"عرب إسرائيل"... هل هم مفتاح إسقاط نتنياهو أم ورقة تشكيل الحكومة المقبلة؟https://www.majalla.com/node/333773/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%B9%D8%B1%D8%A8-%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84-%D9%87%D9%84-%D9%87%D9%85-%D9%85%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%AD-%D8%A5%D8%B3%D9%82%D8%A7%D8%B7-%D9%86%D8%AA%D9%86%D9%8A%D8%A7%D9%87%D9%88-%D8%A3%D9%85-%D9%88%D8%B1%D9%82%D8%A9-%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A8%D9%84%D8%A9%D8%9F
"عرب إسرائيل"... هل هم مفتاح إسقاط نتنياهو أم ورقة تشكيل الحكومة المقبلة؟
أصوات قد تغيّر الحكومة ولا تضمن المشاركة فيها
(أ.ف.ب)
لافتة انتخابية لحزب "الليكود" بزعامة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تحمل عبارة "اليمين أم فلسطين"، في مدينة كفر قاسم ذات الغالبية العربية وسط إسرائيل، في 19 أكتوبر 2026
"عرب إسرائيل"... هل هم مفتاح إسقاط نتنياهو أم ورقة تشكيل الحكومة المقبلة؟
في جلجولية والطيبة وجت بمنطقة المثلث، لم تعد الدعوة إلى المشاركة في انتخابات الكنيست مقتصرة على الأحزاب العربية ومرشحيها. فقد حثّ أئمة مساجد المصلين، خلال خطب الجمعة وعبر مكبرات الصوت، على التوجه إلى صناديق الاقتراع، بينما نشر رجال دين مسلمون، سبق لبعضهم مقاطعة الانتخابات أو تحريم المشاركة فيها، تسجيلات مصورة تدعو إلى التصويت، اطلعت "المجلة" على عدد منها. وفي شوارع البلدات العربية، تتجاور صور المرشحين وأعلام ورايات الأحزاب مع سيارات تجوب الأحياء والميادين مساءً، وتصدح مكبراتها بالدعوات إلى المشاركة في انتخابات الثلاثاء 27 أكتوبر/تشرين الأول.
لكن هذا المشهد لا يعني أن خلافات العرب السياسية قد انتهت، أو أن التحفظات القديمة على المشاركة في المؤسسات الإسرائيلية تبددت، بل يكشف عن إحساس متزايد بأن لهذه الانتخابات ما ليس لسابقاتها: فالأصوات التي خسرتها الأحزاب العربية بسبب الانقسام أو العزوف قد تصبح هذه المرة فاصلة في تحديد هوية الحكومة المقبلة، والمفارقة أن الفلسطينيين في إسرائيل، الذين قد يحتاج إليهم معسكر المعارضة لإزاحة بنيامين نتنياهو، لا يزالون يواجهون رفضاً من قوى إسرائيلية رئيسة لقبول أحزابهم شركاء في الحكم.
وبعد ثلاث سنوات من هجوم السابع من أكتوبر 2023 والحرب في قطاع غزة، لا يقف نحو مليوني عربي في إسرائيل أمام منافسة حزبية مألوفة فحسب، بل أمام أسئلة تتعلق بمكانتهم ومستقبلهم، وسط تصاعد التوتر بشأن المساواة والهوية الفلسطينية وحرية التعبير، وتفاقم الجريمة والعنف في بلداتهم. وبين من يرى الفرصة في دخول الحكومة، ومن يفضل التأثير فيها من خارجها، تدور معركة سياسية أخرى داخل المجتمع العربي نفسه، لا تقل تعقيدا عن المنافسة بين المعسكرين الإسرائيليين.
صحوة انتخابية وحسابات الأرقام
جلال بنا، الخبير في الشؤون الحزبية الإسرائيلية، قال لـ"المجلة" من مدينة عكا، إن المجتمع العربي يشهد "صحوة انتخابية غير مسبوقة" تدفع إلى دعم الأحزاب العربية والمشاركة في الاقتراع. وأضاف: "سيصوّت المجتمع العربي ضد بن غفير وسموتريتش ونتنياهو، الذين يعيشون ويستمدون قوتهم من كراهيتهم للمجتمع العربي في إسرائيل".
