كردستان وسلاح الفصائل... تأييد حذر لشرعية الدولة

الإقليم يمكن أن يتعرض لمجموعة من الضغوط الداخلية والخارجية

أ.ف.ب
أ.ف.ب
مقاتل من قوات البيشمركة الكردية يتخذ موقعه على جبل قره چوخ في قضاء مخمور، على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق في 30 سبتمبر 2026

كردستان وسلاح الفصائل... تأييد حذر لشرعية الدولة

فيما أعلن رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي الخطة الحكومية المتكاملة لنزع سلاح الفصائل، طرأت ثلاثة مستجدات أمنية وسياسية مُقلقة لإقليم كردستان، إذ تعرض مخيم للاجئين الأكراد الإيرانيين جنوب أربيل لهجوم جوي، هو الأول من نوعه منذ خروج قوات التحالف الدولي من الإقليم، وقالت مصادر كردية إنه انطلق من مناطق سيطرة الفصائل في منطقة "سهل نينوى". فيما أعلنت السفارة الإيرانية في العراق عن اتفاق ثنائي يقضي بالتزام العراق بتسليم المعارضين الأكراد الإيرانيين الموجودين في إقليم كردستان، أو ترحيلهم إلى دولة ثالثة. وأكد وزير الدفاع التركي يشار غولر عدم نية قوات بلاده مغادرة أراضي الإقليم قبل التأكد من "أمن الحدود".

المستجدات الثلاثة توحي بأن إقليم كردستان يمكن أن يتعرض لمجموعة من الضغوط الداخلية والإقليمية خلال المرحلة المقبلة، مباينة لموجة التفاؤل التي سادت أجواءه خلال الأسابيع الماضية، والتي تمثلت بإصرار حكومة الزيدي على نزع سلاح الفصائل بسرعة قصوى، وإعلان تركيا سحب قواتها من قاعدة "زليكان" وباقي المناطق، استجابة لتوافق حكومي عراقي-تركي، بعد إنجاز خطوات عملية في ملف السلام بينها وبين "حزب العمال الكردستاني". وأرسل القادة الأكراد عدة رسائل سياسية إلى إيران، مؤكدين التزام الإقليم بشروط الاتفاقية الأمنية المبرمة وشروط حسن الجوار، بما في ذلك منع أي تنظيم مسلح كردي من الهجوم على إيران انطلاقاً من أراضي الإقليم. هذا المناخ ترافق مع إعلان توحيد قوات البيشمركة الكردية وعودة المفاوضات بين الحزبين الرئيسين لتشكيل الحكومة المحلية، وتأكيد قادة الإقليم على أهمية "الثقة بالنفس" بعد خروج قوات التحالف الدولي، فجاءت المستجدات لتعكره.

يشرح مصدر سياسي كردي رفيع في حديث مع "المجلة" المشهد السياسي/العسكري حسب ما يلي: "لقد وجد الإقليم في خروج قوات التحالف فرصة وورقة رابحة لصالح الحكومة الاتحادية العراقية، لتفرض خيارها في عدة اتجاهات، تعزز عبرها الخيار السيادي، مثل سحب سلاح الفصائل التابعة لإيران ودفع تركيا لإجلاء قواتها المسلحة عن القواعد العسكرية ونقاط التمركز الميدانية، سواء في محافظة نينوى (الموصل) أو على الحدود مع إقليم كردستان، وخلق حماية جوية وطنية متكاملة، تشمل إقليم كردستان، والالتزام باتفاقية سنجار بينها وبين الإقليم، بغية إعادة هيكلة وتطبيع الأوضاع في قضاء سنجار الاستراتيجي. لكن الأسابيع الثلاثة الأخيرة كانت كافية لتظهر صعوبات سياسية وميدانية واسعة ربما تحول دون تحقيق ذلك".

وضعت "حركة النجباء" قائمة بالمتطلبات كشروط مسبقة لقبولها بنزع سلاحها، منها الاستقلال المالي عن الولايات المتحدة ومنعها من التدخل في الشؤون السياسية العراقية وتحرير المجال الجوي العراقي

