هل يؤدي فوز نتنياهو إلى هجرة جماعية من إسرائيل؟

يفكر بالفعل نحو خمس الناخبين الإسرائيليين في الرحيل

(أ.ب)
(أ.ب)
يمر أحد المشاة بجوار لوحة إعلانية انتخابية تظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومنافسه المرشح بالمعارضة غادي آيزنكوت، تل أبيب، إسرائيل، 23 أكتوبر2026

هل يؤدي فوز نتنياهو إلى هجرة جماعية من إسرائيل؟

قبل أسبوع من الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، سافر أمير، وهو إسرائيلي يعمل لحسابه الخاص في قطاع التكنولوجيا، إلى جزيرة إيفيا اليونانية لمعاينة عقارات معروضة للبيع. وكان يعتزم شراء منزل لقضاء العطلات مع زوجته، وطلب الاكتفاء بذكر اسمه الأول حتى يتمكن من الحديث عن شؤونه الخاصة، لكنه قال إن المنزل قد يصبح مقر إقامتهما الدائم إذا بقي ائتلاف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اليميني المتطرف في السلطة بعد انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول.

وقال أمير: "نتحدث عن المغادرة منذ وقت طويل. وينتظر معظم من أعرفهم نتائج الانتخابات ليناقشوا المسألة بجدية أكبر وبصورة عملية".

يفكر نحو خمس الناخبين الإسرائيليين في الهجرة بسبب الأوضاع الأمنية والاجتماعية في إسرائيل، بحسب استطلاع أجرته الجامعة العبرية في القدس ونشرت نتائجه في 4 أكتوبر. وأظهرت استطلاعات أخرى أجريت خلال الصيف الماضي نتائج مماثلة، وأظهر الاستطلاع الأخير أن الإسرائيليين يشعرون بقدر كبير من عدم اليقين إزاء مستقبل إسرائيل، إذ يعتقد أقل من ربع السكان أن أبناءهم سيعيشون في ظروف أفضل.

يتزايد شعور الإسرائيليين بانعدام الأمن منذ هجمات حركة "حماس" في 7 أكتوبر 2023، وفي ظل حروب إسرائيل في غزة ولبنان ومع إيران. وارتفعت تكاليف المعيشة ارتفاعا حادا، إذ زادت أسعار المواد الغذائية بنسبة 20 في المئة خلال السنوات الأربع الماضية. ويشهد المجتمع الإسرائيلي استقطابا شديدا بين المعسكر الليبرالي العلماني والمعسكر القومي الديني. ويخشى منتقدو نتنياهو أن يتبنى ائتلافه، إذا فاز بالانتخابات، سياسات تخدم مصالح القوميين المتدينين على حساب بقية الإسرائيليين.

تشير أحدث استطلاعات الرأي إلى احتمال كبير أن لا يتمكن ائتلاف نتنياهو أو كتلة المعارضة الرئيسة من الحصول على أغلبية برلمانية، ما قد يسفر عن برلمان لا يحظى فيه أي معسكر بالأغلبية، ويفتح الباب أمام مفاوضات لتشكيل ائتلاف حاكم. وإذا أخفقت تلك المفاوضات في تأمين أغلبية، فسيبقى نتنياهو، الذي أمضى في رئاسة الوزراء مدة أطول من أي رئيس وزراء إسرائيلي آخر، رئيسا لحكومة تصريف الأعمال حتى إجراء انتخابات جديدة.

 يتزايد شعور الإسرائيليين بانعدام الأمن منذ هجمات 7 أكتوبر وحروب غزة وإيران، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الغذاء 20 في المئة خلال أربع سنوات، والخلاف حول تجنيد الحريديم

إذا قرر آلاف الإسرائيليين الهجرة بناء على نتائج الانتخابات وما يعقبها من تطورات، فقد تخسر إسرائيل عاملين من ذوي المهارات العالية في قطاعات حيوية يقوم عليها اقتصادها، وغالبا ما ينتمي هؤلاء إلى التيارات الأكثر علمانية في البلاد. وقد يخل رحيلهم بالتوازن السياسي بين السكان الباقين، ما يؤدي بدوره إلى إضعاف المعارضة الداخلية.