امرأة من عرب إسرائيل تدلي بصوتها في الانتخابات العامة الإسرائيلية في كفر مندا شمالي إسرائيل، في 23 مارس 2021
ويربط بنا هذه الصحوة بتجربة السنوات الأربع الماضية، التي وصف حكومتها بأنها الأسوأ بالنسبة إلى المواطنين العرب والأكثر ترويجاً للأكاذيب والتحريض ضدهم. واستشهد بمزاعم عن سيطرة العرب على المستشفيات، وتعمد سائقي الشاحنات والحافلات العرب إبطاء حركة السير صباحاً لتأخير وصول اليهود إلى أعمالهم، وحصول الطلاب العرب على أفضلية في دراسة الطب على حساب نظرائهم اليهود. وهي أمثلة يوردها بنا للدلالة على المناخ الذي يقول إن الناخب العربي عاش في ظله، لا بوصفها وقائع ثابتة.
الأصوات التي خسرتها الأحزاب العربية بسبب الانقسام أو العزوف قد تحسم هوية الحكومة المقبلة، والمفارقة أن أصوات الفلسطينيين التي يحتاجها معسكر المعارضة لإزاحة نتنياهو، تواجه رفضا من قوى إسرائيلية لإشراك أحزابهم في الحكم
وتشير تقديرات معهد "ستات نت" في 19 أكتوبر إلى احتمال وصول نسبة مشاركة الناخبين العرب إلى 63 في المئة، مقارنة بنسبة تقارب 56 في المئة استخدمها الاستطلاع للمقارنة مع عام 2022. أما المعهد الإسرائيلي للديمقراطية فقد قدّر المشاركة الفعلية في البلدات العربية والدرزية في انتخابات 2022 بنحو 53.2 في المئة، وهو فارق إحصائي يرتبط بطريقة تعريف الفئات المشمولة في كل قياس.
وتطمح قيادات عربية إلى تجاوز هذه التقديرات، وربما بلوغ 70 في المئة، حسبما صرّحوا لـ"المجلة"، لكن ذلك يظل هدفاً انتخابياً لا نتيجة مضمونة.
وتنبع أهمية هذه النسب من حجم القوة الانتخابية العربية. فالعرب يشكلون نحو 18 في المئة من أصحاب حق الاقتراع المقيمين في إسرائيل، فيما تزيد حصتهم من مجموع السكان على الخُمس. ومع ذلك، لم تتحول هذه الكتلة البشرية دائماً إلى تمثيل برلماني يتناسب مع حجمها، بسبب العزوف والانقسامات الحزبية وتوزيع الأصوات.
ففي انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2022، حصلت "القائمة العربية الموحدة" بقيادة منصور عباس على خمسة مقاعد ونحو 194 ألف صوت، وفازت قائمة "الجبهة العربية للتغيير" بخمسة مقاعد ونحو 179 ألف صوت، بينما حصد "التجمع الوطني الديمقراطي" نحو 139 ألف صوت من دون أن يجتاز نسبة الحسم البالغة 3.25 في المئة. وهكذا انتهى التمثيل العربي بعشرة مقاعد فقط، في انتخابات منحت نتنياهو وحلفاءه 64 مقعداً من أصل 120.
أما عام 2020، فقد أحرزت القائمة المشتركة، حين ضمت الأحزاب العربية الأربعة، 15 مقعداً، في سابقة ما زالت حاضرة في ذاكرة الناخبين.