ويتابع المصدر الكردي حديثه مع "المجلة" قائلاً: "فتطلع الحكومة الاتحادية لنزع سلاح الفصائل لا يبدو أمراً يسيراً، وهذا واضح من المدة الطويلة التي وضعتها كإطار زمني، والتي تمتد لقرابة عشرة أشهر، في وقت تعلن فيه بعض الفصائل الرئيسة عدم التزامها بالسياسات والمحددات الحكومية، وهي جهات وضعت شروطاً مستجدة للالتزام بالقرارات الحكومية، مثل حديثها مؤخراً عن ضرورة (خروج العراق من الهيمنة المالية والاقتصادية للولايات المتحدة)، أو إخراج المجموعات الكردية الإيرانية من إقليم كردستان. ما يعني جاهزيتها لاختلاق صراعات وظيفية، بغية الاحتفاظ بسلاحها، وهي قد لا توفر الإقليم في ذلك المسار. ولا تبدو الاستراتيجية الإيرانية بعيدة عن ذلك، فإيران في المحصلة ما تزال تستشعر مخاوف واضحة من طبيعة الإقليم الكردي، الذي يشارك المركز جزءاً من السيادة، ويُعتبر الجهة العراقية الوحيدة غير الخاضعة للهيمنة الإيرانية، ويحوي عناصر ومجموعات قد تنشط في حال تصاعد الموقف بين إيران والولايات المتحدة، بدلالة المواجهات الأخيرة بين قوات (حزب بيجاك) الكردي و(الحرس الثوري) الإيراني في المناطق الحدودية بين الطرفين. لأجل ذلك، تجد إيران في مرحلة انسحاب قوات التحالف الدولي، واستباقاً لأية محاولة حكومية جادة لنزع سلاح الفصائل، تراها فرصة نحو خلق ضغوط هائلة على الإقليم، قد لا تذهب حد الهجوم البري المباشر عليه، لكنها تسعى لأن تجبره على الانضواء ضمن مساحة النفوذ الإيراني، وتقويض نزوعه القومي وعلاقاته الإقليمية والدولية".

رويترز
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يلقي كلمة بمناسبة "يوم السيادة" وانسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من العراق، في بغداد، 30 سبتمبر 2026

مزيج الحياد وتأييد الحكومة الاتحادية  

تعتقد الأوساط السياسية في إقليم كردستان أن إعلان رئيس الوزراء علي الزيدي الجدول الزمني واتخاذ مجموعة من الخطوات بشأن نزع سلاح الفصائل المسلحة لا يعني حدوث ذلك بيُسر ومباشرة. فالكثير من رؤساء الوزراء السابقين أظهروا توجهات مطابقة خلال فترات الحكومات السابقة، وتعرضوا بسبب ذلك لضغوط هائلة، وصلت درجة قصف مقراتهم، كما حدث مع رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي مثلاً، ما خلق استقطاباً داخلياً شديداً. فكل القوى السياسية في البلاد، بما في ذلك إقليم كردستان، تعرف أن الفصائل المسلحة ليست مجرد تنظيمات مسلحة، بل شبكات واسعة من المصالح والعلاقات والمؤسسات المالية والاجتماعية والأيديولوجية، التي تم تأسيسها وتمويلها ورعايتها طوال سنوات كثيرة، ويمكن لها أن تُحدث أشكالاً من الشقاق ضمن المجتمع العراقي، في نزوعها لرفض المتطلبات الحكومية.

فحتى الآن أعلن فصيلان مسلحان فحسب نزع سلاحهما، فيما كشف الزيدي أن خمسة فصائل أخرى قد أكدت التزامها بالجدول الزمني الذي وضعته الحكومة الاتحادية. حيث تُصنف هذه الفصائل بين المتوسطة والصغيرة، من حيث الحجم العددي ونوعية الأسلحة التي بحوزتها وانتشارها وارتباطها بإيران. وقبالة ذلك، فإن فصائل "كبرى" مثل "كتائب حزب الله العراقية" التي يرأسها أبو حسين الحميداوي، و"حركة حزب الله/النجباء" بقيادة أكرم الكعبي، أعلنت بوضوح "عدم توصلها إلى تفاهم مع الزيدي بشأن عملية نزع السلاح"، كما أعلن الحميداوي في بيان رسمي "أهمية وجود جماعات مسلحة مستقلة". فيما وضعت "حركة النجباء" قائمة كاملة من المتطلبات التي يجب أن تحققها الحكومة الاتحادية كشروط مسبقة لقبولها بنزع سلاحها، منها الاستقلال المالي عن الولايات المتحدة ومنعها من التدخل في الشؤون السياسية العراقية وتحرير المجال الجوي العراقي... إلخ.

أ.ف.ب
مقاتل من قوات البيشمركة الكردية يتخذ موقعه على جبل قره چوخ في قضاء مخمور، على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق في 30 سبتمبر 2026

في ظل ذلك، يعرف إقليم كردستان عدة حقائق موضوعية على أرض الواقع، ويخلق استراتيجيته وآلية تعامله مع الوقائع العراقية حسبها.