يعد كثير من الإسرائيليين الانتخابات البرلمانية هي الأهم في تاريخ إسرائيل، وهي الأولى منذ هجمات 7 أكتوبر التي قتل فيها نحو 1200 شخص واختطف 251 آخرون. وتواجه إسرائيل عزلة دولية متزايدة بسبب حربها في غزة وتصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية. ومنذ اندلاع الحرب، قتل أكثر من 74 ألف شخص في غزة، ودمر جزء كبير من القطاع.

كان المجتمع الإسرائيلي يعاني الاستقطاب حتى قبل هجمات "حماس" عام 2023. ففي وقت سابق من ذلك العام، اقترحت حكومة نتنياهو مشروع قانون للإصلاح القضائي كان من شأنه الحد من رقابة المحكمة العليا على التشريعات والسياسات الحكومية، وتقويض التوازن بين السلطات، بما يزعزع الديمقراطية الإسرائيلية بحسب منتقديه. وخرج آلاف الإسرائيليين إلى الشوارع احتجاجا على المشروع، ما عمق الانقسامات في المجتمع، وأبطلت المحكمة القانون في نهاية المطاف.

(رويترز)
رجل يهودي من الحريديم يدلي بصوته في مركز اقتراع خلال الانتخابات العامة في إسرائيل، في القدس، 27 أكتوبر 2026

ازدادت تلك الانقسامات حدة بعد 7 أكتوبر. فقد اتهم مسؤولون حاليون وسابقون في الجيش والمؤسسة الدفاعية الإسرائيلية نتنياهو باتباع استراتيجيات خاطئة في التعامل مع أزمة الرهائن، فيما اتهمت عائلات الرهائن الحكومة بالتقاعس عن التحرك. وأيد بعض الإسرائيليين المؤيدين للحرب ممارسة ضغط عسكري شديد للغاية في غزة، بينما واظبت شرائح واسعة من السكان على التظاهر ضد الحرب.

وأمضى آلاف من جنود الاحتياط في الجيش الإسرائيلي مئات الأيام في الخدمة العسكرية في غزة ولبنان. أما أفراد المجتمع اليهودي الحريدي، وهم الفئة السكانية الأسرع نموا في البلاد، فنادرا ما يؤدون أي نوع من الخدمة العسكرية. وفي عام 2024، قضت المحكمة العليا بعدم جواز استمرار إعفاء الرجال الحريديم من التجنيد، وأمرت الجيش بالبدء في استدعائهم للخدمة. ومع ذلك، لا تزال معدلات الخدمة العسكرية والمشاركة في سوق العمل بين اليهود الحريديم منخفضة، ما يثير استياء بقية الإسرائيليين.

واصلت تكاليف المعيشة ارتفاعها، ويرجع ذلك جزئيا إلى مشكلات هيكلية لم تعالجها الحكومة، منها تركز الأسواق بدرجة كبيرة في أيدي عدد محدود من الشركات. وأسهم ارتفاع الضرائب ورسوم المرافق العامة في زيادة التكاليف، فيما فاقمت النفقات الأخرى المرتبطة بالحرب ديون البلاد. وتضرر قطاعا السياحة والبناء في إسرائيل بشدة من الصراع المستمر ونقص العمالة الناجم عن التجنيد، فضلا عن تعليق تصاريح العمل الممنوحة للفلسطينيين من الضفة الغربية.

فاقمت هذه التطورات مجتمعة الانقسامات بين التيارات القومية والدينية التي تؤيد نتنياهو وحلفاءه من اليمين المتطرف، والتيارات الأكثر ليبرالية وعلمانية التي تسعى إلى إخراج ائتلافه من السلطة.

