حراس الغربة القادمة في معرض ياسمينة نستن

ذلك الشيء الهش الذي يقف قبل أن يتحول إلى ماض

Saleh Barakat Gallery
Saleh Barakat Gallery
من أعمال ياسمينة نستن

حراس الغربة القادمة في معرض ياسمينة نستن

يشير عنوان معرض الفنانة الفنلندية اللبنانية ياسمينة نستن في "صالة صالح بركات" في بيروت، "حراس الذاكرة" إلى أن ثمة ذاكرة يمكن حراستها، وأن ما مضى قابل للبقاء في صورة أو مجموعة صور يمكن استعادتها أو على الأقل، التعرف إليها ولو بعد مرور مئات السنين. لكن الوقوف أمام أعمال المعرض ذات الهوى الفيروزي، في إشارة إلى اللون الطاغي عليها، يجعل هذه الفكرة أقل استقرارا مما يوحي به العنوان. فما يظهر هو شظايا وصور خاطفة ومواقف، شأنها أن تبقى معلقة بين الوضوح والالتباس.

مسرحة الفعل

تحضر الذاكرة في أعمال الفنانة على نحو غير تقليدي، إذ ينتاب المشاهد إحساس بأنه أمام ما قد حدث فعلا أو كاد أن يحدث مع بقاء مصدر المشاهد المرسومة غير واضح دائما. فهل ما تظهره الفنانة هو تجربة شخصية دامغة اتسعت لتصبح إنسانية جمعاء، كما في اللوحة التي تظهر فيها فتاتان وخلفهما امرأة قد تكون أمهما، تنحني لتنظر من نافذة الغرفة الواسعة، وإلى جانبها عكازة تساعدها في التنقل بسبب وهن ساقيها؟ أم أن اللوحات هي، في مجملها، مجرد ومضات من ذاكرة جماعية؟ أم صور من حاضر لا نعرف إن كان قد وقع فعلا أم أنه صنع في مخيلة الفنانة؟

في لوحات عدة، يبدو أن الفنانة تعرف الذاكرة بوصفها مفهوما أكثر مما تستحضر مواقف حياتية دامغة تتابعت، فتشكلت في النفس. ومن أكثر اللوحات دلالة، تلك التي تبدو فيها فتاة ترتدي عقدا أزرق ينتهي بعصفور منبسط الجناحين، مديرة ظهرها لخزانة مغلقة بالزرقة الفيروزية نفسها التي يكتسي بها العصفور. لذلك، تبدو معظم الشخصيات في عدد من الأعمال جزءا من مسرحة تفرضها الذاكرة، فتربط الشخوص بانشغالات عادية لها دوافع وأهداف، مثل فتاة تجلس، وشخص ينظر، واثنين في عرسهما، وفتاة تغطس قدميها في ماء المسبح.

تبقى أفعال الشخوص وانشغالاتهم معلقة عند عتبة الحكاية، وكأن اللوحة تبدأ في بناء قصة ثم تتراجع عنها، كما في اللوحة التي تجنح فيها الفنانة إلى السوريالية، حيث تبدو فتاة جالسة في الريف وبيدها كتاب وعلى حجرها رأسها، لكن بعينين مغمضتين في سبات هانئ. إنها يقظة تهدهد الذاكرة، أو ذاكرة تنيم اليقظة إلى أجل غير مسمى.

لعل هذا يفسر ميل ياسمينة نستن إلى ما يمكن تسميته بالسرد المفتوح، حيث يبدو أنها تحب القصص التي تبدأ من مشهد أو وضعية لتتركنا أمام أسئلة لا تجيب عنها اللوحة

