البولندية مونيكا سوسنوفسكا في ثقل المادة وخفة العالم

في مصنع النقانق الذي صار متحفا

South London Gallery
South London Gallery
من أعمال مونيكا سوسنوفسكا

البولندية مونيكا سوسنوفسكا في ثقل المادة وخفة العالم

في لندن القرن التاسع عشر، كانت هناك خيول نارية حقيقية تجوب المدينة، تجر عربات الإطفاء بطواقمها إلى المباني المحترقة. تلك معلومة تجعل من اعتبار عام 2026 عام حصان النار بحسب الأبراج الصينية أمرا مفهوما على المستوى الواقعي.

ولولا معرض النحاتة وفنانة التجهيز البولندية مونيكا سوسنوفسكا ما كان في إمكاني أن أصل إلى المعلومتين اللتين يفصل بينهما التاريخ والجغرافيا مرورا بالمعنى والمغزى. ولكن العلاقات بين الأشياء والوقائع تبنى أحيانا بطريقة مجانية لتصل إلى انسجامها.

محطة إطفاء صارت متحفا

معرض "ثقل المادة" يقام في متحف لندن للفنون، وهو بناية تقع جنوب العاصمة البريطانية كانت في الأصل محطة إطفاء "بيكهام رود" التي أنشئت عام 1867 وهي أقدم محطة إطفاء بنيت خصيصا لهذا الغرض في لندن. قبل أن تتحول تلك البناية إلى صالة عرض فني، كانت مصنعا للنقانق لمدة 73 عاما. ولأن الفنانة تحرص دائما على استشكاف شكل المبنى الذي ستعرض فيه أعمالها من الداخل، جاء معرضها منسجما مع روح المكان.

كرست سوسنوفسكا مسيرتها لاستكشاف كيف تشكل العمارة الحياة المعاصرة وكيف تتجاوز وظيفتها وتشهد على تحول المدينة وتغير المزاج البصري

من المؤكد أن الفنانة استلهمت وظائف كل جزء من المحطة كي لا تكون أعمالها غريبة عن تاريخه، مع تأكيد أن ذلك التوافق لم يكن وصفيا، بمعنى أن الفنانة البواندية التي لطالما شغفت بأشكال العمارة سعت إلى تقليص المسافة بين المكان باعتباره عمارة مجردة من وظيفتها وأعمالها التركيبية التي تعيد بعنف صوغ الأشكال الجاهزة، بحيث تفارق ماضيها.

كرست سوسنوفسكا (1972) مسيرتها الفنية لاستكشاف كيف تشكل العمارة الحياة المعاصرة وكيف تتجاوز وظيفتها وتشهد على تحول المدينة وتغير المزاج البصري. هناك صلة وثيقة إذن بالمبنى الذي تحول من محطة إطفاء إلى مصنع للنقانق قبل أن يستقر متحفا فنيا. سوسنوفسكا التي يضم معرضها الحالي أعمالا أنجزتها عبر الأربعة عشر عاما الماضية، سعت إلى خلق وشائج بين أعمالها والمكان، بحيث لا يبدو المكان كأنه فضاء صامت للعرض. شغفها بالعمارة يدفع بها إلى الزج بأعمالها النحتية في عملية المساءلة التي تقع بين عمليتي الهدم والبناء. لذلك فإنها تجد في الأماكن التاريخية فضاءات مناسبة لتجسيد إيقاعات التحول النفسي الذي يعيشه المرء في مواجهة الانعطافات التاريخية.    

South London Gallery
عمل تجهيزي لمونيكا سوسنوفسكا

يوم كان العالم ثقيلا

يذكر عنوان "ثقل المادة" بـ"ثقل العالم" الذي سبق للنحات الإسباني إدواردو تشيليدا (1924 ــ 2002) أن عالجه بمنحوتاته، الثقيلة الوزن الخفيفة بصريا. كم كان يجب أن تكون خفيفا في ابتكار مساحتك الشخصية. هي ذاتها خفة الكائن حسب الروائي التشيكي ميلان كونديرا. عاشت سوسنوفسكا مباشرة ما عاشه كونديرا عن بعد، في اعقاب تحوله إلى مواطن فرنسي. لقد انهار النظام الشيوعي من حولها في بولندا عام 1989، في الوقت الذي كانت سوسنوفسكا تخطو في اتجاه سن الرشد. عصفت رياح التغيير بالعمارة الإشتراكية المتجهمة.

