من العداوة إلى التحالف... كيف أصبحت أفغانستان عمقا استراتيجيا لإيران؟

طهران توظّف علاقتها بطالبان لتعزيز نفوذها الإقليمي

أ.ف.ب
أ.ف.ب
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجية أفغانستان أمير خان متقي في طهران، 18 مايو 2025

من العداوة إلى التحالف... كيف أصبحت أفغانستان عمقا استراتيجيا لإيران؟

في عام 1998، كانت القوات الإيرانية على وشك اجتياح أفغانستان، بعدما قتلت حركة طالبان 10 دبلوماسيين إيرانيين وصحافيا في مدينة مزار شريف شمال البلاد. وكان قاسم سليماني، قائد "فيلق القدس"، قد خاض حربا بالوكالة ضد طالبان المدعومة من باكستان طوال معظم تسعينات القرن الماضي، وصولا إلى هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001. وقد أكد دبلوماسيون أميركيون أن سليماني نفسه ساعد الولايات المتحدة في الإطاحة بطالبان، من خلال تقديم معلومات استخباراتية بالغة الأهمية ودعم عملياتي على الأرض. فقد بلغ العداء بين إيران وطالبان حدا دفع واشنطن و"الحرس الثوري" الإيراني إلى التعاون ضد عدو مشترك.

أما اليوم، وبعد نحو ثلاثة عقود، فقد انقلبت المعادلة. إذ أصبحت إيران الحليف العسكري والإقليمي الأبرز لطالبان، بعدما أزاحت باكستان عن موقع النفوذ الذي طالما تمتعت به. وتعتمد روسيا والصين، بدورهما، على محور طهران وكابول لمواجهة النفوذ الأميركي في آسيا الوسطى وجنوب آسيا. ومع تطلع الولايات المتحدة إلى استئناف حربها ضد إيران عقب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، تمنح العلاقات المتنامية بين طهران وطالبان النظام الإيراني عمقا استراتيجيا جديدا.

فكيف انتهى المطاف بحركة إسلامية شديدة العداء للشيعة، مثل طالبان، إلى التحالف الوثيق مع إيران؟ الإجابة أكثر تعقيدا مما قد يبدو للوهلة الأولى، وتكشف أيضا عن صلات قديمة تربط طهران بتنظيم "القاعدة".

كيف انتزعت إيران من باكستان موقع الحليف الرئيس لطالبان؟

قرابة عام 2010، بدأ كبار القادة العسكريين الأميركيين يتهمون إيران بدعم تمرد طالبان ضد قوات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان. ومع أن باكستان هي التي احتضنت الحركة، ووفرت لها الملاذ الآمن، وأسهمت في تمكينها من الانتصار على قوات الحلف، فإن سيطرتها عليها أخذت تتراجع تدريجيا، فيما راحت إيران تتفوق في المناورة على الاستخبارات الباكستانية والأميركيين معا.

جند الأميركيون أعدادا كبيرة من الهزارة، الذين يشكلون إحدى أبرز الجماعات الشيعية في أفغانستان، للقتال إلى جانبهم، مما صعب على إيران استقطابهم إلى صفها، على الأقل في الساحة الأفغانية

وبعد وقت قصير من الغزو الذي قادته الولايات المتحدة، بدعم من سليماني و"الحرس الثوري"، وأفضى إلى إسقاط حكم طالبان، بدأت الخلافات بين طهران وواشنطن حول مستقبل الحكم في أفغانستان وتقوض التعاون بين سليماني والجيش الأميركي. غير أن العراق كان العامل الأبرز في انهيار تلك الشراكة. فهناك أيضا ساعد سليماني الأميركيين في الإطاحة بصدام حسين، قبل أن تتباعد مواقف الطرفين، بعد سنوات قليلة، بشأن الكيفية التي ينبغي أن تدار بها البلاد.

وإذا كان الانقسام السني الشيعي يفسر إلى حد بعيد طبيعة الصراع في العراق، فإن المشهد الأفغاني كان أشد تعقيدا. فالطاجيك الناطقون بالفارسية، الذين وصلوا إلى السلطة بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، ينتمون إلى المذهب السني، ورغم روابطهم الثقافية الوثيقة مع الإيرانيين، فإنهم لا يشتركون معهم في الانتماء المذهبي. وفي المقابل، جند الأميركيون أعدادا كبيرة من الهزارة، الذين يشكلون إحدى أبرز الجماعات الشيعية في أفغانستان، للقتال إلى جانبهم، مما صعب على إيران استقطابهم إلى صفها، على الأقل في الساحة الأفغانية.

رويترز
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يستقبل وزير الخارجية الأفغاني أمير خان متقي خلال اجتماع "صيغة موسكو" للتشاور بشأن أفغانستان في موسكو، روسيا، 5 أكتوبر 2026

وفي الوقت نفسه، أخذت ثقة طالبان بباكستان تتآكل، على نحو ما يرويه الملا عبد السلام ضعيف في كتابه "حياتي مع طالبان". فقد اعتقل الجيش الباكستاني عددا من قادة الحركة، بينهم ضعيف نفسه، وسلمهم إلى الأميركيين، الذين نقلوهم إلى معتقل غوانتانامو. وأدركت قيادة طالبان أن باكستان لن تتردد في تسليم قادتها إلى الولايات المتحدة متى اشتدت عليها الضغوط.