لعل هذا يفسر ميل ياسمينة نستن إلى ما يمكن تسميته بالسرد المفتوح، حيث يبدو أنها تحب القصص التي تبدأ من مشهد أو وضعية لتتركنا أمام أسئلة لا تجيب عنها اللوحة. فالفعل موجود، والشخصيات لها دوافعها، لكن الحكاية لا تكتمل. وكأن المهم هو إبقاء ما قد يحدث ممكنا. ومن أهم الأمثلة على ذلك، اللوحة التي عنونتها الفنانة "مفاتيح ثانوية"، والتي تزخر بالعناصر المهمة، مثل فنجان القهوة المقلوب على صحنه، كما يحدث عند قراءة الفنجان، والخريطة المفتوحة على الطاولة، والقطة الجالسة قرب النسوة، والناظرة مباشرة إلى عين مشاهد اللوحة، في نوع من الاعتراض على تطفل عين الناظر إلى ما يجري في اللوحة. نذكر أيضا المبخرة التي لا يشتعل بخور في قلبها، وتحملها سيدة تبدو قادمة من عالم آخر يختلف عن عالم النساء الثلاث الجالسات إلى الطاولة والمنهمكات في حل معضلة ما، أو في فك شيفرات الخريطة الجغرافية، وخلفهن نافذة مطلة على مدينة يبدو أن لها، أو فيها، ما يتصل ببحثهن.

هنا ربما تكمن إحدى خصائص تجربة ياسمينة الفنية. فهي لا تمنحنا ما يكفي من التفاصيل كي نعرف من هؤلاء الأشخاص وماذا حدث لهم، لكنها تمنحنا ما يكفي كي نشعر بأن ثمة شيئا لا نستطيع الوصول إليه تماما. تأخذنا هذه الأجواء إلى "شريط موبيوس"، نسبة إلى عالم الرياضيات الألماني أوغست فرديناند موبيوس الذي اكتشف هذا الشكل الهندسي العجيب ذي الوجه الواحد والحافة الواحدة، والذي لا يفصل الداخل عن الخارج كما نتوقع، بل يجعلهما يلتقيان في مسار واحد وفي التباس مستمر بين الداخل والخارج والماضي والحاضر، وما ظهر وما بقي مستترا.

اللحظة وهي تغادر

كلما أطال المشاهد النظر في الأعمال، بدا له أن الشخصيات لا تحاول فقط استعادة ما مضى بل تبحث أيضا عن مكان لها في ما سيأتي وعن اتجاه تهتدي إليه، وربما عن موضع تنتمي إليه في عالم أبرز سماته عدم الاستقرار. يبقى الماضي حاضرا، ولكن حصرا من خلال كونه في سياق رحيله. فاللحظة التي نعيشها تبدو منذ الآن في طريقها إلى أن تتحول إلى شيء آخر. ولهذا لا تكون اللوحة مجرد استعادة لما كان، إنما مواجهة مقلقة ودائمة مع زمن لن يكتمل.

Saleh Barakat Gallery
عمل للفنانة اللبنانية الفندلندية ياسمينة نستن

الوجوه بدورها لا تمنح نفسها بسهولة. بعضها يحجبه أثر الفرشاة، وبعضها يظهر من خلال العلامات، وبعضها الآخر يواجهنا بألوان حادة، بينما تأتي وجوه أخرى أكثر دفئا واقترابا من الرومانسية. إنها مراوغة متعمدة، فما إن نظن أننا أمسكنا بالوجه حتى يتغير. ولعل شخصيات اللوحات تحتاج إلى هذا القدر من الغموض كي تستمر.

ويشكل اللون الفيروزي في مجمل لوحات المعرض، بل في لوحات الفنانة السابقة أيضا، أهمية كبرى. فهو بمثابة قوة تبقي الحياة مفتوحة أمام احتمالات متعددة. إنه لا يشرح ما نراه ولا يمنحه معنى واحدا بقدر ما يسمح لمعان كثيرة شديدة الاختلاف بأن تتجاور وتتداخل وتتباعد. وربما لهذا يبدو اللون الفيروزي الحارس الفعلي لما لا يزال قابلا لأن يكون.