South London Gallery
عمل تجهيزي للبولندية مونيكا سوسنوفسكا

وارثة عالم كان انهياره مدويا. لم تكن دعاية العالم الغربي صادقة. سوسنوفسكا تعرف كم كان العالم الشيوعي ثقيلا وقويا بإمتداداته إلى الروح. توافقت أبنيته الخرسانية المتجهمة مع شعور مرهق بالعزلة لدى الفرد المستلب بسبب الرقابة التي تفننت في تطويع البشر باعتبارهم كائنات قابلة للتكيف في أسوأ حالاته. عاشت سوسنوفسكا سنوات تفتحها على معنى الحياة في شعور عميق بأنها ستكون جزءا من ذلك المبنى الاسمنتي الذي تضيق به العين قبل الروح. أما حين انهار ذلك المبنى فإن ما تبقى منه هو عبارة عن أشكال، تنوء بثقل مادتها. 

تلك الأشكال المستلهمة خياليا من انهيار واقعي، وهبت سوسنوفسكا مادتها الخام. الفولاذ والخرسانة وقضبان التسليح والسلالم والأسيجة والبوابات، هي العناصر الوظيفية للعمارة الحديثة التي تثنى وتشوه وتلوى لتشكل أشكالا جديدة غريبة وبعيدة عن الأشكال التي كانت قائمة. ما ترغب الفنانة التي أكملت دراسة الفن في أمستردام في إيصاله، إنما يستند على حقيقة أن سقوط النظام السياسي الشمولي في بولندا لم يكن مجرد عاصفة سياسية عابرة، بل إن ما أحدثه من تغيير لا بد أن يشمل شكل المدينة ووظيفتها. الأمر الذي ينعكس بطريقة انقلابية على العمارة المادية والإنسانية من الداخل: روح العمارة كما روح الإنسان والعلاقة بين الطرفين. ما كان خفيا بدافع الخوف لدى الإنسان وما كان مخفيا بقوة العنف، صار مكشوفا بعد انهيار سلطة "الأخ الأكبر" حسب رواية جورج أرويل "1984".

ما كان خفيا بدافع الخوف لدى الإنسان وما كان مخفيا بقوة العنف صار مكشوفا بعد انهيار سلطة "الأخ الأكبر"

في أحيان كثيرة تعمل مونيكا سوسنوفسكا على التفاعل مع عنصر أو وحدة بناء مادي جاهزة، كأن تكون تلك الوحدة جزءا من مبنى أو أن تشكل بمفردها جهازا سبق أن كانت له وظيفته، في إشارة إلى النظام الشمولي الذي تعطل. لكنها لا تبقي أي شيء على حاله كأنها تعيد خلقه.

درج يعمل والآخر يتخيل

في محطة الإطفاء بجنوب لندن بدأت سوسنوفسكا عملها مباشرة على المبنى نفسه في محاولة منها لاختراع علاقة بتاريخ المكان. كأن الفنانة تسعى إلى تفتيت الزمن إلى وحدات مادية قابلة للتغيير. ففي غرفة المحركات القديمة تتمدد كومة ملتوية من الفولاذ الأسود على الأرض. ولا تظهر هويتها السابقة إلا عند التدقيق. إنه درج ملتو الى درجة يصعب معها التعرف اليه بسبب ما تعرض له من عمليات تشويه. في الجهة المقابلة يصعد الدرج الأبيض الناصع الذي ركّب عند افتتاح المعرض للجمهور عام 2018 بانسيابية. أحدهما يعمل والآخر مشوه بلا فائدة. في الطابق العلوي في مساكن ما قبل الافتتاح حيث كان يسكن سبعة من رجال الإطفاء وعائلاتهم، أصبحت آثار المبنى جزءا من العمل الفني. تنتشر قطع من البلاط الملطخ بالطلاء على أحد الجدران، بينما تتنكر قطع ضخمة من الفولاذ المطلي في هيئة أوراق مجعدة، صدى للداخل المتقشر والمتهالك الذي سبق ترميم قاعة العرض.

