ممارسة الضغط والإكراه.

فالشبكات التي تنقل الأشخاص والأموال والتكنولوجيا والمعلومات يمكن إعادة توجيه نشاطها بسرعة لخدمة أغراض أخرى. فالوسيط الذي ينقل اليوم أموالا خاضعة للعقوبات قد يقدم غدا دعما لوجستيا. والمجرم الذي يُجند لمراقبة هدف معين قد يُكلف لاحقا بترهيبه أو مهاجمته. وقد تُستخدم قناة تجارية لشراء المعدات في خدمة ميليشيا تعمل بالوكالة عن إيران في الخارج، فيما تسهم في الوقت نفسه في بناء قدرات تصلح لتنفيذ عمليات داخل أوروبا.

لماذا أصبحت أوروبا أكثر عرضة للتهديد؟

ضاعف تطوران من خطورة هذه الشبكات على الأمن الأوروبي.

أولهما: تعمق انخراط إيران في الحرب الروسية على أوكرانيا. فقد خرجت الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية، وشبكات شراء المعدات والالتفاف على العقوبات، من نطاق الاهتمام بشؤون الشرق الأوسط، بعدما أصبحت تسهم مباشرة في حرب تدور على حدود أوروبا. ونتيجة لذلك، باتت وزارات الدفاع وأجهزة الجمارك والهيئات الرقابية المالية وسلطات مراقبة الصادرات أطرافا معنية بملف كانت إدارته تتركز سابقا لدى مؤسسات السياسة الخارجية ومكافحة الإرهاب.

أما التطور الثاني فهو الحرب مع إيران التي اندلعت في فبراير/شباط 2026. فلم تعد أوروبا مجرد منطقة إسناد لوجستي خلف ساحات المواجهة، إذ باتت المؤسسات الإسرائيلية واليهودية، والمعارضون الإيرانيون، والمقار الدبلوماسية، والمنشآت العسكرية المرتبطة بالعمليات الأميركية، أهدافا محتملة لأعمال انتقامية أو رسائل تهديد ترمي إلى ممارسة الضغط والإكراه.

رويترز
عناصر من الشرطة يقفون قرب السفارة الإسرائيلية في ستوكهولم بالسويد وقتما عُثر فيه على جسم يُعتقد أنه عبوة ناسفة وفقا لما ذكرته الشرطة، في 31 يناير 2024

ومع هذه التطورات، يتضاءل معنى الفصل بين الإرهاب والبنية التحتية التي تدعمه. ومن هنا تبرز أهمية قرار الاتحاد الأوروبي في فبراير/شباط2026  بتصنيف "الحرس الثوري" الإيراني منظمة إرهابية، رغم أن هذا الإجراء لا يكفي وحده. فهو يوسع نطاق تجميد الأصول، وتشديد التدقيق في الالتزام بالعقوبات والضوابط القانونية، وتعزيز التعاون بين الجهات المختصة. غير أن أكثر مكونات المنظومة الإيرانية قدرة على الصمود هي تلك المصممة للعمل خارج الهياكل المرتبطة علنا بـ"الحرس الثوري"، ومنها الشركات الواجهة، والعملات المشفرة، والوسطاء المحترفون، والمنظمات المجتمعية، والوسطاء المنخرطون في شبكات الجريمة.

مواجهة هذا التهديد تقتضي أكثر من إحباط الهجمات الإرهابية المدويّة. فأجهزة الأمن مطالبة بالكشف عن الحالات التي تتحول فيها الشبكات المالية والخيرية والتجارية والإجرامية إلى أدوات لتنفيذ العمليات

لكن مواجهة هذا التهديد تقتضي أكثر من إحباط الهجمات الإرهابية المدويّة. فأجهزة الأمن مطالبة بالكشف عن الحالات التي تتحول فيها الشبكات المالية والخيرية والتجارية والإجرامية إلى أدوات لتنفيذ العمليات. وعلى المحققين الماليين إدراك صلة هذه الأنشطة بالأمن القومي، فيما يتعين على سلطات مراقبة الصادرات النظر إلى شبكات شراء المعدات باعتبارها مكونات محتملة في منظومة أوسع لممارسة الضغط والإكراه. أما أجهزة مكافحة الإرهاب، فعليها تجاوز التركيز على العضوية الرسمية في التنظيمات، وتوسيع نطاق اهتمامها ليشمل الوسطاء والمجرمين الذين يمكن الاستعانة بهم لتنفيذ مهام مؤقتة.

وتكمن قوة النموذج الإيراني الذي أخذ يتبلور في صعوبة الفصل بين أطرافه وأدوارها. فمن يتولى المراقبة قد لا يكون ضابطا في "الحرس الثوري". والشركة التي تنقل الأموال قد لا ترتبط رسميا بـ"حزب الله". أما المجرم الذي يضرم حريقا، فقد لا يحمل أي قناعة أيديولوجية تربطه بإيران. ومع ذلك، يؤدي كل منهم دورا داخل المنظومة نفسها.

أ.ف.ب
متطوعون إيرانيون خلال افتتاح مركز تدريب تابع "للجيش الإيراني"، وسط طهران، 3 أكتوبر 2026

وعليه، لم يعد السؤال الذي ينبغي للحكومات الأوروبية وحلفائها طرحه مقتصرا على معرفة المنتمين إلى التنظيمات الإرهابية الإيرانية، وإنما بات السؤال الأهم: ما السرعة التي تستطيع بها إيران تحويل الشبكات القائمة داخل المجتمعات الأوروبية وخارجها إلى أدوات للضغط والإكراه؟

وتكشف الحوادث التي يجري التحقيق فيها في بريطانيا عن حاجة تزداد إلحاحا للإجابة عن هذا السؤال.

font change

مقالات ذات صلة