شغل نتنياهو منصب رئيس الوزراء الإسرائيلي لما يقرب من 19 عاما. وتشير استطلاعات الرأي إلى تقارب نسب التأييد لحزب "الليكود"، الذي يتزعمه نتنياهو، وحزب "يشار"، الذي أسسه العام الماضي غادي آيزنكوت، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق في عهد نتنياهو. وتحالف آيزنكوت مع ثلاثة أحزاب أصغر حجما، لكن من المرجح أن لا يحصل هذا المعسكر المعارض على أغلبية مطلقة. وبعد الانتخابات، قد يسعى آيزنكوت إلى التوصل إلى اتفاق مع حزبي المعارضة الإسرائيليين ذوي الغالبية العربية لتشكيل حكومة أقلية، وإن كانت فرص نجاح مثل هذا الاتفاق سياسيا لا تزال غير محسومة.

تحمل أحزاب المعارضة نتنياهو مسؤولية الإخفاقات الأمنية التي أدت إلى هجمات 7 أكتوبر، وكذلك الإخفاق في القضاء على التهديدات التي تشكلها "حماس" و"حزب الله" وإيران. وتتفق هذه الأحزاب على ضرورة تشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في مسؤولية القيادة الإسرائيلية عن الهجمات، وتعهدت بتطبيق التجنيد الإلزامي على الرجال الحريديم.

رصد الباحثون تزايدا في الهجرة بين حملة شهادات الدكتوراة والمهندسين وأصحاب الدخل المرتفع نسبيا، و"هجرة جماعية للأطباء"، حيث غادر نحو 1400 طبيب لأكثر من 12 شهراً بزيادة 94 في المئة مقارنة بفترة مماثلة بين عامي 2013 و2015

كتب الصحافي الإسرائيلي أمير تيبون مؤخرا في مجلة "ذا أتلانتيك" أن فوز نتنياهو قد يؤدي فورا إلى "رحيل جماعي للإسرائيليين المتعلمين وذوي المهارات العالية". وعاد تيبون هذا الشهر إلى منزله في كيبوتس ناحال عوز، بعد ثلاث سنوات من نجاته من هجمات "حماس"، لكنه قال إنه وزوجته "يجدان صعوبة في تصور أي مستقبل لهما هنا إذا بقيت هذه الحكومة في السلطة"، مشيرا إلى أن كثيرا من أصدقائه وأقاربه غادروا إسرائيل بالفعل.

وبالفعل، تشير دراسة نشرتها جامعة تل أبيب في أغسطس/آب إلى أن قرابة 270 ألف إسرائيلي غادروا البلاد لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر متتالية بين عامي 2023 و2025، بعد سنوات ظلت فيها معدلات الهجرة مستقرة نسبيا. ويعادل ذلك نحو 90 ألف مغادر سنويا، بزيادة تقارب 50 في المئة على المتوسط السنوي المسجل خلال العقد السابق.

ورصد الباحثون تزايدا في الهجرة بين الأطباء وحملة شهادات الدكتوراه والمهندسين وأصحاب الدخل المرتفع نسبيا. وشهدت إسرائيل خلال السنوات الثلاث الماضية "هجرة جماعية للأطباء"، إذ غادر نحو 1400 طبيب البلاد لفترات تجاوزت 12 شهرا، بزيادة بلغت 94 في المئة مقارنة بفترة مماثلة بين عامي 2013 و2015.

وقد أجرت ليلاخ ليف آري، أستاذة علم الاجتماع في كلية أورانيم، استطلاعا شمل إسرائيليين هاجروا بين عامي 2023 و2025، وقالت إن 20 في المئة من المشاركين أفادوا بأنهم لن يعودوا للعيش في إسرائيل أبدا، وهي نسبة تعادل نحو ضعف ما سجلته في دراسات أجرتها خلال سنوات سابقة. وقالت ليف آري لمجلة "فورين بوليسي": "ما يميز هذه المجموعة من المهاجرين هو الاعتبارات الأمنية والحرب، ولا سيما الوضع الاجتماعي والسياسي في إسرائيل".