فالإقليم يدرك أن النزاع الحالي لا يشبه الصراع المديد الذي خاضته الحكومة الاتحادية في مواجهة الإرهاب خلال سنوات كثيرة سابقة، حيث شارك الإقليم الحكومة الاتحادية تلك المواجهات طوال سنوات، عزز خلالها خبراته الميدانية، بالذات في المناطق المتنازع عليها، وأكد شرعية حضوره الأمني ونفوذه السياسي كسلطة وطنية إلى جانب الحكومة الاتحادية. فالإقليم يعي أن المواجهة الحالية تحدث ضمن البيئة الشيعية العراقية، الممسكة بأدوات السيادة والسيطرة الاستراتيجية، وأن الطرف "المنتصر" فيها سوف يمتلك كل أدوات التحكم بمصير العراق استراتيجياً، بما في ذلك شكل العلاقة مع إقليم كردستان. فوق ذلك، يعلم الإقليم أن هذه المواجهة غير واضحة الملامح، على العكس مما كان عليه الحال أثناء مواجهة الجماعات الإرهابية. فالدعم الأميركي والدولي لحكومة الزيدي لا يبدو مفتوحاً، ونفوذ وأدوات إيران داخل العراق ليست قليلة، فلا يمكن الجزم بإمكانية خروج حكومة الزيدي "منتصرة" في هذا السياق، وهو نفوذ يمتد من سلاح الفصائل إلى القضاء والاقتصاد وحتى عدة كتل برلمانية وازنة.

المجموعات الكردية الإيرانية في إقليم كردستان ستشكل العقبة الأهم أمام إمكانية حياد إقليم كردستان تجاه موجة الأحداث الراهنة

يدرك قادة الإقليم الأثمان البالغة التي قد تُدفع جراء اندفاعهم الزائد نحو الإصرار على نزع سلاح الفصائل، لأن الأخيرة قد توجه ضربات مؤلمة للبنية التحتية في الإقليم، كذلك لأن الحكومة الاتحادية لا تقدم أية رؤى واضحة بشأن الملفات العالقة بينها وبين الإقليم. فموضوع التوافق الأمني والعسكري بشأن المناطق المتنازع عليها لم تحسمه الحكومة الحالية حتى الآن، وهي تظهر ميولاً نحو التملص من "اتفاقية سنجار" التي وقعتها حكومة الكاظمي مع إقليم كردستان، وتسعى لتطبيق الرؤية الإيرانية-التركية المشتركة بشأن تلك المناطق، عبر الاتفاق الأحادي مع الفصائل المقربة من "حزب العمال الكردستاني". كذلك لم تستجب لنداءات حكومة الإقليم بشأن زيادة حصتها من الميزانية العامة تبعاً للتعداد السكاني الأخير.

مسمار جحا

يرى الكاتب والباحث دلشاد شيرزاد أن مسألة المجموعات الكردية الإيرانية في إقليم كردستان ستشكل العقبة الأهم أمام إمكانية حياد إقليم كردستان تجاه موجة الأحداث الراهنة، ويقول في حديث مع "المجلة": "المعلومات الأكيدة من داخل الاجتماع الذي عُقد في بغداد بين وفد أمني وعسكري إيراني رفيع مع نظراء من الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، بغية مراجعة آليات تنفيذ اتفاق عام 2023 الأمني بين الطرفين، أكدت أنه لم يتم التطرق أبداً لموضوع تسليم أو نفي القادة السياسيين والكوادر العسكرية من أكراد إيران الموجودين في إقليم كردستان. لكن السفير الإيراني في العراق محمد كاظم آل صادق خرج بمنشور على صفحات التواصل الاجتماعي يقول فيه إن الأطراف توصلت إلى ذلك أثناء الاجتماع. الأمر الذي يثبت نية إيران خلق ذرائع مناهضة للإقليم، وتالياً الاندفاع نحو التصرف من خارج الاتفاقيات المشتركة، بحجة عدم التزام الإقليم بما تم الاتفاق عليه".

ويضيف: "الحملة الإعلامية التحريضية التي تخوضها وسائل الإعلام المقربة من الفصائل الموالية لإيران، ومنشورات الشخصيات المنخرطة في مناخهم السياسي، توحي بأنهم سوف يحولون هذا الملف إلى عُقدة منشار مستقبلية. لأنهم يعرفون تماماً بأنه من المستحيل حل هذه القضية حسب هذه الآليات المباشرة والسريعة، فوجود الأكراد الإيرانيين في إقليم كردستان يقارب نصف قرن، وهم موجودون بحكم رعاية أممية، كلاجئين فارين من ظروف الحرب الأهلية التي اندلعت في المناطق الكردية أوائل الثمانينات، وهم ليسوا مجرد أفراد، بل عشرات الآلاف من المدنيين المؤلفين من مختلف الطبقات الاجتماعية والخيارات السياسية".

ويتابع: "ترى إيران والقوى العراقية التابعة لها في هذا الملف أداة مثالية، فهو بمعنى ما (مستحيل الحل)، وبذا هو مصدر مستدام للتوتر، ويخلق أداة لإيران للتدخل في كردستان، ويسمح للفصائل العراقية بخلق قضية وطنية لنفسها، ومن العدم".

font change

مقالات ذات صلة