وتختلف خريطة 2026 عن سابقتها. فقد اجتمعت "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة" و"الحركة العربية للتغيير" و"التجمع" في "القائمة المشتركة" برئاسة يوسف جبارين، يليه أحمد الطيبي، فيما تخوض "القائمة العربية الموحدة" أو "راعم" الانتخابات منفصلةً بقيادة منصور عباس. ووقّعت القائمتان اتفاقاً لفائض الأصوات، يساعد على الاستفادة من المقاعد المتبقية وفق النظام الانتخابي، من دون أن يعني توحيد برنامجيهما أو موقفهما من الحكومة المقبلة.
لافتات انتخابية للقائمة العربية الموحدة، تضم رئيسها منصور عباس والمرشح وليد طه، في مدينة كفر قاسم ذات الغالبية العربية وسط إسرائيل، في 19 أكتوبر 2026
وتضع استطلاعات أكتوبر "المشتركة" عند نحو ثمانية مقاعد، و"الموحدة" عند خمسة إلى ستة مقاعد، أي ما بين 13 و14 مقعداً للقائمتين، مع اختلاف التقديرات بين استطلاع وآخر. ولأن أيّاً من المعسكرين الإسرائيليين لا يبدو ضامنا، وفق هذه الاستطلاعات، أغلبية مستقرة من 61 مقعدا، فقد يكون ارتفاع التمثيل العربي عاملا مؤثرا في حسابات اليوم التالي، لا مجرد زيادة في عدد المقاعد.
ولا تتوزع هذه الحسابات بالتساوي بين الجليل والمثلث والنقب والمدن المختلطة، فلكل منطقة مشكلاتها اليومية وأولوياتها، من الاعتراف بالبلدات والتخطيط العمراني إلى الأمن الشخصي والميزانيات ومشكلات الأرض والمسكن. وقد أظهرت انتخابات 2022 تفاوتا واضحا في قواعد الأحزاب، إذ حظيت "الموحدة" بتأييد واسع في البلدات البدوية بالنقب، بينما توزعت أصوات الناخبين في مناطق أخرى بين القوى العربية المتنافسة. ولذلك فإن ارتفاع المشاركة، إذا تحقق، لن يكون بالضرورة انتصارا متساويا لكل الأحزاب، بل قد يعيد توزيع القوة بينها أيضا.
استعادة ثقة الناخب العربي بصندوق الاقتراع لا تعني بالضرورة ثقته بأحزابه، فبينما يريد بعضهم حماية أسرته من الجريمة المنظمة، يخشى آخرون أن تأتي المشاركة الحكومية على حساب حقوق الفلسطينيين وحرب غزة
ولا يخلو هذا الرهان من مفارقة أخرى، فبينما يحاول قادة القائمتين توحيد جمهورهم خلف هدف المشاركة، يخوضون في الوقت نفسه منافسة حادة على تعريف معنى "التغيير"، فهناك من يرى أن مجرد منع تكرار ضياع الأصوات خطوة تستحق التعبئة، ومن يرى أن المشكلة الأعمق ليست في عدد النواب، بل في محدودية ما يستطيعون تحقيقه داخل كنيست تهيمن عليه أحزاب يهودية تختلف في كل شيء تقريبا، إلا في تحفظ قطاعات واسعة منها على الشراكة السياسية الكاملة مع العرب.
غير أن استعادة الناخب العربي ثقته بصندوق الاقتراع لا تعني بالضرورة ثقته بالخيارات التي تعرضها أحزابه، ففي حين يريد قسم من المواطنين العرب تحويل أصواتهم إلى ميزانيات وخدمات وأمن شخصي، يخشى آخرون أن يصبح السعي إلى المشاركة الحكومية على حساب الموقف من الاحتلال والحرب في غزة وحقوق الفلسطينيين.
حكومتان في خيال الناخب العربي
وصف المحامي أحمد غزاوي الزعيم، من قلنسوة في منطقة المثلث، والمرشح ضمن "القائمة المشتركة"، الانتخابات في حديثه إلى "المجلة" بأنها "مصيرية لإحداث التغيير" لكنه لفت إلى أن المجتمع العربي لا يتفق على معنى هذا التغيير: فنهج منصور عباس يعطي الأولوية للمشاركة في الحكومة وانتزاع الميزانيات وتحسين خدمات البلدات العربية، بينما تربط "المشتركة" أي دعم حكومي بالتزامات سياسية، وتعارض قانون الخدمة المدنية، وترفض عزل مشكلات المواطنين العرب عن قضايا الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، وفي مقدمتها المسجد الأقصى.
