العلم الفلسطيني إذ يرفعه طالب وسارق في تظاهرات فرنسا

مرآة لمخاوف أوروبا وصراعات مهاجريها ومقيميها

Al Majalla
Al Majalla

العلم الفلسطيني إذ يرفعه طالب وسارق في تظاهرات فرنسا

وسط اشتعال التظاهرات في فرنسا، وما رافقها من مطالب سياسية واجتماعية، ومشاركة الطلاب والنقابيين وشرائح مختلفة من المجتمع الفرنسي، برز، وسط مشاهد الاحتجاج والعنف والتخريب، رمز يستوقف النظر: العلم الفلسطيني.

لم يعد العلم مجرد راية وطنية تعبر عن شعب وقضية، فقد تجاوز حدوده الجغرافية، وأصبح حاضرا في حركات احتجاجية قد تتباين أهدافها ومرجعياتها، بل قد تتناقض. وتحول، إن صح التعبير، إلى محرك سياسي ورمزي تستدعيه أطراف مختلفة لاستثارة المشاعر، وتحريك الشارع، وحشد الأنصار، والتعبير عن التضامن، وربما لإعادة تأطير الصراعات السياسية والاجتماعية.

لكن المشهد الفرنسي يضعنا أمام صورتين صادمتين: طالب أو أكاديمي يلتف بالكوفية داخل حرم جامعي، وعلم فلسطيني يظهر في مشاهد مرتبطة بنهب المتاجر وتخريبها. صورتان، وراية واحدة. بدا أن العلم الفلسطيني تحول إلى رمز قابل للاستخدام من أطراف تختلف أهدافها، من دون أن يكون للفلسطينيين أنفسهم أو لتوجهاتهم دور في ذلك. فكيف وصل العلم الفلسطيني إلى الشارع الفرنسي؟

في ربيع عام 2024، حضر العلم الفلسطيني في الفضاء الأكاديمي الفرنسي. ففي جامعة "سيانس بو" في باريس، رفع الطلاب الأعلام الفلسطينية وارتدوا الكوفيات، مطالبين بمواقف مؤسسية تجاه حرب الإبادة على غزة، فتحول العلم من علامة بصرية إلى أداة احتجاج. ثم انتقل، في 28 مايو/ أيار 2024، من الجامعة إلى قلب المؤسسة التشريعية الفرنسية، حين رفع النائب سيباستيان ديلوغو العلم الفلسطيني داخل الجمعية الوطنية، فعوقب بتعليق مشاركته.

وهكذا انتقل العلم من راية تحمل في التظاهرات والاحتجاجات إلى فعل سياسي، ثم إلى رمز لمطالب اجتماعية محلية، وامتد حضوره إلى المسيرات والتحركات النقابية. وبات قادرا على الربط بين قضايا تبدو متباعدة جغرافيا وموضوعيا، أي أن الرمز أصبح يؤدي الوظيفة نفسها في سياقات مختلفة، مهما تباينت.

ما الذي عاد به العلم الفلسطيني على الفلسطينيين؟

خرج العلم من فلسطين، لكنه لم يعد إليها محملا أيا من حقوقها السياسية. لقد صار الرمز الوطني أكثر حرية من أصحابه، وكأنه تمرد عليهم حتى غدا شيئا لا يملك الفلسطيني صلة به. أو لعل الفلسطيني لم يعد قادرا على تحديد الفضاءات التي يتحرك فيها رمزه: فقد خرج العلم من الجغرافيا المحاصرة والضيقة، وعبر الحدود، وفتحت له الأبواب، ومنح اللجوء، ووجد لنفسه مكانا في العالم، بينما لم يستطع الفلسطيني أن يشق لنفسه طريقا إلى هذا العالم.

خرج العلم من الجغرافيا المحاصرة والضيقة، وعبر الحدود، وفتحت له الأبواب، ومنح اللجوء، ووجد لنفسه مكانا في العالم، بينما لم يستطع الفلسطيني أن يشق لنفسه طريقا إلى هذا العالم


أصبح العلم حاضرا في التظاهرات النقابية والجامعات والصروح الأكاديمية والمؤسسات السياسية السيادية، كما بات حاضرا في مشاهد التخريب والنهب في شوارع فرنسا وغيرها. يحمله سارق وطالب وأكاديمي ونقابي وسياسي، رمز واحد تحمله أياد مختلفة، لغايات متباينة ومعان متناقضة. حتى إن المتخاصمين أنفسهم قد يرفعونه، ليروي كل منهم قصته الخاصة من خلاله.