 

Saleh Barakat Gallery
من لوحات ياسمينة نستن

وهنا ربما تكمن إحدى خصائص تجربة ياسمينة الفنية. فهي لا تمنحنا ما يكفي من التفاصيل كي نعرف من هؤلاء الأشخاص وماذا حدث لهم، لكنها تمنحنا ما يكفي كي نشعر بأن ثمة شيئا لا نستطيع الوصول إليه تماما. تأخذنا هذه الأجواء إلى "شريط موبيوس" نسبة إلى عالم الرياضيات الألماني أوغست فيرديناند موبيوس الذي اكتشف هذا الشكل الهندسي العجيب ذي الوجه الواحد والحافة الواحدة والذي لا يفصل الداخل عن الخارج كما نتوقع، بل يجعلهما يلتقيان في مسار واحد وفي التباس مستمر بين الداخل والخارج والماضي والحاضر وما ظهر وما بقي مستترا.

اللحظة وهي تغادر

كلما أطال المشاهد النظر في الأعمال، بدا له أن الشخصيات لا تحاول فقط استعادة ما مضى بل تبحث أيضا عن مكان لها في ما سيأتي وعن اتجاه تهتدي إليه، وربما عن موضع تنتمي إليه في عالم أبرز سماته عدم الاستقرار. يبقى الماضي حاضرا، ولكن حصرا من خلال كونه في سياق رحيله. فاللحظة التي نعيشها تبدو منذ الآن في طريقها إلى أن تتحول إلى شيء آخر. ولهذا لا تكون اللوحة مجرد استعادة لما كان، إنما مواجهة مقلقة ودائمة مع زمن لن يكتمل.

الوجوه بدورها لا تمنح نفسها بسهولة. بعضها يحجبه أثر الفرشاة، وبعضها يظهر من خلال العلامات، وبعضها الآخر يواجهنا بألوان حادة، بينما تأتي وجوه أخرى أكثر دفئا واقترابا من الرومانسية. إنها مراوغة متعمدة، فما إن نظن أننا أمسكنا بالوجه حتى يتغير. ولعل شخصيات اللوحات تحتاج إلى هذا القدر من الغموض كي تستمر.

ويشكل اللون الفيروزي في مجمل لوحات المعرض، بل في لوحات الفنانة السابقة أيضا، أهمية كبرى. فهو بمثابة قوة تبقي الحياة مفتوحة أمام احتمالات متعددة. إنه لا يشرح ما نراه ولا يمنحه معنى واحدا بقدر ما يسمح لمعان كثيرة شديدة الاختلاف بأن تتجاور وتتداخل وتتباعد. وربما لهذا يبدو اللون الفيروزي الحارس الفعلي بل لما لا يزال قابلا لأن يكون.

ما نراه قد يفلت منا بمجرد أن نحاول تسميته أو تصنيفه، إن كان من اللحظات السعيدة أو مما سيصبح مؤلما لاحقا

هذا ما يجعل معظم الأعمال أقرب إلى تجسيد للحظة أو خاطرة عابرة منها إلى صورة تذكارية. فما نراه قد يفلت منا بمجرد أن نحاول تسميته أو تصنيفه، إن كان من اللحظات السعيدة أو مما سيصبح مؤلما لاحقا. وربما من أبرز الأعمال التي تتفرع عن هذه الفكرة تلك التي تصور عريسين في حفلة عرسهما، وهي من أكثر الأعمال التي تبدو للوهلة الأولى قابلة لأن تكون صورة تذكارية لحدث سعيد. لكن ما يصلنا منها ليس الاحتفال بقدر ما هو توثيق لغربة مثيبة، لن تجد فيها الذاكرة رحيقا عذبا تتغذى منه. الصورة تسجل لحظة يفترض أن تصبح ذكرى جميلة، بينما تحمل في داخلها احتمال هروبها وتلاشي معناها. في هذا المعنى، لا يعود السؤال فقط عما تحفظه الصورة، بل عما يحدث للصورة نفسها عندما يصبح ما تسجله بعيدا عنها.