ولا تكمن المفاضلة هنا في الاختيار بين مطالب مدنية وأخرى وطنية، كما لو كانت إحداهما تلغي الأخرى، فالمواطن الذي يريد حماية أسرته من الجريمة المنظمة، ويطالب بتحسين مدارس بلدته وبنيتها التحتية، قد يكون في الوقت نفسه أكثر المعارضين للحرب في غزة والاستيطان في الضفة الغربية، وإنما يدور الخلاف حول ما إذا كان الوصول إلى التأثير يمر عبر الجلوس إلى طاولة الحكومة، أم عبر البقاء خارجها وفرض شروط سياسية عليها.
منصور عباس، طبيب الأسنان المنحدر من الحركة الإسلامية، يمثل التجربة الأكثر إثارة للجدل في هذا النقاش. ففي يونيو/حزيران 2021، قاد "الموحدة" إلى ائتلاف نفتالي بينيت ويائير لبيد، لتصبح أول قائمة عربية مستقلة تشارك رسميا في ائتلاف حكومي إسرائيلي، حيث رأى أنصاره في الخطوة خروجا من العزلة السياسية وفرصة لتحويل قوة الحزب البرلمانية إلى موارد وخطط تنمية، بينما اعتبر منتقدوه أنها وضعت الحزب أمام تناقضات صعبة كلما اصطدمت مصالح المجتمع العربي بمواقف شركائه في القضايا الفلسطينية والأمنية.
المفارقة أن منصور عباس الذي اختار الانخراط في قواعد اللعبة السياسية الإسرائيلية، أصبح اسماً يستحضره نتنياهو لتحذير ناخبيه أن فوز المعارضة سيجعلها رهينة لأصوات العرب
وفي انتخابات هذا العام، ذهب عباس خطوة أبعد، فقد ضم إلى المرتبة الثانية في قائمة "راعم" السياسي اليهودي يوآف سيغالوفيتش، ضابط الشرطة السابق ونائب وزير الأمن الداخلي الأسبق. وهي خطوة نادرة في تاريخ الحزب، أراد بها على ما يبدو تقديم نموذج تعاون يتجاوز الانقسام التقليدي بين الأحزاب العربية واليهودية، ويمنح برنامجه لمكافحة الجريمة مصداقية إضافية.
والمفارقة أن عباس، الذي اختار الانخراط في قواعد اللعبة السياسية الإسرائيلية وأدان هجوم السابع من أكتوبر، أصبح أيضا أحد الأسماء التي يستحضرها نتنياهو لتحذير ناخبيه من أن فوز المعارضة سيجعلها رهينة لأصوات العرب.
لكن الرجل الذي لا يخفي استعداده للعودة إلى الائتلاف يصطدم بعقبة لم تكن غائبة حتى في ذروة تجربته السابقة، هل توجد هذه المرة حكومة إسرائيلية مستعدة لقبوله؟ فغادي آيزنكوت، رئيس حزب "يشار" وأحد أبرز منافسي نتنياهو، أعلن رفضه إشراك الأحزاب العربية في حكومته. وهكذا لم يعد السؤال مقتصرا على استعداد عباس لدخول السلطة، بل أصبح متعلقا باستعداد المعسكر الذي قد يحتاج إليه للاعتراف به شريكا مشروعا.