REUTERS/Kai Pfaffenbach
متظاهرون يرفعون العلم الفلسطيني خلال احتجاج لطلاب المدارس الثانوية والجامعات في مدينة ستراسبور الفرنسية، ضمن يوم وطني من التظاهرات وإغلاق المؤسسات التعليمية

صار العلم الفلسطيني كائنا سياسيا مستقلا، له حركته ووظائفه ومساراته الخاصة. يستدعيه اليمين لشيطنة تظاهرة، أو لتصوير احتجاج أو ندوة بوصفها تهديدا للهوية الوطنية والأمن، ويربطه بالإسلام والهجرة والتوترات الثقافية. ويستدعيه اليسار وتيارات الوسط للحشد والتعبئة والمناصرة، فيما يتوسل به آخرون لإضفاء الشرعية الأخلاقية على خطاباتهم ومطالبهم ووجودهم. وبين هؤلاء وأولئك، يتحرك العلم في فضاء سياسي أوروبي لا يملك الفلسطيني قرارا في شأنه، ولا يستطيع تحديد ما الذي سيعنيه في كل مرة يظهر فيها، ولا يعرف هوية من يحمله.

ويجد الفلسطيني نفسه مطالبا بإدانة السارق، وبشكر الطالب والأكاديمي اللذين يرفعان علمه، وعليه أن يتفرج على قصة العلم الأصلية وهي تتراجع خلف القصص الكثيرة التي يريد الآخرون روايتها عن أنفسهم من خلاله. ويرى كيف يستخدم العلم للتعبير عن صراعات مختلفة، وعن نزاعات الهوية والهجرة والدين والأمن، بينما تتراجع قصته، كما تراجعت قضيته، إلى خلفية المشهد في خضم تسييس التضامن.

فالعلم الذي عبر الحدود منع صاحبه من عبورها، والعلم الذي دخل الجامعات والمؤسسات حرم صاحبه من أبسط شروط التعليم، والعلم الذي يرفع في التظاهرات لا يملك صاحبه رفاهية حمله والتظاهر في وجه القتل والسجن والحصار.

لقد تحرر العلم الفلسطيني من فلسطين، واكتسب قدرة على الحركة والتداول والتأويل، حتى بدا أنه يقيم دولة موحدة لا يملكها الفلسطيني. صار يشارك في معارك سياسية واجتماعية، ويدخل سياقات لم يخترها الفلسطيني ولا يستطيع التحكم فيها. بل إن العلم تجاوز أن يكون فعلا فلسطينيا أو تعبيرا عن إرادة الفلسطينيين. فالاستلاب الرمزي للعلم يحاصر شعبه يوما بعد يوم، حتى أصبح الفلسطيني مطالبا بالتكيف مع المعاني التي يمنحها الآخرون له، أو بالدفاع عن نفسه ضدها. وتتسع عالمية العلم على حساب جغرافيا فلسطين، والقدرة السياسية للفلسطيني، وفضائه الذي يتقلص، وأرضه التي تتآكل، ووجوده المهدد بالمحو الكامل.

هل يتحول العلم الفلسطيني إلى وجه جديد للإسلاموفوبيا؟

في لحظة خطرة من حياة الرمز السياسي والهوية الوطنية، لم يعد العلم الفلسطيني ملكا للفلسطينيين وحدهم، ولا لمن رفعه أول مرة، أو خط ألوانه، أو كتب نشيده الوطني وغناه. فالرمز، حين يغادر أصحابه، لا يعود ثابتا في معناه، بل يتنقل بين الأيدي والساحات، ويكتسب دلالات جديدة قد تناقض المعنى الذي ظهر من أجله، أو ما يؤمن به أصحابه.

REUTERS/Benoit Tessier
متجر تابع لدار "كريستيان ديور" تعرض للنهب والتخريب في باريس، غداة مواجهات شهدتها تظاهرات وطنية احتجاجا على غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود، 18 أكتوبر 2026

قد يصبح انتقال العلم من الجامعات وتظاهرات التضامن إلى مشاهد التخريب والاشتباك مع الشرطة، في ذاكرة الآخرين، أكثر رسوخا من آلاف مشاهد التضامن السلمي. وقد يضعه ذلك مستقبلا في دائرة الاشتباه بدلا من دائرة التضامن. فالعلم الذي يرى بوصفه وسيلة للتعبير عن حقوق الفلسطينيين قد يصبح علامة ملتبسة، تقرأ من خلال مخاوف المجتمع الأوروبي وهواجسه تجاه الهجرة والهوية والأمن