ما كاد يقال

ومن بين أعمال الفنانة ياسمينة نستن، اختار القيم على معرض "حراس الذاكرة" لوحة قد تكون من أكثر الأعمال اتصالا بأفكار المعرض، لذا تستحق ترويا في قراءتها. فتاة اللوحة، على ما يبدو، في سن المراهقة، تجلس شبه متقوقعة على حافة مسبح، واضعة ساقيها في الماء. جسدها لا يبديها مستمتعة بالماء بل يصلنا منه إحساس بالبرد الشديد. تنظر في اتجاهنا بتململ لا تريد إخفاءه كأنها تريد أن تنتهي من صورة فوتوغرافية كان لا بد أن تلتقط لها من جانب أحد الأصدقاء أو الأقرباء. المصور في هذه اللحظة عين دخيلة إلى عالم الفتاة النفسي، فيما تلتقط الصورة تفاصيل ناضحة من محياها ووضعية جلوسها. "هل انتهيت من تصوير هذه اللقطة كي أخرج من هذه المياه الباردة؟"، على الأرجح، هذا ما تقوله في نفسها، بجسد يحاول أن يحتمل لحظة لا يعرف لماذا وجد نفسه فيها.

Saleh Barakat Gallery
من معرض ياسمينة نستن

ولعل ما يجعل هذه اللوحة متصلة بفكرة "حراس الذاكرة"، أنها للوهلة الأولى توثق لحظة عابرة قابلة لأن تصبح ذكرى شخصية. لكن الفنانة لا تمنحنا لحظة مكتملة يمكن الاحتفاظ بها بسهولة، فالفتاة لا تبدو مستسلمة للحدث أو مستمتعة به، وكأن الصورة تحفظ، إلى جانب حضورها، شعورا عابرا بالضيق والانتظار والاغتراب عن اللحظة نفسها. وهكذا لا تعود الذاكرة هنا مرتبطة بما حدث فقط، إنما بما قد يبقى من إحساس غامض حين يصبح الحدث بعيدا.

في هذه اللوحة المميزة شيء من التوتر النفسي الذي يميز أعمال الفنان الأميركي أليكس غروس حيث تبدو الوضعية اليومية حاملة شحنة نفسية تتجاوز ما يحدث على سطحها. وفيها أيضا شيء من أجواء لوحات المسبح عند الفنان ديفيد هوكني، لا سيما من حيث الإحساس بالعزلة والسكون المستشري في متاهة نفس اعتادت على الملل فتماهت معه. وهناك أيضا، من ناحية أخرى، ذلك الغموض الذي استطاع أن يخرق كل ما ظهر في اللوحة ليشير إلى التباساتها الشائكة.

Saleh Barakat Gallery
لوحة لياسمينة نستن

في لوحة أخرى تنظر فتاة مباشرة إلى المشاهد، لكن نظرتها فارغة على نحو مختلف. فإذا كانت فتاة المسبح يقظة، كأنها تنتظر شيئا أو تسأل، فإن هذه الفتاة حاضرة فيما يغيب صاحبها. جسدها حاضر أمامنا لكن يبدو أن وعيها أو انشغالها الداخلي قد ابتعد عن اللحظة التي تنوجد فيها. إنها نظرة لا تنتظر شيئا من الجهة الأخرى. والفارق بين النظرتين مهم لأنه يكشف كيف يمكن الحركة نفسها أو الوضعية نفسها تقريبا أن تنتج حالات داخلية متباعدة.

بدل أن تكون المهمة حفظ ما مضى كما هو، فإن الأعمال تترك الأشياء في حالة من السيولة، كي لا تستقر في صورة حقيقة مغلقة

في النهاية، تكمن قوة أعمال الفنانة بشكل عام في إبقاء الصور على الحافة بين الواقع والخيال، وبين الحياة والموت، وبين ما نعرفه وما لا نستطيع أن نعرفه. ولعل هذا ما يجعل فكرة الحراسة قابلة لإعادة النظر. فبدل أن تكون المهمة حفظ ما مضى كما هو، فإن الأعمال تترك الأشياء في حالة من السيولة، كي لا تستقر في صورة حقيقة مغلقة. وهكذا تصبح لوحات "حراس الذاكرة" أقل انشغالا بحراسة الماضي مما تبدو عليه للوهلة الأولى، وأكثر انشغالا بذلك الشيء الهش الذي يقف قبل أن يتحول إلى ماض، أو بعد أن يفلت من أن يكون حاضرا.

font change