وما يضاعف غرابة هذه المعادلة أن الحزب العربي الأكثر استعدادا للتسوية والمشاركة لا يحظى تلقائيا بقبول الطرف الإسرائيلي الذي يطمح إلى التعاون معه، فقد يستطيع عباس إقناع ناخبيه بأن مقعدا على طاولة اتخاذ القرار أفضل من مقعد في المعارضة، لكنه لا يستطيع وحده إقناع الأحزاب اليهودية بمنحه ذلك المقعد. ومن هنا تتحول تجربة "راعم" من خلاف داخل المجتمع العربي حول جدوى المشاركة إلى اختبار للمجتمع السياسي الإسرائيلي نفسه: هل يقبل نفوذ العرب حين يصبح شرطا لتشكيل الحكومة، أم يتعامل معه باعتباره اضطرارا مؤقتا؟
أما "القائمة المشتركة" برئاسة يوسف جبارين، فتطرح طريقاً آخر، إزاحة نتنياهو، مع إبقاء مسافة سياسية بين أحزابها والحكومة البديلة. ويتحدث قادتها عن إمكان تقديم دعم برلماني مشروط من الخارج، أو تشكيل "كتلة مانعة" تحول دون عودة اليمين إلى الحكم، من دون منح الحكومة المقبلة شيكاً على بياض، حيث تشمل المطالب المطروحة مكافحة الجريمة والعنف، ووقف هدم المنازل، والمساواة في توزيع الموارد، وفتح أفق سياسي للقضية الفلسطينية.
ويدرك النائب المخضرم أحمد الطيبي أن النفوذ لا يبدأ ولا ينتهي بتسمية رئيس الحكومة، بل بإمكانية التأثير في اختيار رئيس الكنيست واللجان البرلمانية والتشريعات، بدلاً من حصر الدور العربي في تصويت واحد على الثقة، لكنها طموحات تبقى رهينة أغلبيات فعلية ومفاوضات سياسية قد تتغير حساباتها بين ليلة وأخرى.
من يمنح آيزنكوت مفتاح الحكومة؟
وتبدو المفارقة أكثر وضوحا عند الانتقال من الشعارات الانتخابية إلى الحسابات البرلمانية، فاستطلاعات الرأي لا تمنح نتنياهو وحلفاءه ضمانةً للعودة إلى الحكم، لكنها لا تمنح معارضيه أيضا طريقا سهلا لتشكيل ائتلاف متجانس، إذ تضم المعارضة الإسرائيلية أحزابا تختلف بشأن الأمن والاقتصاد والدين والعلاقة مع الفلسطينيين، فضلًا عن الخلاف حول هوية من يقودها.
تقف مها كركبي صباح ويوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة خلال إطلاق القائمة المشتركة حملتها الانتخابية بالعبرية في تل أبيب، في 5 أكتوبر 2026
وفي إسرائيل، لا يكلّف رئيس الدولة تلقائياً المرشح الذي يحصل على توصية 61 نائباً، بل يجري مشاورات مع الكتل المنتخبة، ثم يعهد بتشكيل الحكومة إلى عضو كنيست يعتقد أنه الأقدر على نيل ثقتها. وتؤثر التوصيات في قراره من دون أن تكون وحدها معياراً ملزماً. أما تشكيل الحكومة واستمرارها، فيتطلبان ترتيبات برلمانية يمكنها اجتياز تصويت الثقة والتعامل مع الأزمات اللاحقة.
وقال الخبير السياسي محمد دراوشة لـ"المجلة" من الناصرة إن "المعركة الحقيقية في الأيام الثلاثة الأخيرة قبل الانتخابات ليست معركة الفوز، بل معركة تشكيل الواقع السياسي في اليوم التالي" حيث يرى أن "أحد السيناريوهات يتمثل في حصول آيزنكوت على دعم يسمح له بتشكيل حكومة تستند في ائتلافها إلى الأحزاب اليهودية، لكنها تحتاج إلى مساندة إحدى القائمتين العربيتين أو كلتيهما من الخارج، أو إلى امتناعهما عن معارضتها في تصويتات حاسمة".