على الجانب الآخر من الطريق في المعرض الرئيس، رفعت سوسنوفسكا مجموعة متشابكة من المنحوتات الفولاذية الضخمة إلى عوارض السقف الفيكتورية، بعضها يزن أكثر من نصف طن (أي ما يعادل تقريبا وزن آلة بيع مليئة بالبضائع). تبدو هذه المنحوتات المعلقة كقطع متحركة عملاقة وكأنها انتشلت من كومة خردة معمارية وعلقت للمعاينة. ثمة متعة حقيقية في التجول حولها وتحتها وبينها، حيث يتدفق الضوء من الأعلى متراقصا على الفولاذ الملتوي، وملقيا بظلال متغيرة على الأرض.

في جانب مهم من تجربة الفنانة، تقف تلك المفارقة التي يبحث من خلالها الحطام عن حياة ثانية. أشياء بنيت للنفع فتشوهت حتى أصبحت من غير جدوى بعدما فارقت وظيفتها. كيانات تجريدية ثلاثية الأبعاد ضخمة، تفاجئنا بثقل مادتها، غير أن الفنانة تنتشلها من عزلتها لتبث فيها روح حياة من خلال إزاحتها عن عالمها القديم. علينا أن ننظر إليها باعتبارها أعمالا فنية خالصة. تلك مهمة صعبة.

South London Gallery
عمل لمونيكا سوسنوفسكا

شيء غامض يقود إلى الذاكر

في تاريخ النحت البولندي الحديث هناك ماجدلينا اباكانوفتش (1930 ــ 2017)، النحاتة التي صارت أعمالها الضخمة بكل ما حفلت به من تكرار، جزءا من تاريخ النحت العالمي الحديث. غير أن مونيكا سوسنوفسكا التي انفتحت بفهمها للنحت على تجارب فنَّي التركيب والتجهيز، إضافة إلى فن المفاهيم، لا تمثل بتجربتها الفنية امتدادا للطابع الملحمي الذي تميزت به تجربة ماجدلينا، حيث يتماهى وهم المرئيات مع واقع متخيل. كأن النحاتة كانت تسعى إلى بناء عمارة بشرية مقابلة هي الأخرى تميزت بغموضها.

تحضر سوسنوفسكا من جهة نقدية، فيها قدر عظيم من تحدي الفكرة التي كانت قائمة. تبدأ النحاتة من حقيقة أن العالم من حولها انهار تماما ولا شيء منه يصلح أن يبقى على حاله أو قادر على إداء وظيفته التي لم تعد قائمة أصلا.

كل الأشياء والمعدات التي عملت سوسنوفسكا على تهديمها وتهشيمها وتشويهها تكتسب في صورتها الجديدة خفة لا يتوقع المرء أنها كانت كامنة فيها

اللافت في أعمال سوسنوفسكا ذلك الشيء الغامض الذي يتردد صداه من المادة الصناعية الباردة، وهو الشيء الذي يبث روح حياة في أشكال، بترت من آلية عملها القديم، غير أنها لم تفقد اتصالها المشوش بذاكرتها. تلك ذاكرة ترتبط بزمن تاريخي هو ليس بالضرورة زمن الجاذبية البصرية التي يخلقها العمل الفني الذي هو ليس فقط إعادة تدوير أو إنتاج بقدر ما هو محاولة لخلق فضاء نفسي وتاريخي آخر.

كل الأشياء والمعدات التي عملت سوسنوفسكا على تهديمها وتهشيمها وتشويهها تكتسب في صورتها الجديدة خفة لا يتوقع المرء أنها كانت كامنة فيها.

font change