وهكذا، بدأت الحركة تبحث عن حلفاء ورعاة جدد، لتجد في إيران وروسيا، اللتين كانتا من ألد خصومها، شريكين محتملين. وبالتوازي مع ذلك، شرعت طالبان في مراجعة مواقفها العقائدية المعادية للشيعة، واتجهت نحو إبداء قدر أكبر من التسامح معهم داخل أفغانستان.

مع تزايد الاستثمارات الروسية والصينية في أفغانستان، باتت بكين، على وجه الخصوص، تتطلع إلى استقرار هذا البلد، في مقابل الاضطرابات التي تشهدها باكستان، والتي أضرت باستثماراتها في بلوشستان

وفي نظر طالبان، كانت باكستان، في نهاية المطاف، دولة يحكمها جيش مدعوم من الغرب، ومستعد دائما لمجاراة السياسات الأميركية. وهنا لمحت طهران فرصتها. فبعدما شهدت تسعينات القرن الماضي تفوق باكستان وإقصاء الإيرانيين عن الساحة الأفغانية، باتت إيران وسليماني يتطلعان إلى الثأر لتلك الهزيمة. واقتضى ذلك أيضا دعم تنظيم "القاعدة"، الذي كانت فلول عناصره تتوارى في الجبال الممتدة على جانبي الحدود الأفغانية-الباكستانية.

دعم إيران لطالبان و"القاعدة" يقلب موازين القوى

كان الفريق مايكل فلين، الذي تولى رئاسة الاستخبارات العسكرية الأميركية في العراق وأفغانستان، أول جنرال أميركي يقدم أدلة على دعم إيران لتنظيم "القاعدة"، وعلى دور الإيرانيين في نقل فلول التنظيم من أفغانستان إلى العراق.

ويفصل أدريان ليفي، في كتابه "المنفى: فرار أسامة بن لادن"، الدور الذي اضطلع به "الحرس الثوري" الإيراني في حماية أسرة بن لادن وإيوائها داخل إيران، إلى جانب قيادات أخرى في تنظيم "القاعدة"، من بينها سيف العدل، الذي يتزعم التنظيم حاليا ولا يزال يقيم في إيران.

أ.ف.ب
عنصر أمني من حركة طالبان يقف بالقرب من مسارات سكة حديد "هرات خواف" التي تربط بين أفغانستان وإيران، في مقاطعة "زنده جان" بولاية هرات الأفغانية، 28 سبتمبر 2026

ويستعرض الكتاب أيضا كيف وجدت قيادات طالبان و"القاعدة" الفارين ملاذا في باكستان في البداية، قبل أن تنجح إيران في بسط نفوذها على تلك القيادات.

ومع اقتراب الحرب الأميركية في أفغانستان من نهايتها عام 2021، كانت طهران تتطلع بالفعل إلى خلافة الولايات المتحدة في موقع الراعي الرئيس لأفغانستان، إلى جانب روسيا والصين. وكانت قيادة طالبان قد انتظرت عشرين عاما للثأر من باكستان، بعدما انقلب جيشها على قادة الحركة. ورغم ما وفرته إسلام آباد لطالبان من ملاذات آمنة وقواعد، فإنها أخذت تخسر موقعها لمصلحة إيران، التي نجحت في استمالة الحركة عبر خطاب العداء المشترك للولايات المتحدة.

ومع تزايد الاستثمارات الروسية والصينية في أفغانستان، باتت بكين، على وجه الخصوص، تتطلع إلى استقرار هذا البلد، في مقابل الاضطرابات التي تشهدها باكستان، والتي أضرت باستثماراتها في بلوشستان. وقد مولت الصين إنشاء طرق وخطوط سكك حديدية تمتد من الحدود الصينية-الأفغانية إلى كابول، ومنها إلى ميناء بندر عباس الإيراني.

وتستخدم روسيا أيضا الممر البري عبر أفغانستان لإعادة إمداد إيران خلال فترات الهدوء في القتال.

أما بالنسبة إلى طهران، فقد برزت أفغانستان في لحظة كانت فيها إيران أحوج ما تكون إلى عمق استراتيجي جديد، بعد خسارتها السيطرة على سوريا والتراجع الحاد في قدرات "حزب الله".

وقد افتتحت إيران مصنعًا لطائرات "أبابيل-2" في طاجيكستان عام 2022، التي تستضيف نحو ستة آلاف جندي روسي. ويعتمد هذا الترتيب بدوره على الأراضي الأفغانية لربط إيران بآسيا الوسطى عبر كابول.

وإذا استؤنفت الحرب ضد إيران، فستكون أفغانستان عمقها الاستراتيجي. فالعلاقة بين طهران وكابول تقوم على المصالح الأمنية والاعتماد المتبادل، أكثر مما تستند إلى أي روابط دينية أو مذهبية.

والمفارقة أن طالبان حركة يغلب عليها البشتون، الذين لا ينتمون إلى الجماعات الناطقة بالفارسية، في حين أن الطاجيك والأوزبك والهزارة، الذين يصنفهم الكاتب ضمن الجماعات الأفغانية الناطقة بالفارسية، باتوا اليوم خارج حسابات الدعم الإيراني.

ومن شأن تجدد الحرب ضد إيران أن يعيد الساحة الأفغانية إلى واجهة الصراع الإقليمي.

font change