غير أن مثل هذه الصيغة ستكون، بحسب دراوشة، معرضة للاهتزاز عند أول أزمة سياسية أو أمنية. أما البديل فهو التوصل إلى تفاهمات علنية وواضحة مع الأحزاب العربية، سواء من خلال المشاركة في الحكومة على غرار تجربة "الموحدة" عام 2021، أو عبر دعمها من الخارج، كما فعلت أحزاب عربية مع حكومة إسحاق رابين في تسعينات القرن الماضي. وبين الصيغتين فرق كبير: فالأولى تمنح الحزب مقاعد في السلطة التنفيذية ومسؤولية عن قراراتها، بينما تسمح الثانية بالاحتفاظ بموقع مستقل نسبياً، لكنها تترك استمرار الحكومة رهينة التسويات والتصويتات.
ولخّص دراوشة جوهر المعضلة بالقول: "المواطنون العرب يشكلون جزءا من المجتمع الإسرائيلي، ومن الطبيعي أن يكون لهم دور في صناعة القرار، لا أن يُنظر إليهم فقط كاحتياطي انتخابي أو كعامل يُستخدم لإسقاط الحكومات أو إنقاذها عند الحاجة".
غير أن الطريق إلى هذا الدور لا يزال محفوفاً بالرفض والتحريض. فقد صوّتت لجنة الانتخابات المركزية في سبتمبر/أيلول على استبعاد القائمتين العربيتين من السباق، قبل أن تلغي المحكمة العليا القرار في الثاني من أكتوبر، وتسمح لهما بالمنافسة. ولم تكن الواقعة خلافاً إجرائياً عابراً، بل أعادت إلى واجهة النقاش سؤالاً قديماً عن مدى قبول المؤسسة السياسية الإسرائيلية بالتمثيل العربي حين يتجاوز حدود المعارضة الرمزية ويقترب من التأثير في الحكم.
وحذّر الطيبي من التحريض على النواب العرب ومحاولات عرقلة الاقتراع في البلدات العربية، ولا يعني ذلك الجزم بوقوع اعتداءات أو تهديدات غير موثقة، لكنه يوضح المناخ الذي تتحرك فيه الأحزاب العربية، حيث قد تتحول الحاجة إلى أصواتها داخل الكنيست إلى مادة تعبئة ضدها خارجه.
أبعد من إسقاط نتنياهو
قد يبدو إنهاء حكم نتنياهو الهدف الذي تتفق حوله غالبية القوى العربية المشاركة في الانتخابات، لكن الاتفاق على إسقاط حكومة لا يعني الاتفاق على الحكومة التي ينبغي أن تخلفها. كما أن الفروق بين المعسكرين الإسرائيليين في القضايا الكبرى، وخصوصا الاحتلال والاستيطان ومستقبل القضية الفلسطينية، ليست بالضرورة بحجم الآمال التي قد يعلقها عليها الفلسطينيون في إسرائيل.
ومع ذلك، فإن الفوارق المتعلقة بالسياسات المدنية والأمن الشخصي وموازنات السلطات المحلية قد تكون حاسمة في حياة المواطنين العرب اليومية، الأمر الذي يجعل معركة الأحزاب العربية أصعب من معركة زيادة نسبة التصويت. فالمطلوب منها إقناع الناخب بأن صوته لن يضيع تحت نسبة الحسم، ثم إقناعه بأن المقاعد التي سينالها مرشحوه لن تتحول إلى أرقام تستخدمها الأحزاب اليهودية لترجيح كفة معسكر على آخر، قبل العودة إلى تجاهل مطالبه فور انتهاء مفاوضات تشكيل الحكومة.
ويدعو دراوشة في حديثه لـ"المجلة" إلى الانتقال "من سياسة الاحتجاج فقط إلى سياسة التأثير"، عبر بناء شراكات مع قوى يهودية تؤمن بالديمقراطية والمساواة، وربط المشاركة السياسية ببرنامج واضح لمكافحة الجريمة، وتطوير التعليم والبنية التحتية، وتوسيع فرص السكن والعمل والاستثمار. ويؤكد أن هذا التحول لا يعني التخلي عن الهوية الوطنية أو الحقوق الجماعية للفلسطينيين داخل إسرائيل، بل البحث عن أدوات أكثر قدرة على حمايتها وتحسين واقعهم.
