أنفاق "حزب الله"... حين تدفع الجغرافيا الثمن مرتين

السلاح الذي تحوّل إلى عبء

رويترز
رويترز
مشهد لغرفة عمليات تابعة لـ"حزب الله" داخل "متحف المقاومة" الذي يديره الحزب في قرية مليتا بجنوب لبنان، ويضم الموقع دبابات إسرائيلية متضررة وقاذفة صواريخ وملجأً تحت الأرض محفورا في الصخور، في 1 يوليو 2010

أنفاق "حزب الله"... حين تدفع الجغرافيا الثمن مرتين

منذ هدنة أبريل/نيسان الماضي التي أتت بعد جولة الإسناد الثاني، دخل جنوب لبنان في ما يصحّ أن يُطلق عليه "حرب الأنفاق"، وهي حرب من طرف واحد يعمد فيها الجيش الإسرائيلي إلى تفخيخ أنفاق لـ"حزب الله" وتفجيرها.

يتكتّم "حزب الله" على انكشاف أنفاقه وعلى تفجيرها، فلا يشرح ولا يقدّم معلومات، وليس بين أيدينا لمحاولة فهم ما يجري سوى الرواية الإسرائيلية، التي تدّعي أن عمليات التفجير الضخمة التي ينفّذها الجيش الإسرائيلي في الجنوب، والتي تصل أصداؤها في كثير من الأحيان إلى مناطق قريبة من العاصمة بيروت، هي جزء من خطة أمنية لتدمير البنى التحتية العسكرية لـ"حزب الله"، والقضاء على منظومته الصاروخية، وقطع الطريق أمام مقاتليه للتسلل إلى الداخل، وحماية أمن المستوطنات الحدودية.

أما على أرض الواقع، فالخطة الإسرائيلية يبدو أنها تشمل أيضا تدمير البنى الفوقية المدنية، حيث تمحو التفجيرات معالم جغرافية كاملة من على الخريطة، وتحوّل أراضي جنوبية واسعة إلى أماكن غير قابلة للحياة.

هذا المحو يمكن رصده في قرية مجدل زون التي شطرها تفجير نفق لـ"حزب الله" إلى قسمين، أما قرية القنطرة فقد هبط الجبل الذي تقوم عليه إلى الوادي بعد سلسلة من التفجيرات، كذلك التلة الصخرية المتصلة بقلعة الشقيف التي تحوّلت إلى غبار، أما آخر التفجيرات الضخمة فكان من نصيب تلة علي الطاهر المشرفة على النبطية، التي صار ارتفاعها بعد التفجير أقل مما كان عليه قبله، كما يقول أهل المنطقة.

انصرف "حزب الله" بعد عام 2000، إلى ترهيب شركائه في الوطن، وأحيانا اغتيالهم، بينما كانت إسرائيل في هذا الوقت، تحدّث أنظمة اتصالها وسلاحها الاستخباراتي وتطوّر تقنياتها التجسسية، وتراكم بيانات أمنية ضخمة عنه

بعيدا عن تحليل المشهد، هناك سؤال يحيّر أهل الجنوب، وهو كيف تمكّنت إسرائيل من كشف هذا العدد من أنفاق "حزب الله" وتدميرها واحدا واحدا، برغم أن "سلاح الأنفاق" هو من الأسرار الحزبية المقدسة؟ وهنا تعود مسألة الخرق الأمني، التي كان من أكبر نتائجها اغتيال الأمين العام السابق حسن نصرالله داخل أحد أكثر الأنفاق تحصينا وعمقا أسفل الضاحية الجنوبية لبيروت، لتطغى على النقاشات وتحمّل "الحزب" نفسه مسؤولية ما يحدث.

أ.ف.ب
تظهر صور المرشد الإيراني الراحل آية الله روح الله الخميني، والمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي والقيادي السابق في "حزب الله" عباس الموسوي، على جدران نفق تحت الأرض تابع للحزب في مليتا بجنوب لبنان، 21 مايو 2010

بحسب أحد أبناء الجنوب "انصرف (حزب الله) بعدما حقق إنجاز التحرير في عام 2000، إلى ترهيب شركائه في الوطن، وأحيانا اغتيالهم، بينما كانت إسرائيل في هذا الوقت، تحدّث أنظمة اتصالها وسلاحها الاستخباراتي وتطوّر تقنياتها التجسسية، وتراكم بيانات أمنية ضخمة عنه".

فيما يقول آخر: "هناك محطتان لعب فيهما (حزب الله) على المكشوف بالنسبة إلى سلاح الأنفاق، وهما برغم تباعدهما الزمني شكّلتا معا استفزازا للعقل الأمني الإسرائيلي، في حين لم تخرجا عمليا لدى (حزب الله) من دائرة الحرب النفسية، أو في أحسن الأحوال توازن الرعب".