قد تؤدي "الهجرة الجماعية" للشريحة التي يغلب عليها الطابع الليبرالي والعلماني إلى تغيير التوازن الديموغرافي والسياسي في إسرائيل لمصلحة التيارات القومية الدينية

لا تنفرد إسرائيل بظاهرة هجرة العمالة عالية المهارة، لكن اقتصادها قد يكون أشد تأثرا بها بسبب اعتماده الكبير على الكفاءات البشرية المؤهلة، خصوصا في قطاعات التكنولوجيا والرعاية الصحية والأوساط الأكاديمية وغيرها من القطاعات التي تعتمد بكثافة على المعرفة. وبحسب معهد "شورش"، يدفع 20 في المئة فقط من العاملين في إسرائيل ما نسبته 93 في المئة من إجمالي إيرادات ضريبة الدخل، فيما لا يدفع نصف أصحاب الدخل في إسرائيل أي ضريبة على الدخل لشدة انخفاض دخولهم.

وقال إيتاي آتر، أستاذ اقتصاد الأعمال في جامعة تل أبيب: "يشتد هذا الخطر خصوصا في إسرائيل، حيث تؤدي مجموعة صغيرة نسبيا من ذوي المهارات العالية، تضم بضع مئات الآلاف من الأشخاص، دورا يفوق حجمها بكثير في دعم اقتصاد البلاد ومؤسساتها الأساسية. وقد يطلق رحيل حتى جزء صغير من هذه المجموعة حلقة مفرغة، فكلما زاد عدد المغادرين، ساءت الآفاق الاقتصادية للبلاد وتدهورت خدماتها الأساسية، ما يدفع آخرين إلى المغادرة، وقد يشعل موجة هجرة أوسع بكثير".

(أ.ب)
احتجاجات مناهضة للحكومة قبيل الانتخابات العامة في إسرائيل، تل أبيب، إسرائيل، في 24 أكتوبر 2026

قد تؤدي الهجرة الجماعية لهذه الشريحة، التي يغلب عليها الطابع الليبرالي والعلماني، إلى تغيير التوازن الديموغرافي والسياسي في إسرائيل لمصلحة التيارات القومية الدينية. ومع مرور الوقت، قد يؤثر هذا التحول في السياسات المتعلقة بالصراع الإسرائيلي-الفلسطيني والحريات المدنية وصلاحيات القضاء والعلاقة بين الدين والدولة. وقد يؤدي ضعف القوى القادرة على موازنة نفوذ التيارات المتشددة إلى دوامة مستمرة من الاستقطاب تدفع مزيدا من الإسرائيليين إلى الهجرة.

غادر الناشط الإسرائيلي حجاي أغمون سنير وزوجته إسرائيل إلى إيطاليا هذا الصيف، بعدما أمضى عقودا في تعزيز الشمول والمساواة في بلده. وبصفته أحد مؤسسي "مركز القدس للتواصل بين الثقافات"، ساعد أغمون سنير في فتح قنوات للحوار بين مجتمع الميم واليهود الحريديم، وتدريب آلاف من أفراد الشرطة على أساليب لا تعتمد على العنف، ودعم مبادرة علمت عشرات الآلاف من الإسرائيليين التحدث بالعربية.

ورغم أن جودة حياته في إسرائيل كانت "ممتازة"، قال أغمون سنير إنه لم يستطع تجاهل السياسة. وأضاف: "غادرنا لأن إسرائيل أصبحت بلدا لا أمل فيه، وشعرنا بالحاجة إلى الابتعاد عن ذلك الشر". ووصف قراره بأنه "هجرة بدوافع أيديولوجية"، مشيرا إلى أن هذا النوع من الهجرة نادر نسبيا مقارنة بحالات المغادرة التي تدفعها المخاوف "من أن تنهار إسرائيل أو... أن يفقدوا امتيازاتهم".

بعد أن نشرت صحيفة "هآرتس" مقابلة تناولت قصته، قال أغمون سنير إن عشرات الأشخاص تواصلوا معه لمعرفة مزيد من التفاصيل عن قراره وطلب المشورة. وسيعود هو وزوجته إلى إسرائيل للإدلاء بصوتيهما في انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول، إيمانا منهما بقدرتهما على مواصلة الإسهام من الخارج في الحد من مظاهر الظلم داخل إسرائيل. وقال أغمون سنير: "اخترنا أن نستغل حريتنا وقدراتنا لمواصلة النضال من خارج إسرائيل، مع الحفاظ على نزاهتنا".

font change

مقالات ذات صلة