إنهاء حكم نتنياهو هدف مشترك للقوى العربية، لكن لا يعني التوافق على البديل، ولا أن الفروق بين المعسكرين الإسرائيليين تلبي آمال الفلسطينيين بشأن الاحتلال والاستيطان
وتبدو الحاجة إلى هذه الضمانات أكثر إلحاحاً في ملف الجريمة المنظمة، الذي خرج من كونه قضية أمنية داخلية إلى معيار يقيس به المواطنون العرب جدية الحكومة في معاملتهم على قدم المساواة. فلا تكفي التعهدات العامة بتشديد الإجراءات أو تخصيص مبالغ مالية، بل يحتاج أي اتفاق سياسي إلى أهداف قابلة للمتابعة، وآليات معلنة للتنفيذ والمساءلة. والأمر ذاته ينسحب على التخطيط والبناء والاعتراف باحتياجات السلطات المحلية، وهي قضايا تجعل الناخب قادراً على الحكم على نتائج مشاركة ممثليه بعيداً عن الخطابات المتبادلة في الحملات الانتخابية.
وليس في تاريخ التمثيل العربي ما يضمن نجاح هذه المقاربة أو فشلها مسبقاً، فقد أظهرت تجربة 2021 أن دخول حزب عربي إلى الحكومة أمر ممكن، وكشفت انتخابات 2022 أن الانقسام قد يبدد أصوات عشرات الآلاف من الناخبين، بينما تضع انتخابات 2026 التجربتين معا أمام امتحان جديد: هل يكفي توحيد جزء من الصف العربي، ورفع نسبة المشاركة، لإجبار النظام السياسي الإسرائيلي على الاعتراف بوزن العرب في صناعة القرار؟
رجل يقرأ منشوراً لحزب "القائمة العربية الموحدة" (رعام) قبيل الانتخابات العامة الإسرائيلية، في مدينة الناصرة، إسرائيل، في 10 أكتوبر 2026
وإذا انتهت الانتخابات إلى استمرار نتنياهو واليمين، فستواجه الأحزاب العربية اختبارا يتعلق بقدرتها على حماية جمهورها ومقاومة السياسات التي تعارضها من مقاعد المعارضة. وإذا أفضت إلى حكومة بديلة، فسيبدأ اختبار آخر، ربما كان أكثر تعقيداً، ما الشروط التي ستفرضها الأحزاب العربية، وما الضمانات التي ستنالها، وأي ثمن سياسي ستكون مستعدة لدفعه أو رفضه؟ أما إذا عجز الطرفان عن تشكيل حكومة، فقد تجد إسرائيل نفسها أمام أزمة سياسية جديدة، رغم كل الوعود التي حملتها الحملات الانتخابية.
في شوارع جلجولية والطيبة وجت، حيث يتدخل بعض أئمة المساجد هذه المرة لحث الناس على الاقتراع، يبدو الرهان أكبر من مجرد انتخاب نواب جدد. فالمواطن العربي الذي يتجه إلى الصندوق لا يعرف إن كان صوته سيُخرج نتنياهو من الحكم، لكنه يعرف أن القرارات المتخذة في غيابه لن تتوقف عن التأثير في أمنه وبيته ومدرسة أبنائه ومستقبله.
ولهذا، قد لا يكون السؤال الذي تطرحه صناديق 27 أكتوبر هو عدد المقاعد التي ستحصل عليها الأحزاب العربية، ولا حتى اسم رئيس الحكومة المقبل، بل إن السؤال الأصعب هو ما إذا كانت تلك المقاعد ستنقل المواطنين العرب من دور "الكتلة المانعة" التي يُستعان بها عند الحاجة إلى قوة سياسية لا يستطيع أصحاب القرار تجاوزها، فالحكومات تتغير، أما مكانة المجتمعات فتتحدد بقدرتها على تحويل أصواتها إلى نفوذ وحقوق يصعب انتزاعها.