المحطة الأولى تعود إلى مايو/أيار 2010، حين افتتح "حزب الله" في الجنوب ما يُعرف بـ"معلَم مليتا للسياحة الجهادية"؛ وكانت أولى الإشارات إلى "سلاح الأنفاق"، يومها قال نصرالله في خطاب الافتتاح إن نفق مليتا هو من أقدم الأنفاق في مرتفعات إقليم التفاح، وقد بدأ "حزب الله" حفره في أواخر الثمانينات واستغرق نحو ثلاث سنوات، وكان يؤوي المقاتلين ومجموعات الرصد.

المحطة الثانية كانت في أغسطس/آب 2024، حين نشر الإعلام الحربي فيديو عن "منشأة عماد-4"، وكشف فيه من خلال شعار "جبالنا خزائننا"، أن "حزب الله" يستخدم جبال الجنوب وربما البقاع أيضاً مخازن لسلاحه، والمنشأة كما أشار الإعلان هي مدينة للصواريخ.

بين المحطتين الإعلانيتين، هناك الكثير من التقارير التي تشير إلى أن "حزب الله" اعتمد على "سلاح الأنفاق" منذ تأسيسه في بداية الثمانينات (1982)، وإذا تجاوزنا هذه المغالطة التاريخية، فإن فكرة الأنفاق لم تكن استراتيجية معتمدة لديه في هذه المرحلة المبكرة من الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، وتشهد عملية كونين (1986) التي أسفرت عن أسر جنديين إسرائيليين، على غياب هذه الاستراتيجية، حيث اختبأ مقاتلوه من أعين الطائرات الإسرائيلية حينها في مغارات المنطقة، كما هو موثّق لدى الجنوبيين. 

مع توغّل "حزب الله" في سوريا بدءا من عام 2011 هدأت جبهة الجنوب، ربما سهّل هذا الأمر بدء عملية بناء الأنفاق-المدن، التي قادها "الحرس الثوري" الإيراني بالتعاون والتنسيق، وفقا لتقارير، مع خبراء من كوريا الشمالية

وعليه، يمكن تقسيم ظهور "سلاح الأنفاق" إلى مرحلتين، مرحلة الاحتلال الإسرائيلي، حيث كانت الأنفاق تعني المغارات الطبيعية المنتشرة بكثافة في جبال الجنوب وأوديته، والتي كان بعضها مجهزا ومستخدما من قِبل المنظمات الفلسطينية، وكانت توفّر ملاذات آمنة للمقاتلين الذين يكمنون وينفّذون العمليات ثم ينسحبون تكتيكيا. ومرحلة الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في عام 2000، حيث انتقلت الأنفاق تدريجيا من البساطة إلى التعقيد، لتتطوّر وتصبح مدنا كاملة تحت الأرض أو في أجواف الجبال.

أ.ف.ب
يظهر جزء من نفق يبلغ طوله 200 متر، بناه مقاتلو "حزب الله" على مدى ثلاث سنوات لمواجهة القوات الإسرائيلية، في موقع للحزب في مليتا جنوبي لبنان ، في 22 مايو 2020

في حرب 2006 شكّلت الأنفاق المتطوّرة نسبيا درعا واقيا لما جُمع فيها من سلاح ولمن اعتصم فيها من مقاتلين، وكانت سببا في تقليل خسائر "حزب الله" البشرية، ومفاجأة العدو والالتفاف عليه في الخطوط الخلفية، لذلك صارت استراتيجية فيما بعد، فقام "حزب الله" بإغلاق وديان وتلال وجبال في الجنوب وزرعها بالأنفاق.

ثم حلّ عام 2018، حين أطلقت إسرائيل في 4 ديسمبر/كانون الأول عملية "درع الشمال" لكشف أنفاق حدودية قالت إن "حزب الله" حفرها، وتدميرها. وأبلغت قوات "اليونيفيل" الدولية العاملة في الجنوب بها. وبعد نحو أسبوعين، أكدت "اليونيفيل" وجود أربعة أنفاق، اثنان منها يعبران الخط الأزرق. ومع انتهاء العملية في يناير/كانون الثاني 2019، كانت إسرائيل قد أعلنت كشف ستة أنفاق، بلغ عمق أحدها 55 متراً بحسب الجيش الإسرائيلي، فيما أكدت "اليونيفيل" لاحقاً وجود خمسة منها، ثلاثة تعبر الخط الأزرق... وظل الحفر مستمراً.

في تلك الأيام، تداولت بيئة "حزب الله" أن هذه الأنفاق هي تحضير لمعركة تحرير الجليل، وانتشرت روايات عن سماع سكان المستوطنات أصوات حفر وطرْق تحت غرف نومهم، واستُعيدت أغنية قديمة للمقاومة الفلسطينية يقول مطلعها "طالعلك يا عدوي طالع من كل بيت وحارة وشارع".