صار العلم يشارك في معارك سياسية واجتماعية، ويدخل سياقات لم يخترها الفلسطيني ولا يستطيع التحكم فيها، بل إنه تجاوز أن يكون فعلا فلسطينيا أو تعبيرا عن إرادة الفلسطينيين

وتزداد خطورة هذا التحول حين تستقر الذاكرة الاستعمارية في وعي بعض العرب والمسلمين والمهاجرين، فتغدو جزءا من غضبهم وانتقاداتهم للدول التي يعيشون فيها. عندئذ قد يتحول العلم إلى هوية مضادة يواجهون بها الهوية الأوروبية أو سياسات الحكومات، خصوصا حين تدمج بعض المخيلات السياسية، الغربية منها والشرقية، بين فلسطين والعروبة والإسلام والهجرة والتهديد والاستعمار في صورة واحدة.

وهكذا يصبح العلم حاضرا بقوة في العلاقة المضطربة بين المهاجر والدولة الأوروبية، وبين من يشعرون بأنهم لم يندمجوا في مجتمعاتهم ومن ظلوا غرباء في نظر الآخرين، حتى بعد حصولهم على الإقامة أو الجنسية. وقد يجد العلم الذي بسط حضوره في الفضاءات العامة يوما نفسه يرفرف في قفص جديد، محكوما بين البراءة والإدانة، ومطالبا في كل مرة بأن يثبت أنه ليس رمزا للتطرف أو العداء، شأنه شأن الصور النمطية التي تلصق بالرموز الإسلامية، من الجلباب إلى النقاب واللحية.

وبدلا من أن ينشغل العالم بحقوق الفلسطينيين وما يتعرضون له، قد ينشغل بما يطرحه حاملو العلم الغاضبون في أوروبا من قضايا الهجرة والاندماج والإسلام والنظام العام، وبعلاقة المهاجر بوطنه. وفي هذا التحول، تغيب فلسطين التي يرفع علمها، وتصبح القضية ساحة لصراعات هويات أخرى، وتعبيرا عن إرادات وقضايا بعيدة عما رفع العلم من أجله.

KIRAN RIDLEY / AFP
متظاهر يلوّح بالعلم الفلسطيني خلال احتجاجات على غلاء المعيشة في باريس، ضمن تعبئة وطنية شاركت فيها مجموعات متنوعة

يوظف الناشطون الثوريون العلم رمزا لمواجهة الاستعمار والرأسمالية، وتستعمله بعض التيارات الدينية في صراعات الهوية، فيما يتخذه اليمين القومي دليلا على فشل الاندماج أو خطرا أمنيا. أما المهاجر، فقد يتخذه وسيلة للتعبير عن غضبه وعن علاقته المتوترة بالمجتمع الذي يعيش فيه.

وعلى الرغم من اختلاف هذه الاستخدامات، فإنها تشكل استحواذا رمزيا جديدا على القضية الفلسطينية، إذ تحمل فلسطين معاني تتجاوز شعبها وحقوقه وتطلعاته. فهل سيربط العلم في الذاكرة الأوروبية بصورة المهاجر الغاضب، أو المتظاهر الرافض للمجتمع، أو باستعادة الصراع القديم بين المستعمر والمستعمر؟

نتيجة لهذه التداخلات، قد يتحول العلم إلى وجه جديد للإسلاموفوبيا، حين يختزل حاملوه في هوية عربية أو إسلامية، ويضم إليهم يساريون غاضبون من القوى الحاكمة ومن مجتمعاتهم. والخطر المحدق بالعلم وقضيته لا يكمن في ظهوره في مشهد تخريب أو سرقة، بل في أن تصبح تلك الصورة تعريفا نهائيا له، وصورة أخيرة ترسخ في الوعي والذاكرة.

في ظل غياب الإرادة الفلسطينية والوجود السياسي القادرين على إعادة تفسير العلم وتحديد معانيه، قد يصبح، مع احتدام الانقسامات والصراعات، أقل حضورا بوصفه صوتا لحقوق شعبه، وأكثر حضورا بوصفه مرآة لمخاوف أوروبا وصراعات مهاجريها

وفي ظل غياب الإرادة الفلسطينية والوجود السياسي القادرين على إعادة تفسير العلم وتحديد معانيه، قد يصبح، مع احتدام الانقسامات والصراعات، أقل حضورا بوصفه صوتا لحقوق شعبه، وأكثر حضورا بوصفه مرآة لمخاوف أوروبا وصراعات مهاجريها ومقيميها مع ماضيها الاستعماري، وحاضرها المتعدد، وسياسات حكوماتها.

font change