كرس الدكتور في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا عبدالرحمن بن عبدالله الشقير، دراساته لتشريح المفاهيم الكامنة في المجتمع وتفسيرها، كما سعى في كتبه إلى التوغل لأصل التراث والتقاليد، فأصدر "الذاكرة الشعبية السعودية" في جزءين، و"حضارة منقوشة على حجر: الشعب الثمودي"، كما قدم كتاب "حضارة طسم وجديس"، وغيرها من الأبحاث التي تفكك أهم معالم الأنثروبولوجيا العربية. هنا حوار "المجلة" معه.
درست المجتمع السعودي في كتابك لتحليل الذاكرة الشعبية من خلال نظرية "الهابيتوس"، لكن كيف تفسر احتفاظ المجتمع السعودي بالعديد من عناصر التراث العربي القديم؟
أرى أن استمرار عناصر كثيرة من التراث العربي القديم في المجتمع السعودي يعود إلى قدرته على إعادة إنتاج بعض قواعده وممارساته داخل ظروف جديدة. فالحداثة غيرت الأدوات والمؤسسات وسرعة الحياة، لكنها لم تمح المخزون الثقافي المتراكم، بل أعادت تشكيل بعضه وتوزيعه بين الأسرة والمجلس والمدرسة.
وهنا من المهم التفريق بين العادات والتقاليد العامة وبين ما يسميه بيير بورديو "الهابيتوس". فالعادات والتقاليد هي الممارسات المشتركة الظاهرة داخل المجتمع، أما الهابيتوس فهو أعمق، إذ يتعلق بالأذواق والسلوكيات المنغرسة في وعي الفرد ولاوعيه وتتشكل عبر الأجيال، ثم يكتسبها داخل أسرته وطبقته وبيئته الاجتماعية، ثم يمارسها بصورة تبدو عفوية. ومن هنا تظهر للباحث الحصيف المساحة الشاسعة بين النخبة التي تمتلك الثروة المتوسطة والثقافة العالية والتي تمتلك الثروة العالية مع ثقافة متوسطة، ومن يمارس سلوك النخبة بتلقائية ومن يمارسها بتكلف.
ويمكن رؤية عنصري العادات والهابيتوس في المجلس السعودي، فقد يتغير أثاثه وموقعه وشكله، بينما تستمر قواعد الاستقبال والضيافة ومراعاة السن والمكانة وحقوق الضيف. أما الفروق الدقيقة في طريقة التعامل مع الضيف، ومستوى الحفاوة به، وترتيب المكانة داخل المجلس، فتتأثر بالهابيتوس الاجتماعي للأسرة والطبقة أكثر من ارتباطها بالعادات العامة وحدها.
ومن ثم يمكن فهم استمرار التراث في ثلاثة مسارات مترابطة. الأول استمرار عناصر قادرة على التكيف وإعادة إنتاج نفسها في بيئات جديدة. والثاني تآكل بعض العناصر عندما تضعف الأسرة والمدرسة والجيرة التي كانت تنقلها، بوصفها ناقلا للحكايات والأمثال والعادات بين الأجيال. والثالث إعادة تشكيل بعض الأسر لهابيتوسها مع تغير موقعها الاقتصادي والاجتماعي، خصوصا عند حدوث تفاوت بين الثروة المالية ورأس المال الثقافي وشبكات العلاقات الاجتماعية، وهذه الأخيرة برزت بوضوح في العقدين الأخيرين، ولم تحظ بالدراسات الكافية حتى الآن.