مع توغّل "حزب الله" في سوريا بدءا من عام 2011 هدأت جبهة الجنوب، ربما سهّل هذا الأمر بدء عملية بناء الأنفاق-المدن، التي قادها "الحرس الثوري" الإيراني بالتعاون والتنسيق، وفقا لتقارير، مع خبراء من كوريا الشمالية، وهما الطرفان اللذان أشرفا على عمليات حفر الأنفاق منذ بداياتها وبدأنا نشاهد شاحنات تنقل الصخور وهي مكشوفة وتعود بعد فترة وهي مغطاة.

وصولا إلى عام 2024، حين ظهرت "منشأة عماد-4" كواحدة من سلسلة منشآت بناها "حزب الله" في الجبال لتخزين الصواريخ، وهي من الضخامة بحيث يمكن للآليات العسكرية أن تتحرك فيها بسهولة.

رويترز
انفجار ما قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي إنه بنية تحتية تحت الأرض تابعة لـ"حزب الله" في مرتفع علي الطاهر، في موقع حدّده بأنه في النبطية بجنوب لبنان من مقطع فيديو نشره الجيش الإسرائيلي في 10 سبتمبر 2026

أما اليوم بعدما تحوّلت الأنفاق إلى ذريعة لإبادة الجغرافيا، فيقول كثير من أهالي الجنوب إن طبيعة أرضهم وتضاريسها المعقّدة، من جبال وغابات وكهوف صخرية وممرات ضيقة بين الوديان، كان يمكن أن تكون بديلا عن هذا الترف الاستعراضي المكلف، لكن "حزب الله" كان هدفه الأول عسكرة ظاهر الأرض وباطنها وتحويلها إلى ثكنة عسكرية، من أجل فرض مشروعه.

يرى كثير من أهل الجنوب أن "حزب الله" خدع نفسه وخدعهم حين أشاع أن الأنفاق سلاح استراتيجي يقلب المعادلات ويغيّر في مجريات معركته مع إسرائيل

حفر الأنفاق في الجنوب في هذه الفترات، كان يقابله عمليات حفر في الضاحية الجنوبية وفي مناطق البقاع على الحدود اللبنانية-السورية، لكن أنفاق الضاحية لم تكن يوما للاستخدام العسكري، كما هو معروف إنما هي عبارة عن أماكن سرية يحتمي فيها قادة "حزب الله" الذين تلاحقهم إسرائيل ومقرّات لاجتماعاتهم، بينما أنفاق البقاع هي امتداد لأنفاق الجنوب، علاوة على أنها تملك وظيفة أخرى خاصة بها.  

على عكس الجنوب، تنتشر الأنفاق في البقاع قبل "حزب الله"، ووظيفتها الأساسية تهريب المخدرات والسلاح والوقود والبضائع، وبعد نشأته صار يستخدمها وعشائر البقاع جنبا إلى جنب وللغرض نفسه.

فالتهريب هو الشريان الاقتصادي الحيوي لقسم كبير من أهل البقاع، وهو عامل بقاء وصمود للسكان الذين أهملتهم الدولة المركزية وحرمتهم من خدماتها ونعمها، و"حزب الله" في البقاع هو ابن بيئته، يعني أن معظم مسؤوليه ومقاتليه هم أبناء التهريب، لذلك يمكن القول إن انغماسه في مجال التهريب أمر طبيعي، بل إن تحوّله إلى القائد والمشرف والتاجر والمحتكر هو التطوّر الطبيعي لهذا الواقع.

أ.ف.ب
منازل مدمرة في بلدة كفر تبنيت بجنوب لبنان عقب عملية تفجير نفذتها إسرائيل في مرتفع علي الطاهر، في 11 سبتمبر 2026

وبحسب رواية أحد أبناء البقاع، ظل استخدام الأنفاق في البقاع للأغراض العسكرية استثناء حتى اندلاع الثورة في سوريا، حيث وجد "حزب الله" حينها أن القرى السورية الحدودية تحوّلت إلى بؤر أمنية، بعدما سقطت بيد مقاتلين إسلاميين، برغم أنهم أبناء المدرسة نفسها؛ مدرسة الأنفاق التي تمتد من أفغانستان إلى غزة إلى لبنان مرورا بكل البلاد التي يمر عليها "الحرس الثوري" الإيراني، فدارت معارك ضارية للسيطرة عليها انحسمت لصالح "حزب الله"، إلى أن سقط نظام الأسد فعادت "سيادتها" إلى واجهة التنافس الحدودي مجددا.

في المحصلة، يرى كثير من أهل الجنوب أن "حزب الله" خدع نفسه وخدعهم حين أشاع أن الأنفاق سلاح استراتيجي يقلب المعادلات ويغيّر في مجريات معركته مع إسرائيل، وأن لحظة 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت فرصة قدّمها لإسرائيل، لتجعل الأنفاق مقابر لصواريخ يتعذّر إطلاقها ومصائد دُفنت في جوفها أجساد أبنائهم.

font change

مقالات ذات صلة